تفسير هذه الآية

السورة 6 : الآية 128

السورة 6 : الآية 128

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ¬في ت 1، ت 2، ت 3، س، ف، وفيما سيأتي: "نحشرهم" بالنون، وغير منقوطة في ص، والمثبت قراءة حفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالنون. السبعة لابن مجاهد ص 269.¥ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ}.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا}: ويومَ يَحْشُرُ ¬في ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "نحشر".¥ هؤلاء العادلين باللهِ الأوثانَ والأصنامَ، وغيرَهم مِن المشركين، مع أوليائِهم مِن الشياطينِ الذين كانوا يُوحُون إليهم زُخْرُفَ القولِ غُرورًا ليُجادِلوا به المؤمنين، فيَجْمَعُهم جميعًا في موقفِ القيامةِ، يقولُ للجِنِّ: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ}.
وحذَف "يقولُ للجِنِّ"، من الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليه منه.
وعَنَى بقولِه: {قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ}: اسْتَكْثَرْتُم مِن إضلالِهم وإغْوائِهم.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ}. يعني: أَضْلَلْتُم منهم كثيرًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1387 (7890) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 45 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ}. قال: قد أَضْلَلْتُم كثيرًا من الإنسِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 218، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1387 (7892) عن معمر به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: {قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ}. قال: كثُر مَن أَغْوَيْتُم ¬تفسير مجاهد ص 328، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1387 (7891) وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 45 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: {قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ}. يقولُ: أَضْلَلْتُم كثيرًا مِن الإنسِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: فيُجِيبُ أولياءُ الجنِّ مِن الإِنسِ، فيقولون: ربَّنَا اسْتَمْتَعَ بعضُنا ببعضٍ في الدنيا.
فأمّا اسْتِمْتاعُ الإنسِ بالجنِّ، فكان كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ}. قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ يَنْزِلُ الأَرضَ فيقولُ: أَعوذُ بكبيرِ هذا الوادى. فذلك اسْتِمْتاعُهم، فاعْتَذَروا يومَ القيامةِ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 3/ 331 عن ابن جريج به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 45 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
وأمّا استمتاعُ الجنِّ بالإنسِ، فإنه كان فيما ذُكِر، ما يَنالُ الجِنُّ مِن الإِنسِ، مِن تعظيمِهم إياهم في استعاذتِهم بهم، فيقولون: قد سُدْنا الجِنَّ والإنسَ ¬في ص: "الحن"، وفي ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "الجن". وقد وردت هذه الفقرة في جميع النسخ ما عدا "ص" من تمام كلام ابن جريج، وصنيع ابن كثير في تفسيره يشعر بذلك، ولكن قد فُصلت في "ص" عن الأثر قبلها، ويؤيده صنيع السيوطي.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا}.
يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وبلَغْنا الوقتَ الذي وقَّتَّ لموتِنا. وإنما يعني جلَّ ثناؤُه بذلك أنهم قالوا: اسْتَمْتَع بعضُنا ببعضٍ أيامَ حياتِنا إلى حالِ موتِنا.
كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: {وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا}. فالموتُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1388 عقب الأثر (7896) من طريق عمرو بن حماد عن أسباط به.¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)}.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عما هو قائلٌ لهؤلاء الذين يَحْشُرُهم يومَ القيامةِ، مِن العادلين به في الدنيا الأوثانَ، ولقُرَنائِهم من الجنِّ. فأَخْرَج الخبرَ عما هو كائنٌ مُخْرَجَ الخبرِ عما كان؛ لتقدُّمِ الكلامِ قبلَه بمعناه والمرادِ منه، فقال: قال اللهُ لأولياءِ الجنِّ مِن الإنسِ، الذين قد تقدَّم خبرُه عنهم: {النَّارُ مَثْوَاكُمْ}. يعني: نارُ جهَنَّمَ، {مَثْوَاكُمْ}: الذي تَثْوُون فيه، أي: تُقِيمون فيه.
والمَثْوَى هو المَفْعَلُ، مِن قولِهم: ثَوَى فلانٌ بمكانِ كذا. إذا أقام فيه.
{خَالِدِينَ فِيهَا}. يقولُ: لابثين فيها، {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ}. يعني: إلا ما شاء اللهُ مِن قَدْرِ مُدَّةِ ما بينَ مَبْعَثِهِم مِن قبورِهم إلى مصيرِهم إلى جهنمَ، فتلك المدةُ التي اسْتَثْناها اللهُ مِن خلودِهم في النارِ، {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ} في تدبيرِه في خلقِه، وفي تصريفِه إياهم في مشيئتِه من حالٍ إلى حالٍ، وغيرِ ذلك مِن أفعالِه، {عَلِيمٌ} بعَواقبِ تدبيرِه إياهم، وما إليه صائرةُ ¬في م: "صائر" والمراد بالصائرة العاقبة والمآل، من الصائرة، وهو ما يصير إليه النبات من اليُبْس. ينظر اللسان (ص ي ر).¥ أمرِهم مِن خيرٍ وشرٍّ.
ورُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَتَأَوَّلُ في هذا الاستثناءِ أن اللهَ جَعَل أَمْرَ هؤلاء القومِ في مَبْلَغِ عذابِه إياهم إلى مشيئتِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. قال: إن هذه الآيةَ آيةٌ لا يَنْبَغِي لأحدٍ أن يَحْكُمَ على اللهِ في خلقِه؛ لا ¬في م: "ألا".¥ يُنْزِلُهم جنةً ولا نارًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1388 (7897) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 45 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ، وتقدم أوله في ص 555.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6