تفسير هذه الآية

السورة 6 : الآية 159

السورة 6 : الآية 159

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

تفسير ابن كثير

{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)}.

قال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى ¬قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عبيد بن سليمان عنه ويشهد له ما سبق.¥.

وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا) وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - فتفرقوا فلما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - أنزل الله عليه {إِنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} الآية ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن العوفي به ويشهد له ما سبق، والقراءة بلفظ: "فارقوا" متواترة.¥.

وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمر السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، كتب إليّ عبّاد بن كثير، حدثنا ليث، عن طاوس، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}: "وليسوا منك هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًا لأن عباد بن كثير وهو الثقفي متروك قال أحمد: روى أحاديث كذب (التقريب ص 290).¥. لكن هذا إسناد لا يصح فإن عبّاد بن كثير متروك الحديث ولم يختلق هذا الحديث ولكنه وهم في رفعه فإنه رواه سفيان الثوري عن ليث - وهو ابن أبي سُليم -، عن طاوس، عن أبي هريرة في الآية أنه قال: نزلت في هذه الأمة ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به، وفي سنده ليث بن أبي سليم فيه مقال ويتقوى برواية الطبراني في الأوسط فقد أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي (المجمع 7/ 22، 23).¥.

وقال أبو غالب، عن أبي أمامة في قوله: {وَكَانُوا شِيَعًا} قال: هم الخوارج وروي عنه مرفوعًا ولا يصح ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حميد بن مهران عن أبي غالب به، وفي سنده أبو غالب صاحب أبي أمامة صدوق يخطي كما في "التقريب" ولم يتابع، فسنده ضعيف.¥.

وقال شعبة، عن مجالد، عن الشعبي، عن شُريح، عن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة - رضي الله عنها -: " {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} " قال: "هم أصحاب البدع" ¬في سنده مجالد ليس بالقوي كما في "التقريب" ص 520.¥. وهذا رواه ابن مردويه وهو غريب أيضًا ولا يصح رفعه، والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق فمن اختلف فيه {وَكَانُوا شِيَعًا} أي: فرقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات فإن الله تعالى قد برأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مما هم فيه وهذه الآية كقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13].

وفي الحديث: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد" ¬تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة المائدة آية 48.¥ فهذا هو الصراط المستقيم وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له والتمسك بشريعة الرسول المتأخر وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برآء منها كما قال الله تعالى: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}.

وقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)} [الحج]

تفاسير بلغات أخرى · 6