تفسير هذه الآية

السورة 6 : الآية 160

السورة 6 : الآية 160

مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

تفسير ابن كثير

{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)}.

ثم بيّن لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة فقال تعالى:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)}. وهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل في الآية الأخرى وهي قوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} [النمل: 89] وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية كما قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -: حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجعد أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: "إن ربكم - عز وجل - رحيم من همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة. ومن همّ بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله - عز وجل - ولا يهلك على الله إلا هالك" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 1/ 279)، وسنده صحيح.¥ ورواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث الجعد أبي عثمان به ¬صحيح البخاري، الرقاق، باب من همّ بحسنة أو بسيئة (ح 6491)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب إذا همّ العبد بحسنة كتبت (ح 207).¥.

وقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرّ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يقول الله - عز وجل -: "من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر، ومن عمل قِراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئًا جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إلي ذراعًا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 153)، وسنده صحيح.¥ ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش ¬أخرجه مسلم من طريق وكيع وأبي معاوية كلاهما عن الأعمش به (الصحيح، الذكر والدعاء، باب فضل الذكر والدعاء ح 2687).¥ به، ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع به.

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا شيبان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، فإن عملها كُتبت له عشرًا ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم يُكتب عليه شيء، فإن عملها كُتبت عليه سيئة واحدة" ¬أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند 6/ 170 ح 3451)، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق شيبان بن فروخ به (الصحيح، الإيمان، باب الإسراء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ح 162).¥.

واعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام: تارة يتركها لله، فهذا تكتب له حسنة على كفّه عنها لله تعالى وهذا عمل ونية ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة كما جاء في بعض ألفاظ الصحيح فإنما تركها من جرائي أي من أجلي، وتارة يتركها نسيانًا وذهولًا عنها فهذا لا له ولا عليه لأنه لم ينو خيرًا ولا فعل شرًا، وتارة يتركها عجزًا وكسلًا عنها بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا بمنزلة فاعلها. كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" ¬تقدم تخريجه وصحته في تفسير سورة المائدة آية 28.¥.

وقال الإمام أبو يعلى الموصلي: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا مكي، وحدثنا الحسن بن الصباح وأبو خيثمة، قالا: حدثنا إسحاق بن سليمان كلاهما عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن جده أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من همّ بحسنة كتب الله له حسنة فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن همّ بسيئة لم تُكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كُتبت عليه سيئة، فإن تركها كُتبت له حسنة يقول الله تعالى إنما تركها من مخافتي"، هذا لفظ حديث مجاهد يعني ابن موسى ¬سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة كما في "التقريب" ولشقه الأول شاهد صحيح تقدم قبل الرواية السابقة.¥.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الرُّكَين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عَميلة، عن خُرَيم بن فاتك الأسدي، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الناس أربعة والأعمال ستة، فالناس موسع له في الدنيا والآخرة وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال موجبتان ومثل بمثل وعشرة أضعاف وسبعمائة ضعف، فالموجبتان من مات مسلمًا مؤمنًا لا يشرك بالله شيئًا وجبت له الجنة، ومن مات كافرًا وجبت له النار، ومن همّ بحسنة فلم يعملها فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه وحرص عليها كُتبت له حسنة، ومن همّ بسيئة لم تُكتب عليه ومن عملها كُتبت واحدة ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله - عز وجل - كانت بسبعمائة ضعف" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 31/ 383 ح 19035) وحسنه محققوه.¥ ورواه الترمذي والنسائي من حديث الرُّكَين بن الربيع، عن أبيه، عن بشير بن عميلة، عن خريم بن فاتك به ببعضه، والله أعلم ¬سنن الترمذي (ح 1625) وحسنه، والسنن الكبرى (ح 11027).¥.

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها بلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله فإِن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكون ولم يتخطّ رقبة مسلم ولم يؤذ أحدًا فهي كفّارة له إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله - عز وجل - يقول: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} " ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥.

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} " ¬أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير 3/ 298 ح 3459)، وسنده ضعيف لأن محمد بن إسماعيل بن عياش لم يسمع من أبيه (مجمع الزوائد 2/ 173) ويشهد له سابقه.¥.

وعن أبي ذرّ - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صام ثلاثة أيام من كل شهر فقد صام الدهر كلّه" رواه الإمام أحمد وهذا لفظه ¬أخرجه الإمام أحمد (المسند 35/ 227 ح 21301) وقال محققوه: صحيح لغيره.¥ والنسائي وابن ماجه والترمذي، وزاد: "فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} اليوم بعشرة أيام" ثم قال: هذا حديث حسن ¬سنن الترمذي، الصوم، باب ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر (ح 762)، وسنن النسائي، الصيام 4/ 219، وسنن ابن ماجه، الصيام، باب ما جاء في صيام ثلاثة أيام من كل شهر (ح 1708)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 1386).¥.

وقال ابن مسعود: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} من جاء بلا إله إلا الله، ومن جاء بالسيئة يقول بالشرك ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الأسود بن هلال عن ابن مسعود.¥، وهكذا جاء عن جماعة من السلف رضي الله عنهم أجمعين، وقد ورد فيه حديث مرفوع الله أعلم بصحته ¬هذا الحديث أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "من جاء بالسيئة" قال هي كلمة الإشراك. وسنده ضعيف لأن شيخ ابن أبي حاتم محمد بن عزيز الأيلي ضعيف ويرويه عن سلامة بن روح، وقد تكلموا في صحة سماعه عن عمه سلامة كما في "التقريب".¥، لكني لم أروه من وجه يثبت، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًا وفيما ذكر كفاية إن شاء الله وبه الثقة.

تفاسير بلغات أخرى · 6