تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {قُل} يا محمدُ لهؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبونك ويَجْحَدون نبوَّتَك مِن قومِك: أيُّ شيءٍ أعظمُ شهادةً وأكبرُ؟ ثم أَخْبِرْهم بأن أكبرَ الأشياءِ شهادةً اللهُ الذي لا يَجوزُ أن يَقَعَ في شهادتِه ما يَجوزُ أن يقعَ في شهادةِ ¬سقط من: م.¥ غيرِه من خلقِه؛ من السهوِ والخطإِ والغلطِ والكذبِ. ثم قلْ لهم: إن الذي هو أكبرُ الأشياءِ شهادةً {شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} بالمحقِّ منا مِن المُبْطِلِ، والرَّشيدِ منا - في فعلِه وقولِه - مِن السفيهِ، وقد رضِينا به حَكَمًا بينَنا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً}. قال: أُمِر محمدٌ أن يَسْأَلَ قريشًا، ثم أُمِر أن يُخْبِرَهم فيقولَ: {اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} ¬تفسير مجاهد ص 320. ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1271 (7159، 160) والبيهقى في الأسماء والصفات (614)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 7 إلى آدم بن أبي إياس وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: قلْ لهؤلاء المشركين الذين يُكَذِّبونك:
{اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ} عقابَه، وأُنْذِرَ بِهِ مَن بلَغه مِن سائرِ الناسِ غيرِكم، إن لم ينْتَهِ إلى العمل بما فيه، وتحليلِ حلالِه، وتحريمِ حرامِه، والإيمانِ بجميعِه - نزولَ نقمةِ اللهِ به.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ: "يا أيُّها الناسُ، بَلِّغوا ولو آيةً من كتابِ اللهِ، فإنه مَن بلَغه آيةٌ من كتابِ اللهِ فقد بلَغه أمرُ اللهِ: [أخَذه أو ترَكه] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "أخذه أو تاركه"، وفى الدر المنثور: "أخذها أو تركها".¥ " ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 7 إلى المصنف وأبى الشيخ من طريق قتادة عن الحسن.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "بَلِّغُوا عن اللهِ، فمَن بلَغَه آيةٌ من كتابِ اللهِ، فقد بلَغه أمرُ اللهِ" ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 205. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسير 4/ 1272 (7166) عن الحسن بن يحيى به وعزاء السيوطي في الدر المنثور 3/ 7 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظَيِّ: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}. قال: مَن بلَغه القرآنُ فكأنما رأَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -. ثم قرَأ: {وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ} ¬أخرجه ابن أبي شيبة 10/ 468 (10007) عن وكيع به بلفظ: من قرأ. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1271 (7165)، من طريق وكيع وأبى أسامة وأبى خالد به، بزيادة وكلمة. في حديث أبي خالد. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 7 إلى ابن الضريس وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن حسنِ بن صالحٍ، قال: سألْتُ ليثًا: هل بقى أحدٌ لم تَبْلُغْه الدعوةُ؟ قال: كان مجاهدٌ يقولُ: حيثما يَأْتى القرآنُ فهو داعٍ، وهو نذيرٌ. ثم قرَأ: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 7 إلى المصنف وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَمَنْ بَلَغَ}: مَن أَسلَم [مِن العجَمِ] ¬في تفسير ابن أبي حاتم: "من العرب والعجم".¥ وغيرهم ¬تفسير مجاهد ص 320، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1271 (7164)، والبيهقي في الأسماء والصفات (595).¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا خالدُ بنُ يَزِيدَ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ في قولِه: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}. قال: مَن بَلَعَه القرآنُ فقد أبْلَغه محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - ¬تفسير مجاهد ص 320، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (870 تفسير) من طريق أبي معشر به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ}: يعنى أهلَ مكةَ، {وَمَنْ بَلَغَ}: يعنى: ومَن بلَغه هذا القرآنُ فهو له نذيرٌ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1271 (7163)، والبيهقى في الأسماء والصفات (594) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 7 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: سَمِعْتُ سفيانَ الثوريِّ يُحَدِّثُ، لا أَعْلَمُه إلا عن مجاهدٍ أنه قال في قولِه: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ}: العربُ، {وَمَنْ بَلَغَ}: العجمُ ¬تفسير سفيان ص 106. وأخرج أوله ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1271 (7162) عن يونس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 7 إلى آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}: أما: {مَنْ بَلَغَ}، فمَن بلَغه القرآنُ فهو له نذيرٌ.
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}. قال: يقولُ: مَن بلَغه هذا القرآنُ فأنا نذيرُه. وقرَأ: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]. قال: فمَن بلَغه القرآنُ، فرسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَذيرُه.
فمعنى هذا الكلامِ: لأُنْذِرَكم بالقرآنِ أيُّها المشركون، وأُنْذِرَ مَن بلَغه القرآنُ مِن الناسِ كلِّهم.
و {مَنْ} في موضعِ نصبٍ بوقوعِ "أُنْذِر" عليه، و {بَلَغَ} في صلتِه، وأُسْقِطَت الهاءُ العائدةُ على {مَنْ} في قولِه: {بَلَغَ}. لاستعمالِ العربِ ذلك في صِلاتِ "من" و "ما" " و "الذي".
القولُ في تأويلِ قولِه: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)}.
يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: قلْ لهؤلاء المشركين الجاحِدين نبوتَك، العادلين باللهِ ربًّا غيرَه: {أَئِنَّكُمْ} أيُّها المشركون، {لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى}. يقولُ: تَشْهَدون أن معه معبوداتٍ غيرَه، من الأوثانِ والأصنامِ.
وقال: {أُخْرَى}. ولم يَقُلْ: أُخَرَ. والآلهةُ جمعٌ؛ لأن الجموعَ يَلْحَقُها التأنيثُ، كما قال تعالى: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى} [طه: 51]. ولم يَقُلِ: الأُوَلِ. ولا: الأولَّين.
ثم قال لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: قل يا محمدُ: {لَا أَشْهَدُ} بما تَشْهَدون أن مع اللهِ آلهةً أخرى، بل أَجْحَدُ ذلك وأنكِرُه، {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ}. يقولُ: إنما هو معبودٌ واحدٌ، لا شَريكَ له فيما يَسْتَوْجِبُ على خلقِه مِن العبادةِ، {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}. يقولُ: قل: وإننى برئٌ مِن كلِّ شريك تَدَّعُونه للهِ، وتُضِيفونه إلى شَرِكتِه، وتَعْبُدونه معه، لا أَعْبُدُ سوى اللهِ شيئًا، ولا أَدْعُو غيرَه إلهًا.
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في قومٍ مِن اليهودِ بأعْيانِهم، مِن وَجْهِ لم تَثْبُتْ صحتُه.
وذلك ما حدَّثنا به هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ وأبو كُرَيبٍ، قالا: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عِكْرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: جاء النَّحَّامُ بنُ زِيدٍ، وقَرْدَمُ بنُ كعبٍ، وبَحْرِيُّ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "يحيى".¥ بنُ عَمْرٍو ¬في النسخ: "عمير". والمثبت من مصادر التخريج.¥، فقالوا: يا محمدُ، ما تَعْلَمُ مع اللهِ إلهًا غيرَه؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا إلهَ إلا اللهُ، بذلك بُعِثْتُ، وإلى ذلك أدْعُو". فأنزَل الله تعالى فيهم وفى قولِهم: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ}. إلى قولِه: {لَا يُؤْمِنُونَ} ¬سيرة ابن هشام 1/ 568. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1272 (7168) من طريق سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن أبى محمد من قوله وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 7 إلى ابن إسحاق وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.