تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لم يَكُنْ قولُهم إذ قلنا لهم: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}؟ إجابةً منهم لنا عن سؤالِنا إياهم ذلك إذ فتَنَّاهم فاخْتَبَرْناهم، {إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. كذبًا منهم في أَيْمانِهم على قيلِهم ذلك.
ثم اختَلَفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكُوفيين: (ثم لم تَكُنْ فِتْنَتَهم) ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، س: "بالياء".¥. بالنصبِ ¬وهذه قراءة نافع وأبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر وفى رواية عن ابن كثير. السبعة لابن مجاهد ص 255.¥، بمعنى: لم يَكْنِ اختبارَناهم ¬في م: "اختبارنا لهم".¥ إلا قيلُهم: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}، غيرَ أنهم كانوا ¬سقط من: م.¥ يَقْرَءون: (تكن). بالتاءِ على التأنيثِ، وإن كانت للقولِ لا للفتنةِ؛ لمجاورتِها ¬في م: "لمجاورته".¥ الفتنةَ وهي خبرٌ. وذلك عندَ أهلِ العربيةِ شاذٌّ غيرُ فَصيحٍ في الكلام. وقد رُوِى بيتٌ للَبيدٍ بنحوِ ذلك، وهو قولُه ¬شرح ديوان لبيد ص 306.¥:
فمضَى وقدَّمَها وكانت عادةً ... منه إذا هي عرَّدَتْ ¬عردت: فرّت. اللسان (ع ر د).¥ إقْدامُها
[فقال: وكانت، بتأنيثِ] ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "وإن كانت وهى".¥ الإقدامِ؛ لمُجاورتِها ¬وهذه قراءة حمزة والكسائى ولم يذكر المصنف قراءة من قرأ {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ} بالتاء (فِتْنَتُهم) بالرفع. وهى قراءة ابن عامر، وعاصم في رواية حفص، ورواية عن ابن كثير. المصدر السابق. وانظر ما تقدم في 6/ 122.¥ قولَه: عادةً.
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ الكُوفيين: (ثم لم يَكُنْ). بالياءِ، (فِتْنَتَهم). بالنصبِ {إِلَّا أَنْ قَالُوا}. بنحوِ المعنى الذي قصَده الآخرون الذين ذكَرْنا قراءتَهم، غيرَ أنهم ذكَّروا (يَكونُ) لتذكيرِ (أن) ¬قال أبو حيان في البحر المحيط 4/ 95 عن توجيه هذه القراءة: لأن "أن" مع ما بعدها أجريت في التعريف مجرى المضمر. وقال قبل ذلك في 4/ 87: وقد تقدم لنا غير مرة أنا لا نرجح بين القراءتين المتواترتين.¥.
وهذه القراءةُ عندَنا أولى القراءتين بالصوابِ؛ لأن "أن" أثبتُ في المعرفةِ من الفتنةِ.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ}؛ فقال بعضُهم: معناه: ثم لم يكنْ قولُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا معمرٌ، قال: قال قتادةُ في قولِه: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ}. قال: مقالتُهم. قال معمرٌ: وسمِعْتُ غيرَ قتادةَ يقولُ: معذرتُهم ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 206.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ}. قال: قولُهم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1273 (7175) عن عطاء عن ابن عباس معلقا.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي،، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا} الآية: فهو كلامُهم، قالوا: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}.
حدَّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال سمِعْتُ الضحاكَ: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ}: يعني كلامَهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1274 (7179) من طريق أبي معاذ به.¥.
وقال آخَرون: معنى ذلك معذرتُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ}. قال: معذرتُهم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1273 عقب الأثر (7177) معلقًا.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}. يقولُ: اعتذارُهم بالباطلِ والكذبِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 8 إلى عبد بن حميد.¥.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: معناه: ثم لم يَكُنْ قِيلُهم عندَ فتنتِنا إياهم، اعتذارًا مما سلَف منهم مِن الشركِ باللهِ، {إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فوُضِعَت الفتنةُ موضعَ القولُ؛ لمعرفةِ السامعينِ معنى الكلامِ.
وإنما الفتنةُ الاختبارُ والابتلاءُ، ولكن لما كان الجوابُ مِن القومِ غيرَ واقعٍ هنالك إلا عندَ الاختبارِ، وُضِعَت الفتنةُ التي هي الاختبارُ موضعَ الخبرِ عن جوابِهم ومعذرتِهم.
واختَلَفَت القرأةُ أيضًا في قراءةِ قولِه: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: {وَاللَّهِ رَبِّنَا}. خفضًا، على أن الربَّ نعتٌ للهِ.
وقرأ ذلك جماعةٌ من التابعين: (واللهِ ربَّنا). بالنصب، بمعنى: واللهِ يا ربَّنا. وهي قراءةُ عامةِ قَرَأةِ أهلِ الكُوفةِ ¬بالنصب قرأ حمزة والكسائى، وقرأ الباقون بالكسر. التيسير ص 84.¥.
وأولى القراءتين عندى بالصوابِ ¬القراءتان كلتاهما صواب.¥ في ذلك قراءةُ من قرأ: (واللهِ ربَّنَا). بنصبِ الرَّب، بمعنى: يا ربَّنا. وذلك أن هذا جوابٌ من المسئولين المَقُولِ لهم: {أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}؟ وكان من جوابِ القومِ لربِّهم: واللهِ يا ربَّنا ما كنا مشركين. فنَفَوْا أن يَكُونوا قالوا ذلك في الدنيا.
يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: {انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.
ويعنى بقولِه: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ}: ما كنا نَدْعُو لك شريكًا، ولا نَدْعو ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "لك".¥ سِواك.