تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26)}.
اختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}؛ فقال بعضُهم: معناه: هؤلاء المشركون المُكذِّبون بآياتِ اللَّهِ، يَنْهَوْنَ الناسَ عن اتِّباعِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - والقبول منه، {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}: يَتَبَاعَدون عنه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ وهانئُ بنُ سعيدٍ، عن حجاجٍ، عن سالمٍ، عن ابن الحَنَفيةِ: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}. قال: يَتَخَلَّفون عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا يُجيبونه، ويَنْهَوْن الناسَ عنه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1277 (72011) من طريق حفص بن غياث به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 8 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.¥.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}. يعنى: يَنْهَوْن الناسَ عن محمدٍ أن يُؤْمِنوا به، {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}: يعنى: يَتَباعَدون عنه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1277، 1278 (7200، 7207) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي الدر المنثور 3/ 8 إلى ابن المنذر.¥
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}: أَن يُتَّبَعَ محمدٌ، ويَتَباعَدون هم منه ¬انظر تفسير البغوي 3/ 136.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}. يقولُ: لا يَلْقَوْنَه، ولا يَدَعُون أحدًا يَأْتِيه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 8 إلى المصنف.¥.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سِمعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ في قولِه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ} يقولُ: عن محمدٍ الله - صلى الله عليه وسلم -.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}: جمَعُوا النَّهْيَ والنَّأْيَ، والنَّأَى ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3 س: "النهى".¥ التباعُدُ.
وقال بعضُهم: بل معناه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ}: عن القرآنِ أن يُسْمَعَ له ويُعْمَلَ بما فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ}. قال: يَنْهَوْن عن القرآنِ وعن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}: ويَتَباعَدون عنه ¬تفسير عبد الرزاق. 1/ 205 وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1277 (7203) عن الحسن بن يحيى به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 9 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ}. قال: قريشٌ، عن الذِّكْرِ، {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}، يقولُ: يَتَباعَدون ¬تفسير مجاهد ص 321 ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1277 (7202)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 9 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}: قريشٌ عن الذكرِ، {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}: يَتَباعَدون.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}. قال: يَنْهَوْن عن القرآنِ وعن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ويَتَباعَدون عنه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}، قال: {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} يَبْعُدونه ¬في م: "يبعدون".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1278 (7208) من طريق أصبغ بن الفرج عن ابن زيد به.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: وهم يَنْهَوْن عن أذَى محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، {وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}: يَتَباعَدون عن دينِه واتِّباعِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ وقَبيِصةُ، وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: نزَلَت في أبي طالبٍ، كان يَنْهَى عن محمدٍ أن يُؤْذَى، ويَنْأَى عما جاء به أن يُؤْمِنَ به ¬تفسير سفيان ص 106، ومن طريقه الحاكم 2/ 315، والبيهقى في الدلائل 2/ 340، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، 4/ 1276، 1278 (7199، 7206) من طريق وكيع به. وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (874 تفسير)، والطبراني (12682) من طريق حبيب بن أبي ثابت به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 8 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.¥.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَبيبِ بن أبى ثابتٍ، قال: ثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}. قال: نزَلَت في أبى طالبٍ، يَنْهَى عنه أن يُؤْذَى، ويَنْأَى عما جاء به.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثوريُّ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عمّن سمِع ابنَ عباسٍ: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}. قال: نزَلَت في أبي طالبٍ، كان ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "قال".¥ يَنْهَى المشركين أن يُؤْذُوا محمدًا، ويَنْأَى عمَّا جاء به ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 206، ومن طريقه البيهقي في الدلائل 2/ 340.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن القاسمِ بن مُخَيْمِرَةَ، قال: كان أبو طالبٍ يَنْهَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولا يُصَدِّقُه.
حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبى ومحمدُ بنُ بشرٍ، عن إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن القاسمِ بن مُخَيْمِرةً في قولِه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}. قال: نزَلَت في أبي طالبٍ. قال ابن وكيعٍ: قال ابن بشرٍ: كان أبو طالبٍ يَنْهَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُؤذَى، ولا يُصَدِّقُ به ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 8 إلى المصنف وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن أبي محمدٍ الأسَديِّ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، قال: ثنى مِن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} عَنهُ اللَّهِ: نزَلَت في أبى طالبٍ، كان يَنْهَى عن أذَى محمدٍ، ويَنْأَى عما جاء به أن يَتَّبِعَه ¬ينظر تفسير ابن كثير 3/ 243.¥.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن القاسمِ بن مُخَيْمِرة في قولِه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}. قال: نزَلَت في أبي طالبٍ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ ¬في النسخ: "عبد". وقد مضى مرارا.¥ اللِه بنُ موسى، عن عبدِ العزيزِ بن سِيَاهٍ، عن حبيبٍ، قال: ذاك أبو طالبٍ. في قولِه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}.
حدَّثنا يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، قال: قال عطاءُ بنُ دينارٍ في قولِ اللَّهِ: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}: إِنها نزَلَت في أبي طالبٍ رسولِ اللَّهِ، أنه كان يَنْهَى الناسَ عن إيذاءِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويَنْأَى عما جاء به مِن الهُدَى ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 8 إلى المصنف.¥.
وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: تأويلُه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ}: عن اتباع محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - مِن سواهم مِن الناسِ، ويَنْأَوْنَ عن اتباعِه. وذلك أن الآياتِ قبلَها جرَت بذكرِ جماعةِ المشركين العادِلين به ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "بهم".¥ والخبرِ عن تكذيبِهم رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، والإعراضِ عما جاءهم به مِن تنزيلِ اللهِ ووحيِه، فالواجبُ أن يكونَ قولُه: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ}. خبرًا عنهم، إذ لم يَأْتِنا ما يَدُلُّ على انصرافِ الخبرِ عنهم إلى غيرِهم، بل ما قبلَ هذه الآيةِ وما بعدَها يَدُلُّ على صحةِ ما قلنا مِن أن ذلك خبرٌ عن جماعةِ مُشْرِكى قومِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، دونَ أن يكونَ خبرًا عن خاصٍّ منهم.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: وإن يَرَ هؤلاء المشركون يا محمدُ كلَّ آيةٍ لا يُؤْمِنوا بها، حتى إذا جاءوك يُجادِلونك يقولون: إنْ هذا الذي جئْتَنا به إلا أحاديثُ الأوَّلِين وأخبارُهم. وهم يَنْهَون عن استماع التنزيل، ويَنْأَوْنَ عنك، فيَبْعُدون منك ومِن اتباعِك، {وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}. يقولُ: وما يُهْلِكون بصدِّهم عن سبيلِ اللهِ، وإعراضِهم عن تنزيلِه، وكفرِهم بربِّهم إلا أنفسَهم لا غيرَها؛ وذلك أنهم يُكْسِبونها بفعلهم ذلك سَخَطَ اللَّهِ وأليمَ عقابِه، وما لا قِبَلَ لها به، {وَمَا يَشْعُرُونَ}. يقولُ: وما يَدْرُون ما هم مُكْسِبوها مِن الهلاكِ والعَطَب بفعلِهم.
والعربُ تقولُ لكلِّ مَن بعُد عن شيءٍ: قد نأَى عنه، فهو يَنْأَى نَأْيًا. ومَسْموعٌ منهم: نأيْتُكَ. بمعنى: نأَيْتُ عنك. وأما إذا أرادوا: أبْعَدْتُك عنى. قالوا: أَنْأَيْتُك. ومِن: نأَيْتُك. بمعنى: نأيْتُ عنك. قولُ الحُطيْئةِ ¬ديوانه ص 214.¥.
نَأَتكَ أُمَامَهُ إلا سُؤالَا ... وأَبْصَرْتَ منها بطَيْفٍ ¬في نسخة مِن الديوان: "بغيب"، وفي نسخة: "بعين".¥ خَيَالَا ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال: قال عطاء بن دينار في قول الله تعالى ذكره: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} إنها نزلت في أبي طالب، كان ينهى الناس عن رسول الله صلى الله عليه سلم، وينأى عما جاء به". وهو تكرار للأثر المتقدم في ص 205.¥