تفسير هذه الآية

السورة 6 : الآية 60

السورة 6 : الآية 60

وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌ مُّسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -: وقلْ لهم يا محمدُ: واللهُ أعلمُ بالظالمين، واللهُ هو الذي يَتَوَفَّى أَرْواحَكم بالليلِ، فيَقبِضُها مِن أجسادِكم، {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ}. يقولُ: ويَعْلَمُ ما كسَبْتُم مِن الأعمالِ بالنهارِ.
ومعنى "التَّوَفِّى" في كلامِ العربِ اسْتِيفاءُ العددِ، كما قال الشاعرُ ¬هو منظور الوبرى، والرجز في تهذيب اللغة 15/ 585، واللسان (وف ى).¥:
إن بني الأَدْرمِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س: "الأدم"، وفي م، واللسان: "الأدرد" والصواب ما أثبتناه من تهذيب اللغة. وبنو الأدرم حي من قريش. اللسان (د ر م).¥ ليسوا مِن أحَدْ ... ولا تَوَفَّاهم قُريشٌ في العَدَدْ
بمعنى: لم تُدْخِلْهم قريشٌ في العددِ.
وأما الاجتراحُ عند العربِ فهو عملُ الرجل بيدِه أو رجلِه أو فمِه، وهي الجوارحُ عندَهم، جوارحُ البدنِ فيما ذُكِر عنهم، ثم يُقالُ لكلِّ مُكْتَسِبٍ عملًا: جارحٌ؛ لاستعمال العرب ذلك في هذه الجوارح، ثم كثُر ذلك في الكلام، حتى قيل لكلِّ مُكْتَسِبٍ كَسْبًا، بأيِّ أعضاءِ جسمِهِ اكْتَسَب: مُجْتَرِحٌ. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ}: أما {يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} ففي النومِ، وأما {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ}. فيقولُ: ما اكْتَسَبْتُم مِن الإثمِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ}: يعني: ما اكْتَسَبْتُم مِن الإِثْمِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1305 (7376) من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: {مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ}. قال: ما عمِلْتم بالنهارِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادة مثلَه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 208، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1306 (7377) عن الحسن بن يحيى به مختصرًا، وذكر باقيه معلقًا عقب الأثر (7376، 7378). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 16 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ}: يعني بذلك نومَهم، {وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ}، أي: ما عمِلْتم مِن ذنبٍ فهو يَعْلَمُه، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ}. قال: أما وفاتُه إياهم بالليلِ فمنامُهم، وأما {مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ} فيقولُ: ما اكْتَسَبْتم بالنهارِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1305 (7375) من طريق أبي حذيفة به، دون آخره، فقد علقه عقب الأثر (7376).¥.
وهذا الكلام وإن كان خبرًا مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قدرتِه وعلمِه، فإن فيه احتجاجًا على المشركين به الذين كانوا يُنْكرون قدرتَه على إحيائِهم بعدَ مماتِهم، وبعثِهم بعد فنائِهم، فقال تعالى ذكرُه مُحْتَجًّا عليهم: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى}. يقولُ: فالذي يَقْبِضُ أرواحَكم بالليلِ، ويَبْعَثُكم في النهارِ لتَبْلُغوا أجلًا مُسَمًّى، وأنتم تَرَوْن ذلك وتَعْلَمون صحتَه، غيرُ مُنْكَرٍ له القدرةُ على قبضِ أرْواحِكم وإفنائِكم، ثم ردِّها إلى أجسادِكم وإنشائِكم بعدَ مماتِكم، فإن ذلك نظيرُ ما تُعاينون وتُشاهدون، وغيرُ مُنْكَرٍ لمن قدَر على ما تُعايِنون من ذلك، القدرةُ على ما لم تُعايِنوه، وإن الذي لم تَرَوْه
ولم تُعاينوه مِن ذلك، شبيهُ ما رأَيْتُم وعايَنْتُم.
القولُ في تأويلِ قولِه: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ}: يُثِيرُكم ويُوقِظُكم من مَنامِكم، {فِيهِ}. يعني: في النهارِ. والهاءُ التي في ¬زيادة يقتضيها السياق.¥ {فِيهِ} راجعةٌ على النهارِ.
{لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى}. يقولُ: ليَقْضِيَ اللهُ الأجل الذي سماه لحياتكم، وذلك الموتُ، فيَبْلُغُ مدتَه ونهايتَه، {ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ}. يقولُ: ثم إلى اللهِ مَعادُكم ومَصيرُكم، {ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. يقولُ: ثم يُخْبِرُكم بما كنتم تَعْمَلون في حياتكم الدنيا، ثم يُجازيكم بذلك، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ}. قال: في النهارِ ¬تفسير مجاهد ص 323.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن قتادةَ: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ}: في النهارِ، والبعثُ اليَقَظَةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 208، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1306 (7377) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المفضلِ، قال:: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ}. قال: [في النهارِ] ¬في ص، ت 2، ت 3، س: "بالنهار".
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1306 عقب الأثر (7378) من طريق عمرو بن حماد، عن أسباط به.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ: {ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ}. قال: يَبْعَثُكم في المنامِ.
{لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى}: وذلك الموتُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى}: وهو الموتُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1306 (7379) من طريق أبي حذيفة به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى}. قال: هو أجلُ الحياةِ إلى الموتِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: {لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى}. قال: مدَّتُهم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1306 (7380) من طريق الحجاج به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 2/ 16 إلى ابن المنذر.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 5