تفسير هذه الآية

السورة 6 : الآية 74

السورة 6 : الآية 74

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويلِ قولِه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ}.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -: واذْكُرْ يا محمدُ لحِجاجِك الذي تُحاجُّ به قومَك، وخُصومتِك إياهم في آلهتِهم، وما تُراجِعُهم فيها، مما نُلقِيه إليك، ونُعْلِمُكه مِن البرهانِ والدلالِة على باطلِ ما عليه قومُك مُقِيمون، وصحةِ ما أنت عليه مُقيمٌ مِن الدينِ، وحقيقةِ ¬في م: (حقية).
ممم بقية السابق ممم -[342]-_
* من هنا تبدأ نسخة مركز الملك فيصل، وسنشير إليها بالرمز (ف).
ممم¥ ما أنت ¬في ص، ت 2، ت 3، س: (أنعم) وفي ف: (أنهم).¥ عليهم مُحْتَجٌّ - حِجاجَ إبراهيمَ خليلي قومَه، ومُراجَعتَه إياهم في باطلِ ما كانوا عليه مُقِيمين مِن عبادةِ الأوثانِ، وانقطاعَه إلى اللهِ، والرضا به والياً وناصرًا دونَ الأصنامِ، فاتَّخِذْه إماماً، واقْتَدِ به، واجْعَلْ سيرتَه في قومِه لنفسِك مثالاً، إذ قال لأبيه مُفارِقًا لدينِه، وعائِباً ¬في ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: (عاتبا).¥ عليه ¬سقط من: م.¥ عبادتَه الأصنامَ دونَ بارئِه وخالقِه: يا آزرُ.
ثم اخْتَلَف أهلُ العلمِ في المعنيِّ بـ {آزَرَ}، وما هو، اسمٌ هو ¬¥ أم صفةٌ؟ وإن كان اسماً فمَن المُسَمَّى به؟ فقال بعضُهم: هو اسمُ أبيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ}. قال: اسمُ أبيه آزرُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1324 (7490) من طريق أحمد بن مفضل به، بزيادة تأتي في الصفحة القادمة.¥.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: آزرُ أبو إبراهيمَ، وكان فيما ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - رجلًا مِن أهلِ كُوثَى، مِن قريةٍ بالسَّوادِ، سَوادِ الكوفةِ ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 233 عن ابن حميد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1325 (7494) من طريق سلمة به.¥.
حدَّثني ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، قال: سَمِعْتُ سعيدَ بنَ عبدِ العزيزِ يَذْكُرُ قال: هو آزَرُ، وهو تارَحُ، مثلُ إسرائيلَ ويعقوبَ.
[وقال آخَرون: إنه ليس أبا إبراهيمَ] ¬سقط من ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف.¥.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس آزرُ أبا إبراهيمَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1325 (7492) من طريق جرير به، وضعفه الحافظ في الفتح 8/ 499، وقال: (وهو شاذ).¥.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثني عبدُ العزيزِ، قال: ثنا الثوريُّ، قال: أخْبرَني رجلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ}. [قال: آزرُ] ¬سقط من ت 1، ت 2، ت 3، س، ف.¥ لم يَكُنْ بأبيه، إنما هو صنمٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 23 إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: آزرُ اسمُ صنمٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ}. قال: اسمُ أبيه. ويقالُ: لا، بل اسمُه تارَحُ ¬في ت 1، ف: (تارخ)، وهو قول فيه. ينظر اللسان (أ ز ر).¥، واسمُ الصنمِ آزَرُ، يقولُ: أَتتَّخِذُ آزَرَ ¬زيادة من: م، وهو موافق لما سيأتي في كلام المصنف في رد قول السدي.¥ أَصْناماً آلهةً ¬تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.¥.
وقال آخَرون: هو سبٌّ وعيبٌ بكلامِهم، ومعناه مُعْوَجٌّ. كأنه تأوَّل أنه عابه بزَيْغِه واعْوِجاجِه عن الحقِّ.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ}. بفتحِ آزرَ على إتْباعِه الأبَ في الخفضِ، ولكنه لمَّا كان اسماً أعجميًّا فتَحُوه، إذ لم يُجْرُوه، وإن كان في موضعِ خفضٍ.
وذُكِر عن أبي يزيدَ المَدِينيِّ والحسنِ البصريِّ أنهما كانا يَقْرَآن ذلك: (آزَرُ). بالرفعِ على النداءِ، بمعنى: يا آزرُ ¬ينظر النشر 2/ 195، وإتحاف فضلاء البشر ص 127، وفيهما أن الذي قرأ برفع الراء هو يعقوب الحضرمي، وأن قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع - وهما من العشرة - بفتح الراء.¥.
فأما الذي ذُكِر عن السديِّ مِن ¬في ص، ت 1، ت 2 ت 3، س: (عن).¥ حكايتِه أن آزرَ اسمُ صنمٍ، وإنما نصْبُه بمعنى: أَتَتَّخِذُ آزرَ أصناماً آلهةً. فقولٌ مِن الصوابِ مِن جهةِ العربيةِ بعيدٌ؛ وذلك أن العربَ لا تَنْصِبُ اسماً بفعلٍ بعدَ حرفِ الاستفهامِ، لا تقولُ: أخاك أَكَلَّمْتَ؟ وهي تُرِيدُ: أكَلَّمْتَ أخاك؟
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي قراءةُ مَن قرَأ بفتحِ الراءِ مِن {آزَرَ} ¬القراءتان كلتاهما صواب.¥، على إتْباعِه إعرابَ الأبِ، وأنه في موضعِ خفضٍ، ففتِح إذ لم يَكُنْ جاريًا؛ لأنه اسمٌ أعجميٌّ. وإنما اخْتَرْتُ ¬في م: (أجيزت).¥ قراءةَ ذلك كذلك؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.
وإذ كان ذلك هو الصوابَ مِن القراءةِ، وكان غيرَ جائزٍ أن يَكونَ منصوبًا بالفعلِ الذي بعدَ حرفِ الاستفهامِ، صحَّ لك فتحُه مِن أحدِ وجهين؛ إما أن يَكونَ اسماً لأبي إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه وعلى جميعِ أنبيائِه ورسلِه، فيَكونَ في موضعِ خفضٍ ردّاً على الأبِ، ولكنه فُتِح لِمِا ذكَرْتُ مِن أنه لمَّا كان اسماً أعجميًّا تُرِك إجْراؤُه، فقُتِح كما تَفْعَلُ ¬في م: (فتح).¥ العربُ في أسماءِ العجمِ. أو يَكونَ نعتاً له، فيَكونَ أيضًا خفضًا، بمعنى تَكريرِ اللامِ ¬في ص، ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: (الأمر).¥ عليه، ولكنه لمَّا خرَج مَخْرَجَ أَحمرَ وأسودَ، تُرِك إجراؤُه، وفُعِل به كما يُفْعَلُ بأشكالِه. فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: وإذ قال إبراهيمُ لأبيه الزائِغِ ¬في النسخ: (آزر) وهو لفظ الآية لا تأويلها، والمثبت كما أثبته الشيخ شاكر.¥: أَتَتَّخِذُ أصناماً آلهةً؟
وإن لم يَكُنْ له وجْهٌ ¬في ص، م: (وجهة).¥ في الصوابِ إلا أحدُ هذين الوجهين، فأولى القولين منهما ¬سقط من: م.¥ بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: هو اسمُ أبيه. لأن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَر أنه أبوه، وهو القولُ المحفوظُ مِن قولِ أهلِ العلمِ، دونَ القولِ الآخرِ الذي زعَم قائلُه أنه نعتٌ.
فإن قال قائلٌ: فإن أهلَ الأنسابِ إنما يَنْسِبون إبراهيمَ إلى تارَحَ ¬في ت 1، ف: (تارخ).¥، فكيف يَكونُ آزرُ اسماً له، والمعروفُ به مِن الاسم تارَحُ ¬سقط من: م.¥؟
قيل له: غيرُ مُحالٍ أن يَكونَ كان ¬في م، ف: (والله تعالى أعلم).
وللعلامة أحمد شاكر، رحمه الله، تحقيق جيد في إثبات 1 سم أبي إبراهيم، عليه السلام، وأن اسمه آزر، وقد ألحق هذا التحقيق في آخر تحقيقه للمعرب للجواليقي، فانظره من ص 407 - 413.¥ له اسمان، كما لكثيرٍ مِن الناسِ في دهْرِنا هذا، وكان ذلك فيما مضَى لكثيرٍ منهم، وجائزٌ أن يَكونَ كان ¬¥ لَقَبًا [يُلَقَّبُ به] ¬¥.
القولُ في تأويلِ قولِه: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74)}
وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قِيلِ إبراهيمَ لأبيه آزرَ أنه قال: أتتَّخِذُ أَصْناماً آلهةً تَعْبُدُها وتَتَّخِذُها ربّاً دونَ اللهِ الذي خلَقَك فسوَّاك ورزَقَك؟ والأصنامُ جمعُ صنمٍ، والصنمُ التمثالُ مِن حجرٍ أو خشبٍ أو مِن غيرِ ذلك، في صورةِ إنسانٍ، وهو الوَثَنُ، وقد يقالُ للصورةِ المُصَوَّرةِ على صورةِ الإنسانِ في الحائطِ وغيرِه: صَنَمٌ ووَثَنٌ.
{إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}. يقولُ: إني أرَاك يا آزرُ وقومَك الذين يَعْبُدون معك الأصنامَ، ويَتَّخِذُونها آلهةً، {فِي ضَلَالٍ}. يقولُ: في زَوالٍ عن مَحَجَّةِ الحقِّ، وعدولٍ عن سبيلِ الصوابِ، {مُبِينٍ}. يقولُ: يَتَبَيَّنُ لَمَن أَبْصَره أنه جَوْرٌ عن قصدِ السبيلِ، وزوالٌ عن مَحَجَّةِ الطريقِ القَويمِ. يعني بذلك: أنه قد ضلَّ هو وهم عن توحيدِ اللهِ وعبادتهِ، الذي اسْتَوْجب عليهم إخلاصَ العبادةِ له بآلائِه عندَهم، دونَ غيرِه مِن الآلهةِ والأوثانِ.

تفاسير بلغات أخرى · 6