تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: كلا. أي: ليس الأمرُ كما يظُنُّ هؤلاء الكفارُ، أنَّهم غيرُ مبعوثين ولا معذَّبين، إن كتابَهم الذي كُتِب فيه أعمالُهم التي كانوا يعمَلونها في الدنيا {لَفِى سجِّينٍ}؛ وهى الأرضُ السابعةُ السفلى. وهو "فِعِّيل" من السِّجْنِ، كما قيل: رجلٌ سِكِّيرٌ. مِن السُّكْرِ، و: فِسِّيقٌ. مِن الفِسقِ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم مثل الذي قلنا في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن مغيثِ بن سُمَيٍّ: {إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}. قال: في الأرضِ السابعةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن مغيثِ بن سُمَيٍّ، قال: {إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ}. قال: الأرضِ السفلى. قال: إبليسُ مُوثَقٌ بالحديدِ والسلاسلِ في الأرضِ السفلى ¬ذكر السيوطي في الدر المنثور ص 445 - كما في المخطوطة المحمودية - شطره الأول، وعزاه إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى جريرُ بنُ حازمٍ، عن سليمانَ الأعمشِ، عن شِمْرِ بن عطيةَ، عن هلالِ بن يِسافٍ، قال: كنا جلوسًا إلى كعبٍ أنا وربيعُ بنُ خُثَيمٍ وخالدُ بنُ عرعرةَ ورهطٌ مِن أصحابِنا، فأقبَل ابنُ عباسٍ، فجلَس إلى جنبِ كعبٍ، فقال: يا كعبُ، أخْبِرْنى عن {سِجِّينٍ}. فقال كعبٌ: أما سجِّينٌ فإنها الأرضُ السابعةُ السفلى، وفيها أرواحُ الكفارِ تحتَ خدِّ إبليسَ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 374) عن الأعمش به.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}: ذُكر أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو كان يقولُ: هي الأرضُ السفلى؛ فيها أرواحُ الكفارِ، وأعمالُهم أعمالُ السَّوءِ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: {لَفِي سِجِّينٍ}. قال: في أسفل الأرضِ السابعةِ ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 355) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}. يقولُ: أعمالُهم في كتابٍ في الأرضِ السفلى ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى ابن أبي حاتم.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: {لَفِي سِجِّينٍ}. قال: عملُهم في الأرضِ السابعةِ لا يصعدُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مجالدٍ، قال: ثنا مطرِّفُ بنُ مازنٍ قاضى اليمنِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: {سِجِّينٍ}: الأرضِ السابعةِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {لَفِي سِجِّينٍ}. يقولُ: في الأرضِ السفلى ¬ذكره البغوي في تفسيره (8/ 363)، والطوسى في التبيان (10/ 298).¥.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}. قال: الأرضِ السابعةِ السفلى. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}. قال: يقالُ: سجِّينٌ الأرضُ السافلةُ، وسجِّينٌ بالسماءِ الدنيا.
وقال آخرون: بل ذلك خدُّ ¬في ص، م، ت (2): "حد" هنا وفى المواضع بعدها.¥ إبليسَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرٍ قال: جاء ابنُ عباسٍ إلى كعبِ الأحبارِ، فقال له ابنُ عباسٍ: حدِّثْنى عن قولِ اللَّهِ: {إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} الآية. قال كعبٌ: إنَّ روحَ الفاجرِ ¬في ت (3): "الكافر".¥ يُصعدُ بها إلى السماءِ فتأبى السماءُ أن تقبلَها، ويُهبطُ بها إلى الأرض فتأبى الأرضُ أنْ تقبلَها، فتَهبِطُ فتدخلُ تحت سبعِ أرضين، حتى يُنْتهى بها إلى سجِّينٍ؛ وهو خدُّ إبليسَ، فيُخْرجُ لها مِن سجِّينٍ مِن تحتِ خدِّ إبليسَ رَقٌّ، فيُرْقمُ ويختمُ ويوضعُ تحتَ حَدِّ إبليسَ - بمعرفتِها الهلاكَ - إلى يومِ القيامةِ ¬أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (1223) من طريق يعقوب القمى به، عزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 324) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: {إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}. قال: تحتَ خَدِّ إبليسَ ¬أخرجه أبو نعيم في الحلية (4/ 288) من طريق يحيى بن يمان.¥.
وقال آخرون: هو جُبٌّ في جهنمَ مفتوحٌ. ورَوَوْا في ذلك خبرًا عن رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
حدَّثنا به إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا مسعودُ بنُ موسى بن مُشْكانَ الواسطيُّ، قال: ثنا نصرُ ¬في م: "نضر".¥ بنُ خزيمةَ الواسطيُّ، عن شعيبِ بن صفوانَ، عن محمدِ بن كعبٍ القرظيٍّ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "الفَلَقُ جُبٌّ في جهنمَ مُغَطًّى، وأما سجِّينٌ فمفتوحٌ" ¬ذكره ابن كثير في تفسيره (8/ 371) عن المصنف، وقال: وقد روى ابن جرير في ذلك حديثا غريبا منكرا لا يصح، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى المصنف.¥.
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ ¬هو الفراء في معاني القرآن (3/ 246).¥: ذكَروا أن "سجين" الصخرةُ التي تحتَ الأرضِ. قال: ونرَى ¬في م، ت (2) ت (3): "يرى".¥ أن "سجين" صفةٌ مِن صفاتِها؛ لأنه لو كان لها اسمًا لم يُجرَ. قال: وإن قلتَ: أجريتُه لأنى ذهبتُ بالصخرةِ إلى أنها الحَجَرُ الذي فيه الكتابُ. كان وجهًا.
وإنما اخترتُ القولَ الذي اخترتُ في معنى قولِه: {سِجِّينٍ}؛ لما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا المنهالُ بنُ عمرٍو ¬في ت (2)، ت (3): "عمر".¥، عن زاذانَ أبى عمرٍو، عن البراءِ، قال: {سِجِّينٍ}: الأرضِ السفلى ¬تقدم تخريجه في (13/ 661).¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن زاذانَ، عن البراءِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قال، وذكَر نفسَ الفاجرِ، وأنه يُصْعَدُ بها إلى السماءِ، قال: "فيَصْعَدون بها فلا يَمرُّون بها على ملًا من الملائكةِ إلا قالوا: ما هذا الروحُ الخبيثُ؟ ". قال: طفيَقولون: فلانٌ. بأقبَحِ أسمائِه التي كان يُسمَّى بها في الدنيا، حتى يَنْتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيَسْتَفْتِحون له، فلا يُفْتَحُ له". ثم قرَأ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: " {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: (40)]. فيقولُ اللَّهُ: اكْتُبوا كتابَه في أسفلِ الأرضِ، في سجِّينٍ في الأرضِ السفلى" ¬تقدم تخريجه في (10/ 185، 13/ 660).¥.
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سُليمٍ، قال: ثنا ابنُ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}. قال: سجينٌ: صخرةٌ في الأرضِ السابعةِ، فيُجعلُ كتابُ الفجارِ تحتَها ¬أخرجه الحسين المروزى في زوائده على الزهد لابن المبارك (1222)، وأبو الشيخ في العظمة (897)، والبيهقى في البعث (499) من طريق يحيى بن سليم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (6/ 325) إلى المحاملى في أماليه.¥.