تفسير هذه الآية

السورة 9 : الآية 118

السورة 9 : الآية 118

وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُوا۟ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓا۟ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)


القولُ في تأويل قوله: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: لقد تاب الله على النبيِّ والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثةِ الذين خُلِّفوا. وهؤلاء الثلاثةُ الذين وَصَفَهم الله في هذه الآية بما وَصَفَهم به، فيما قيل ¬في م: "قبل".¥، هم الآخرون الذين قال جلّ ثناؤُه: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 106]. فتاب عليهم، عزّ ذكرُه، وتَفضَّلَ عليهم.
وقد مَضَى ذكرُ مَن قال ذلك مِن أهل التأويل بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضع ¬تقدم في 11/ 669 - 672.¥.
فتأويلُ الكلامِ إِذًا: ولقد تابَ اللهُ على الثلاثة الذين خَلَّفهم الله عن التوبة، فأَرْجَأَهم عمَّن تابَ عليه ممن تَخَلَّفَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عمَّن سَمِعَ عكرمة في قوله: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}. قال: خُلِّفُوا عن التوبة ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 290، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 289 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وابن عساكر.¥.
حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: أما قولُه: {خُلِّفُوا}. فخُلِّفوا عن التوبة ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1904 من طريق سعيد بن بشير عنه به.¥.
{حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}. يقولُ: بِسَعتِها، غَمًّا وندمًا على تَخلُّفِهم عن الجهادِ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ}، بما نالهم من الوَجْدِ والكَرْبِ بذلك، {وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ}. يقولُ: وأَيْقَنُوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يَلْجَئُون إليه مما نَزَلَ بهم مِن أمرِ اللهِ مِن البَلاءِ بتَخَلُّفِهم خلافَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، يُنجِّيهم مِن كَرْبِه، ولا مما يَحْذَرون من عذابِ اللهِ - إلا الله، ثم رَزَقَهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يُرْضيه عنهم، ليُنيبوا إليه، ويَرْجعوا إلى طاعته، والانتهاء إلى أمره ونَهْيِه، {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. يقولُ: إن الله هو الوَهَّابُ لعباده الإنابةَ إلى طاعتِه، الموفِّقُ مَن أحبَّ توفيقه منهم لما يُرْضِيه عنه، {الرَّحِيمُ} بهم، أن يُعاقبهم بعد التوبة، أو يَخْذُلَ مَن أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوبَ عليه. وبنحو ما قُلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابر في قوله: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}. قال: كعبُ بنُ مالكٍ، وهلالُ بن أميةَ، ومُرَارةُ بنُ ربيعةَ، وكُلُّهم مِن الأنصارِ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1046 - تفسير) من طريق أبي معاوية به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 286 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن منده وابن مردويه وابن عساكر.¥.
حدَّثني عُبَيدُ بنُ محمد ¬سقط من: م. وينظر تاريخ المصنف 2/ 293، 385، وترجمته في تاريخ بغداد 11/ 97.¥ الورَّاقُ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأعْمش، عن أبي سُفيان، عن جابرٍ بنحوه، إلا أنه قال: ومُرارةُ بنُ الربيع، أو ابن ربيعة. شَكَّ أبو أسامة.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمة وعامرٍ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}. قال: أرجئوا في أوسط "براءة".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: {الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}. قال: الذين أُرْجِئُوا في أوسط "براءة"؛ قوله: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} [التوبة: 106]. هلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ بنُ الرَّبيع ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "ربعى"، وفى م، والدر المنثور: "ربيعة". والمثبت هو الصواب، وينظر ما تقدم في 11/ 670.¥، وكعبُ بنُ مالكٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 289 إلى المصنف.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}: الذين أُرْجِئوا في وسط "براءة".
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}. قال: كلُّهم من الأنصارِ؛ هلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ بنُ ربيعة، وكعبُ بنُ مالكٍ.
قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}. قال: الذين أُرْجِئوا.
قال: ثنا جريرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: {الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}: كعبُ بنُ مالكٍ وكان شاعرًا، ومُرارةُ بنُ الربيع، وهلالُ بنُ أمية، وكلُّهم أنصاريٌّ ¬في م: "أنصار".¥.
قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ والمُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: كلُّهم من الأنصارِ؛ هلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةُ بنُ الرَّبيع ¬في ص، ت 1، ت 2، س: "ربيع".¥، وكعبُ بنُ مالكِ ¬ينظر الأثر المتقدم تخريجه في 11/ 670.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ قوله: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}. قال: هلالُ بنُ أمية، وكعبُ بن مالكٍ، ومُرارةُ بنُ الربيع، كلُّهم من الأنصارِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}. إلى قوله: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}: كعبُ بنُ مالكٍ، وهلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ بنُ ربيعةَ، تَخَلَّفوا في غزوة تبوك؛ ذُكر لنا أن كعب بن مالكٍ أوثق نفسه إلى ساريةٍ، فقال: لا أُطْلِقُها - أو ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "و".¥ لا أُطْلِقُ نفسى - حتى يُطلِقنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "والله لا أُطْلِقُه حتى يُطْلِقَه ربُّه إن شاءَ". وأما الآخَرُ فكان تَخَلَّفَ على حائطٍ له كان أَدْرَكَ، فَجَعَله صدقةً في سبيل الله، وقال: والله لا أطعمُه. وأما الآخرُ، فرَكِبَ المفاوز يَتْبَعُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ترفَعُه أَرضٌ وتضَعُه أخرى، وقَدَماه تَشَلْشَلان دمًا ¬تشَلشَلان دما: تقطران دما. واللسان (ش ل ل). والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1904 من طريق سعيد بن بشير عنه به، وتقدم طرف منه في ص 54.¥.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عُبيد الله، عن إسرائيل، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، قال: {الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}: هلالُ بنُ أمية، وكعبُ بنُ مالكٍ، ومرُارةُ بنُ ربيعةَ.
قال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ، عن سلامٍ أبي الأحْوصِ، عن سعيد بن مسروقٍ، عن عكرمة: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}. قال: هلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ، وكعبُ بنُ مالكٍ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1045 - تفسير) من طريق أبي الأحوص به.¥.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا ابن عَوْنٍ، عن عمر بن كثيرِ بن أفلحَ، قال: قال كعبُ بنُ مالكٍ: ما كنتُ في غَزاةٍ أَيسرَ للظَّهرِ والنفقة مني في تلك الغزاة. قال كعبُ بنُ مالكٍ: لمَّا خرج رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قلتُ: أَتَجَهَّزُ غدًا ثم أَلْحَقُه، فأَخَذتُ في جهازى، فأمسَيتُ ولم أفرُغْ ¬بعده في المسند: "فقلت: آخذ في جهازى غدًا والناس قريب بعد ثم ألحقهم، فأمسيت ولم أفرغ".¥، فلما كان اليومُ الثالثُ أَخَذْتُ في جهازى، فأمسَيتُ ولم أفرُغْ، فقلتُ: هَيْهَات، سارَ الناسُ ثلاثا، فأقمتُ، فلما قَدِمَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، جعل الناسُ يَعْتَذِرون إليه، فجئتُ حتى قُمْتُ بينَ يَدَيه، فقلتُ: ما كنتُ في غَزاةٍ أيسر للظهر والنفقة منى في هذه الغزاة. فأعرض عنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمَر الناس أن لا يُكَلِّمونا، وأُمِرَتْ نِساؤنا أن يَتَحَوَّلُن عنَّا. قال: فتَسَوَّرت حائطًا ذاتَ يومٍ، فإذا أنا بجابر بن عبدِ اللهِ، فقلتُ: أَيْ جابرُ، نَشَدْتُك باللهِ، هل عَلِمْتَنى غَشَشْتُ الله ورسولَه يومًا قَطُّ؟ فسكت عنى، فجعل لا يُكَلِّمُني، فبَينا أنا ذاتَ يومٍ، إذ سمعتُ رجلًا على الث
َّنيَّةِ يقولُ: [كعبُ كعبُ] ¬في المسند: "كعبا كعبا".¥. حتى دنا مني، فقال: بَشِّروا كعبًا ¬أخرجه أحمد 25/ 51 (15771)، والطبرانى 19/ 101 (202) من طريق ابن علية به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: غَزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عزوة تبوكَ، وهو يريدُ الرومَ ونصارى العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك، أقامَ بها بضعَ عَشرةَ ليلةً، ولَقِيَه بها وفد أذْرُحَ ¬أذرُح: اسم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحى البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز. معجم البلدان 1/ 174.¥ ووفدُ أيْلةَ ¬أيلة: مدينة على ساحل بحر القُلزُم مما يلى الشام، وقيل هي آخر الحجاز وأول الشام. معجم البلدان 1/ 422.¥، فصالحهم ¬في م: "صالحهم".¥ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على الجزية، ثم قَفَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِن تبوك ولم يُجاوِزْها، وأنزل الله: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} الآية. والثلاثةُ الذين خُلِّفُوا رَهْطُ منهم؛ كعبُ بنُ مالكٍ، وهو أحدُ بنى سَلِمةَ، ومُرارةُ بنُ ربيعة، وهو أحدُ بني عمرو بن عوفٍ، وهلالُ بنُ أميةَ، وهو من بنى واقفٍ، وكانوا تَخَلَّفوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تلك الغزوة، في بضعةٍ وثمانين رجلًا، فلما رجع رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، صَدَقَه أولئك حديثَهم، واعتَرَفوا بذنوبهم، وكَذَبَ، سائرُهم، فحَلَفوا لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما حبَسهم إلا العُذْرُ، فقَبِلَ منهم رسولُ اللهِ وبايَعَهم، ووَكَلَهم في سرائرهم إلى اللهِ، ونهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عن كلام الذين خُلِّفوا، وقال لهم حينَ حَدَّثوه حديثهم، واعْتَرَفوا بذنوبهم: "قد صَدَقْتُم فقوموا حتى يَقْضِيَ اللهُ فيكم". فلما أنزل الله القرآن تاب على الثلاثة، وقال للآخرين: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ}، حتى بلغ: {لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 95 - 96].
قال ابن شهابٍ: وأخبرنى عبدُ الرحمن بنُ عبدِ اللهِ بن كعب بن مالكٍ أن عبد الله بن كعبِ بن مالكٍ - وكان قائدَ كعبٍ مِن بَنيه حينَ عَمِيَ - قال: سمِعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُ حديثَه حينَ تَخَلَّفَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، قال كعبٌ: لم أَتَخلَّفْ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غزاها قَطُّ، إلا في غزوة تبوك، غير أنِّى قد تَخَلَّفْتُ في غزوة بدرٍ، ولم يُعاتَبْ أَحدٌ ¬في م، ف: "أحدًا".¥ تَخَلَّفَ عنها، إنما خرَج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون يُريدون عير قريشٍ، حتى جمع الله بينهم وبينَ عدوِّهم على غير ميعادٍ، ولقد شَهِدتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة، ليلة العقبة، حينَ تَواثَقْنا على الإسلام، وما أُحِبُّ أن لى بها مشهدَ بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكرَ في الناس منها.
فكان من خبرى حينَ تَخلَّفتُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك أني لم أكُنْ قَطُّ أقوَى ولا أيسرَ منى حينَ تَخلَّفْتُ عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعتُ قبلها راحلتين قَطُّ، حتى جمَعتُهما في تلك الغزوةِ، فَغَزاها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حَرٍّ شديدٍ، واسْتقبل سفرًا بعيدًا ومَفاوِزَ، واستقبل عدوًّا كثيرًا، فجَلَّى للمسلمين أمرَهم، ليتأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوهم، فأخبَرهم بوجههم ¬في م: "بوجهه".¥ الذي يريدُ، والمسلمون مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم كثيرٌ، ولا يجمعُهم كتابٌ حافظٌ - يريدُ بذلك الديوانَ - قال كعبٌ: فما رجلٌ يريدُ أن يَتَغيَّبَ إلا يَظُنُّ أن ذلك سَيَخْفى، ما لم ينزل فيه وَحْىٌ من الله، وغَزا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - تلك الغزوة حينَ طابَت الثمارُ والظِّلالُ، وأنا إليهما أصْعَرُ ¬في س، ف: "أصغر". وأَصعَرُ: أَميَلُ. النهاية 3/ 31.¥، فَتَجهَّز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون معه، وطَفِقْتُ أغْدو لكى أتَجهَّز معهم ¬بعده في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "والمسلمون معه". بعده في صحيح مسلم: "فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا". وينظر مس
ند الطيالسي (1034).¥، فلم أقض مِن جَهازى شيئًا، ثم غَدوتُ فرَجَعتُ ولم أقض شيئًا، فلم يَزَلْ ذلك يَتَمادَى حتى أسْرَعوا وتفارَطَ الغَزْوُ، وهَمَمْتُ أن أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهم، فيا ليتني فعَلتُ، فلم يُقَدَّرْ ذلك لي، فَطَفِقْتُ إِذا خَرَجْتُ في الناس بعد خروج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يُحْزِنُنِى أَن لا أَرَى لى أُسوةً إلا رجلًا مَغْموصًا عليه في النفاقِ، أو رجلًا ممن عَذَرَ اللهُ مِن الضعفاء، ولم يَذْكُرْنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بَلَغَ تبوكَ، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: "ما فَعَلَ كعبُ بن مالكٍ؟ ". فقال رجلٌ مِن بنى سَلِمةَ: يا رسولَ اللهِ، حَبَسَه بُرْداه، والنظرُ في عِطْفَيْه. فسَكَتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبَيْنا هو على ذلك، رأى رجلًا مُبَيِّضًا ¬مبيض، كمحدِّث: لابس ثيابا بيضًا. قال ابن الأثير: ويجوز أن يكون مُبيضًا بسكون الباء وتشديد الضاد، من البياض. التاج (ب ى ض) والنهاية 1/ 173.¥ يزولُ به السرابُ ¬يزول به السراب: يرفعه ويظهره. يقال: زال به السراب. إذا ظهر شخصه فيه خيالًا. النهاية 2/ 319.¥، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "كُنْ أبا خَيْثمةَ". فإذا هو أبو خ
َيْثمةَ الأنصاريُّ، وهو الذي تَصَدَّقَ بصاع التمرِ، فَلَمَزَه المنافقون. قال كعبٌ: فلما بلغنى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. [قد توجَّه] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.¥ قافِلًا من تبوك، حَضَرَني بَثِّي ¬في م: "همى". والبث: أشد الحُزن. النهاية 1/ 95.¥، فَطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكذب، وأقولُ: بم أخرُجُ مِن سَخَطِه غدًا؟ وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذى رأي من أهلي، فلما قيل لي ¬سقط من: ص، م.¥: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أَظَلَّ قادِمًا. زاحَ عنى الباطلُ، حتى عَرَفْتُ أني لن أنجوَ منه بشيءٍ أبدًا، فأجمَعتُ صدقه، وصبَّحَ ¬في م: "أصبح".¥ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قادمًا، وكان إذا قَدِم من سفر بدَأ بالمسجدِ فركَع فيه ركعتَين، ثم جلَس للناسِ، فلما فعَل ذلك جاءه المُخَلَّفُون، فطَفِقُوا يَعْتَذِرون إليه ويَحْلِفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقيل منهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علانيتَهم، وبايَعَهم واستغفر لهم، ووَكُل سرائرَهم إلى الله، حتى جئتُ، فلما سَلَّمْتُ تَبسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثم قال: "تعالَ". فجئتُ أمشى حتى جلَستُ بينَ يَدَيه، فقال لي: "ما خَلَّفَكَ؟ ألم تكُنْ قد ابْتَعْتَ ظَهْ
رَكَ؟ ". قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنّى والله لو ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "لقد".¥ جلَستُ عندَ غيرك مِن أهل الدنيا، لرأيتُ أنى سأخرُجُ مِن سَخَطِه بعُذرٍ، لقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولكنى واللَّهِ لقد علمتُ لئن حَدَّثْتُك اليوم حديث كَذِبٍ تَرْضَى به عنى، لَيُوشِكُنَّ اللهُ أَن يُسْخِطَك عليَّ، ولئن حَدَّثْتُك حديثَ صِدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إِنِّي لأرجو فيه عَفْوَ الله، والله ما كان لى عُذْرٌ، والله ما كنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسر منى حينَ تَخَلَّفْتُ عنك. فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أمَّا هذا فقد صَدَقَ، قُمْ حَتى يَقْضِيَ اللهُ فيك". فقُمْتُ، وثارَ رجالٌ مِن بنى سَلِمةَ، فاتَّبَعونى وقالوا: واللَّهِ مَا عَلِمْناكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قبلَ هذا، لقد عَجَزْتَ في ¬سقط من: م.¥ أن لا تكونَ اعْتَذَرتَ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بما اعْتَذَرَ به المُخَلَّفون ¬في م، ف: "المتخلفون".¥! فقد كان كافيك ذنبَك استغفارُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لك. قال: فوالله ما زالوا يُؤَنِّبُوننى، حتى أردتُ أن أرجِعَ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأُكَذِّبَ نفسى. قال: ثم قلتُ لهم: هل لَقِى هذا معى أحدٌ؟
قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثلُ ما قيل لك. قال: قلتُ: من هما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ ربيع العامريُّ وهلالُ بنُ أميةَ الواقفيُّ. قال: فذَكَروا لي رجلَين صالحَين قد شَهِدا بدرًا ¬بعده في م: "لى".¥ فيهما أُسْوةٌ. قال: فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لى، ونَهَى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عن كلامنا، أيُّها الثلاثةُ، مِن بين مَن تَخَلَّفَ عنه. قال: فاجْتَنَبَنا الناسُ وتَغَيَّروا لنا حتى تَنَكَّرَتْ لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي أعرِفُ، فَلَبِثْنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي، فاسْتَكَانا وقَعَدا في بُيوتهما يَبْكِيان، وأما أنا، فكنتُ أشَبَّ القومِ وأجلَدَهم، فكنتُ أخرُجُ وأشهَدُ الصلاة، وأطوفُ في الأسواق، ولا يُكَلِّمُني أحدٌ، وأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأسلِّمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقولُ في نفسي: هل حَرَّكَ شفتَيه بردِّ السلام أم لا؟ ثم أُصَلِّى معه، وأَسارِقُه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتى نَظَرَ إليَّ، وإذا التفَتُّ نحوه أعرَضَ عنى، حتى إذا طال ذلك عليَّ مِن جفوة المسلمين، مشَيتُ حتى تَسَوَّرتُ جدارَ حائطِ أبي قتادة، وهو ابن عمِّى وأحبُّ الناس
إليَّ، فسَلَّمْتُ عليه، فوالله ما رَدَّ عليَّ السلام، فقلتُ: يا أبا قتادةَ، أَنْشُدُك بالله، هل تعلَمُ أنى أحِبُّ الله ورسوله؟ فسكَتَ. قال: فعُدْتُ فناشَدتُه، فسكَت، فعُدْتُ فناشَدتُه، فقال: الله ورسوله أعلمُ. فَفَاضَتْ عَيْناى، وتَوَلَّيتُ حتى تَسَوَّرتُ الجدار، فبَيْنا أنا أمشى في سوق المدينة، إذا نبَطِيٌّ ¬في م: "بنبطي".¥ مِن نَبَطِ أهل الشام ممن قَدِمَ بالطعامِ يَبيعُه بالمدينة، يقولُ: مَن يدُلُّ على كعب بن مالكٍ؟ قال: فطَفِقَ الناسُ يُشيرون له حتى جاءني، فدفع إليَّ كتابًا مِن مَلكِ غَسَّانَ، وكنتُ كاتبًا، فقرأتُه، فإذا فيه: أمَّا بعدُ، فإنه قد بلَغَنا أن صاحبَك قد جَفاكَ، ولم يجعَلْك الله بدارِ هَوَانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالحقْ بِنا نُواسِكَ.
قال: فقلتُ حين [قرأتُها: وهذه] ¬في م: "قرأته وهذا". والتأنيث فيه إرادة لمعنى الصحيفة أو الرسالة.¥ أيضًا من البلاء، [فتأمَّمتُ به] ¬في ت 1، ت 2، س، ف: "فتأممت بها". والتأمم: القصد. النهاية 1/ 69.¥ التَّنُّورَ [فَسَجَرتُه به] ¬في ف: "فسجرته به". وسجر التنور. أوقده وأحماه. تاج العروس (س ج ر).¥، حتى إذا مَضَتْ أربعون من الخمسين، واسْتَلْبَث الوحيُ، إذا رسولُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتينى، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمُرُك أن تَعْتزلَ امرأتَك. قال: فقلتُ: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعَلُ؟ قال: لا، بل اعْتَزِلُها فلا تَقْرَبَنَّها ¬في م: "تقربها".¥. قال: وأرسَل إلى صاحِبَيَّ بذلك. قال: فقلتُ لامرأتى: الحَقِى بأهلِك فكونى ¬في م: "تكوني".¥ عندَهم، حتى يقضىَ الله في هذا الأمر. قال: فجاءت امرأةُ هلالٍ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخٌ ضائعٌ ليس له خادمٌ، فهل تَكْرَهُ أن أخدُمَه؟ فقال: "لا، ولكنْ لا يَقْرَبَنَّكِ". قالت: فقلتُ: إنه والله ما به حركةٌ إلى شيءٍ، ووالله ما زالَ يَبْكى منذُ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لى بعضُ أهلى: لو استأذنت رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلالٍ أن تَخْدُمَه. قال: فقلتُ: لا أستأذن فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وما يُدْرِيني ماذا يقول لى إذا اسْتأذنتُه فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ.
فلَبِثْتُ بعد ذلك عشر ليالٍ، فَكَمَلَ لنا خمسون ليلةً مِن حين نهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن كلامنا، قال: ثم صلَّيتُ صلاة الفجرِ صباح خمسين ليلةً على ظهر بيتٍ من بُيُوتِنا، فبَيْنا أنا جالسٌ على الحالِ التي ذَكَرَ اللهُ مِنَّا ¬في م: "عنا".¥، قد ضاقَت عليَّ نفسى، وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، سَمِعتُ صوت صارخٍ [أَوْفَى على جبلِ سَلْعٍ] ¬أوفى على جبل سَلعْ: أشرف واطَّلَع. النهاية 5/ 211، وسَلع: جَبل بسوق المدينة. معجم البلدان 3/ 117.¥ يقولُ بأعلى صوته: يا كعبُ بنَ مالكٍ، أبشرْ. قال: فَخَرَرْتُ ساجدًا، وعَرَفْتُ أَنْ قد جاء فرجٌ. قال: وآذَنَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بتوبة الله علينا حينَ صَلَّى صلاة الفجرِ، فذهَب الناسُ يُبَشِّرُونَنا، فذهَب قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرُون، وركَض رجلٌ إليَّ فرسًا، وسعَى ساعٍ مِن أسلمَ قِبَلى، وأَوْفَى الجبلَ، وكان الصوتُ أسرع من الفرس، فلما جاءنى الذي سَمِعتُ صوتَه يُبَشِّرُنى، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ، فكَسَوتُهما إياه بِبَشارته، والله ما أَمْلِكُ غيرَهما يومَئذٍ، واسْتَعَرْتُ ثوبَين فلبستُهما، وانطلقتُ أتأمَّمُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَلقَّانى
الناسُ فوجًا فوجًا يُهَنِّئُونى بالتوبة، ويقولون: لِتَهْنِكَ ¬في ت 1، ت 2، س، ف: "ليرضك".¥ توبة الله عليك حتى دخَلتُ المسجدَ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسٌ في المسجدِ حوله الناسُ، فقامَ إليَّ طلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يُهَرْولُ حتى صافَحَنى وهَنَّأَنى، واللَّهِ ما قامَ رجلٌ مِن المهاجرين غيرُه - قال: فكان كعبٌ لا يَنْساها لطلحةَ - قال كعبٌ: فلما سَلَّمْتُ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وهو يَبْرُقُ وجهُه من السرور: "أبْشرْ بخير يومٍ مَرَّ عليك منذُ وَلَدَتْك أمُّكَ". فقلتُ: أمِن عندِك يا رسولَ اللهِ، أم من عندِ اللهِ؟ قال: "لا، بَلْ مِن عِنْدِ الله". وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سُرَّ استنارَ وجهُه، حتى كأن وجهه قطعةُ قمرٍ، وكُنَّا نعرِفُ ذلك منه.
قال: فلما جلَستُ بينَ يَدَيه قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِن مِن تَوْبَتى أن أنْخلِعَ مِن مالى صدقةً إلى اللهِ وإلى رسوله. فقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَمْسِكْ ¬بعده في س: "عليك".¥ بعضَ مالك، فهو خيرٌ لك". قال: فقلتُ: فإني أُمْسِكُ سَهْمىَ الذي بخيبرَ. وقلتُ: يا رسول اللهِ، إن الله إنما أنْجانى بالصدقِ، وإن مِن تَوْبتى أن لا أُحدِّثَ إلا صدقًا ما بَقِيتُ. قال: فوالله ما علمتُ أحدًا من المسلمين أَبْلاه ¬في م: "ابتلاه".¥ الله في صِدْقِ الحديث، منذ ذكَرتُ ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أحسن مما ابْتَلاني ¬في صحيح مسلم: "أبلانى". والبلاء والإبلاء يكونان في الخير والشر معًا. يقال: ابتليته بلاء حسنًا وبلاء سيئًا. اللسان (ب ل ى).¥، والله ما تَعمَّدتُ كذبةً مُذْ قلتُ ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومى هذا، وإنى أرجو [أن يَحْفَظَني] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.¥ الله فيما بقي. قال: فأنزل الله: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} حتى بَلَغَ: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}. قال كعبٌ: والله ما أنعم الله عليَّ ¬سقط من: ص،
ت 1، ت 2، س، ف. وانظر صحيح مسلم.¥ من نعمةٍ قَطُّ بعد أن هَدانى للإسلام أعظمَ في نفسى مِن صِدْقى رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن لا أكونَ كَذَبْتُه فأَهْلِكَ كما هلَك الذين كذبوا ¬في م: "كذبوه".¥، فإِنَّ الله قال للذين كَذَبوا حينَ أَنزَل الوحى شَرَّ ما قال لأحدٍ: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} إلى قوله: {لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 96].
قال كعبٌ: كُنَّا ¬سقط من: م.¥ خُلِّفْنا، أَيُّها الثلاثةُ، عن أمر أولئك الذين قَبِلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - توبتَهم حينَ حَلَفُوا له، فبايَعَهم واسْتغفَر لهم، وأَرْجَأَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ما أمرنا حتى قَضَى الله فيه، فبذلك قال الله: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}. وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنا عن الغزو، إنما هو تَخْليفُه إيَّانا وإرْجاؤُه أَمْرَنا عمن حلف له واعْتَذَرَ إليه، فقبل منه ¬في م: "منهم". والحديث أخرجه البخارى (4676، 6690)، ومسلم (2769)، وأبو داود (2202، 2773، 3317، 4600)، والنسائي (730، 3422، 3833) من طريق ابن وهب به مطولا ومختصرًا، وأخرجه أحمد 25/ 65 (15788)، والبخارى (3889) من طريق يونس به، ولم يسق البخاري لفظه، وعند أحمد مختصرًا، وينظر مسند الطيالسي (1034).¥.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن عَقِيلٍ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرني عبدُ الرحمن بن عبد الله بن كعبِ بن مالكٍ، أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائدَ كعبٍ مِن بَنِيه حينَ عَمِيَ - قال: سَمِعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُ حديثَه حينَ تَخَلَّفَ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك. فذكر نحوَه ¬أخرجه البخارى في الأدب المفرد (944) من طريق أبي صالح به ببعضه، وأخرجه أحمد 25/ 81 (15790)، والبخارى (2757) مختصرًا، (4418) مطولًا، ومسلم (2769)، والنسائي (3424، 3834) من طريق الليث به ببعضه، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1899، 1905 من طريق عقيل به مطولًا ومختصرًا.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن كعبٍ، عن أبيه، قال: لم أتخَلَّفْ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في غزاةٍ غزاها إلا بدرًا، ولم يُعاتب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحدًا تَخَلَّفَ ¬في ص، ت 1، ت 2، ف: "بخلفه"، وفى س: "تخلفه". وانظر مصدر التخريج.¥ عن بدرٍ، ثم ذَكَرَ نحوَه ¬أخرجه أحمد 6/ 387 - 390 (الميمنية) من طريق معمر به مطولًا.¥.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن ابن شهابٍ الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن عبدِ اللهِ بن كعب بن مالكٍ الأنصاريِّ، ثم السُّلميِّ، عن أبيه، أن أباه عبد الله بن كعبٍ - وكان قائدَ أبيه كعب حينَ أُصِيبَ بصرُه - قال: سَمِعتُ أبي كعبَ بنَ مالكٍ يُحَدِّثُ حديثَه حين تخلَّف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، وحديث صاحبيه، قال: ما تخلَّفتُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة غَزاها، غير أني كنتُ تَخَلَّفْتُ عنه في غزوة بدر. ثم ذَكَر نحوَه ¬سيرة ابن هشام 2/ 531، وأخرجه أبو داود (3321) من طريق ابن إسحاق به مقتصرًا على بعضه.¥.

تفاسير بلغات أخرى · 6