تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القول في تأويل قوله: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126)}.
اختلفت القرَأَةُ في قراءةِ قوله: {أَوَلَا يَرَوْنَ}؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ الأمصار: {أَوَلَا يَرَوْنَ} بالياءِ، بمعنى: أَوَلا يَرَى هؤلاء الذين في قلوبهم مرضُ النفاق؟
وقَرَأ ذلك حمزةُ: (أوَ لا تَرَوْنَ) بالتاءِ ¬القراءة بالياء وهى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي. السبعة لابن مجاهد ص 320.¥، بمعنى: أَوَلا تَرَون أنتم ¬في ت 1، ت 2، ت 3، س، ف: "أنهم".¥ أيُّها المؤمنون أنهم يُفتنون؟
والصوابُ عندنا من القراءة في ذلك الياءُ ¬القراءتان كلتاهما صواب.¥، على وجه التوبيخ من الله لهم؛ لإجماع الحجةِ مِن قَرَأةِ الأمصارِ عليه وصحةِ معناه.
فتأويلُ الكلام إذن: أَوَلا يرى هؤلاء المنافقون أن الله يَخْتَبِرُهم في كلِّ عامٍ مرةً أو مرَّتين، بمعنى أنه يَخْتبِرُهم في بعض الأعوام مَرَّةً وفى بعضها مَرَّتين، {ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ}. يقولُ: ثم هم مع البلاء الذي يحِلُّ بهم من الله، والاختبار الذي يَعْرِضُ لهم، لا يُنيبون مِن نِفاقهم، ولا يتوبون مِن كُفرهم، ولا هم يَتَذَكَّرون بما يَرون مِن حُجَجِ اللهِ ويُعاينون من آياته، فيَتَّعِظوا بها، ولكنهم مُصِرُّون على نفاقهم.
واخْتَلَف أهل التأويل في معنى "الفتنة" التي ذكر الله في هذا الموضع أن هؤلاء المنافقين يُفْتَنون بها؛ فقال بعضُهم: ذلك اختبارُ اللهِ إِيَّاهم بالقَحْطِ والشدة.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}. قال: بالسَّنَةِ والجوع ¬تفسير مجاهد ص 378، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1915، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 293 إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {يُفْتَنُونَ}. قال: يُتلون، {فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}. قال: بالسَّنَة والجوع ¬¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: [حدَّثنا أبو حذيفة] ¬سقط من: م.¥، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}. قال: يُبْتَلون بالعذاب في كلِّ عامٍ مرةً أو مرتين.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قوله: {يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}. قال: بالسَّنةِ والجوع.
وقال آخرون: بل معناه أنهم يُختبرون بالغزو والجهاد.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}. قال: يُبْتَلون بالغزو في سبيل اللهِ في كلِّ عامٍ مرة أو مرتين ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1916 من طريق سعيد بن بشير عن قَتادةَ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 293 إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.¥.
حدَّثنا محمد بن عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسن مثلَه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 291، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1915 من طريق محمد بن عبد الأعلى به.¥.
وقال آخرون: بل معناه أنهم يُختَبَرون بما يُشِيعُ المشركون من الأكاذيبِ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه، فيفتِنون ¬في ص: "فيفتتنن"، وفى م، ت 1، ت 2، س، ف: "فيفتتن".¥ بذلك الذين في قلوبهم مرضٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن جابرٍ، عن أبي الضُّحَى، عن حُذيفةَ: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ}. قال: كُنَّا نسمَعُ في كلِّ عامٍ كَذِبةً أو كذبتين، فيُضِلُّ بها فئامٌ مِن الناسِ كثيرٌ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شَرِيكٍ، عن جابرٍ، عن أبي الضُّحَى، عن حُذيفة، قال: كان لهم في كلِّ عام كَذِبةٌ أو كَذِبتان ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1916 من طريق وكيع به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 293 إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.¥.
وأَوْلى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه عَجَّبَ عِبادَه المؤمنين من هؤلاء المنافقين، ووَبَّخَ المُنافقين في أنفسِهم بقلةِ تَذَكُّرِهم، وسُوء تنبُّههم ¬في الأصل: "تثبتهم"، وفى ت 1، ت 2، س، ف: "تنبيههم".¥ لمواعظ اللهِ التي يَعِظُهم بها. وجائزٌ أن تكون تلك المواعظ ¬في الأصل: "الموعظة".¥ الشدائد التي يُنْزِلُها بهم من الجوع والقَحْطِ. وجائزٌ أن تكون ما يُرِيهم مِن نُضرةِ رسوله على أهلِ الكفر به، ويَرْزُقُه مِن إظهاره ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س، ف: "إظهار".¥ كلمته على كلمتهم. وجائزٌ أن تكونَ ما يَظْهَرُ للمسلمين من نفاقهم وخُبْثِ سرائرهم، برُكونهم إلى ما يَسْمَعون من أراجيف المشركين برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. ولا خبرَ يُوجِبُ صحةً بعض ذلك دونَ بعضٍ من الوجه الذي يَجِبُ التسليمُ له. فلا قول في ذلك أولى بالصوابِ مِن التسليم لظاهرِ قولِ اللهِ، وهو: أوَلَا يَرون أنهم يُختَبَرون في كلِّ عامٍ مَرَّةً أو مرَّتين، بما ¬في الأصل: "ما".¥ يكون زاجرًا ¬في الأصل: "زجرا".¥ لهم، ثم لا ينزَجِرون ولا يتَّعِظون؟