تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنْذِرْ يا محمدُ الناسَ الذين أرْسَلْتُك إليهم داعيًا إلى الإسلامِ، ما هو نازلٌ بهم يومَ يَأْتِيهم عذابُ اللهِ في القيامةِ، {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا}. يقولُ: فيقولُ الذين كفَروا بربِّهم، فظلَموا بذلك أنفسَهم: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا}، أي: أخِّرْ عنا عذابَك، وأمْهِلْنا {إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ} الحقَّ، فنُؤمِنْ بك، ولا نُشْرِك بك شيئًا {وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}. يقولون: ونُصَدِّقُ رسلَك، فنَتَّبِعْهم على ما دَعوْتَنا إليه مِن طاعتِك واتباعِ أمرِك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ}. قال: يومَ القيامةِ، {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ}. قال: مدَّةٍ يَعْمَلون فيها من الدنيا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 88 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ}. يقولُ: أَنْذِرُهم في الدنيا قبل أن يَأْتِيَهم العذابُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 88 إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
وقولُه: {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا} رُفِع عطفًا على قولِه: {يَأْتِيهِمُ} في قولِه: {يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ}. وليس بجوابٍ للأمرِ، ولو كان جوابًا لقولِه: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ} جاز فيه الرفعُ والنصبُ؛ أما النصبُ فكما قال الشاعرُ ¬هو أبو النجم العجلى. والبيت تقدم في 12/ 269.¥:
يا ناقُ سِيرِي عَنَقًا فَسِيحَا ... إلى سليمانَ فنَسْتَرِيحا
والرفعُ على الاستئنافِ. وذُكِر عن العَلاءِ بن سَيَابةَ أنه كان يُنْكِرُ النصبَ في جوابِ الأمرِ بالفاءِ، قال الفَرَّاءُ ¬معاني القرآن 2/ 79.¥: وكان العَلاءُ هو الذي علَّم مُعاذًا وأصحابَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}.
وهذا تَقْريعٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه للمشركين مِن قريشٍ، بعدَ أن دخَلوا النارَ؛ بإنكارِهم في الدنيا البعثَ بعدَ الموتِ، يقولُ لهم إذ سأَلوه رفعَ العذابِ عنهم، وتأخيرَهم؛ ليُنِيبُوا ويَتُوبوا: {أَوَلَمْ تَكُونُوا}. في الدنيا {أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}. يقولُ: ما لكم مِن انتقالٍ مِن الدنيا إلى الآخرةِ، وإنكم إنما تَموتون، ثم لا تُبْعَثون.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ}. كقولِه: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [النحل: 38]. ثم قال: {مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}. قال: الانتقالُ من الدنيا إلى الآخرةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبَابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ ¬في النسخ: "سلمة". وهو إسناد دائر.¥، وحدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: {مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ}. قال: لا تموتون؛ لقريشٍ ¬تفسير مجاهد ص 413.¥.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن الحكَمِ، عن عُمرَ ¬في م ف: "عمرو"، وينظر التاريخ الكبير 6/ 190، والجرح والتعديل 6/ 131.¥ بن أبي ليلى أحد بني عامرٍ، قال: سمِعت محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ: بلَغني - أو ذُكِر لى - أن أهلَ النارِ ينادُون: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}. فردَّ عليهم: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ}. إلى قولِه: {لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} ¬أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (251) من طريق ابن المبارك به مطولًا. وسيأتي بتمامه في تفسير آية 105، 106 من سورة المؤمنون.¥.