تفسير ابن كثير
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)
وقد روى شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن أن عليًا - رضي الله عنه - قال في هذه الآية {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} قال: أخذ ذاك الذي حاجَّ إبراهيم في ربه نسرين صغيرين، فرباهما حتى استغلظا واستفحلا وشبَّا، قال: فأوثق رجل كل واحد منهما بوتد إلى تابوت وجوَّعهما، وقعد هو ورجل آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصًا على رأسه اللحم فطارا، وجعل يقول لصاحبه: انظر ما ترى؟ قال: أرى كذا وكذا حتى قال: أرى الدنيا كلها كأنها ذباب. قال: فصوب العصا، فصوبها فهبطا جميعًا، قال: فهو قوله - عز وجل -: (وإن كاد ¬هذه القراءة شاذة تفسيرية.¥ مكرهم لتزول ¬وهي قراءة متواترة.¥ منه الجبال) ¬أخرجه الطبري من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به بنحوه، وفي سنده عبد الرحمن وهو ابن أذُنان ذكره البخاري (التاريخ الكبير 5/ 255)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل 5/ 210) وسكتا عنه، وذكره ابن حبان في الثقات (5/ 87).¥.
قال أبو إسحاق: وكذلك هي قراءة عبد الله (وإن كاد مكرهم) ¬¥.
قلت: وكذا روي عن أُبي بن كعب وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - أنهما قرآ (وإن كاد) ¬هذه القراءة نسبها أبو حيان إلى أُبي بن كعب وعمر بن الخطاب وأبي إسحاق السبيعي وابن مسعود (البحر المحيط 5/ 437) وهي قراءة شاذة تفسيرية.¥ كما قرأ علي، وكذا رواه سفيان الثوري وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن [أذنان] ¬كذا في تفسير الطبري وكذا تُرجم له كما تقدم، وفي الأصل صحّف إلى: "أرباب".¥، عن علي ... فذكر نحوه ¬أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وفيه عبد الرحمن بن أذنان تقدم.¥، وكذا روي عن عكرمة أن سياق هذه القصة للنمروذ ملك كنعان أنه رام أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر، كما رام فرعون ملك القبط في بناء الصرح فعجزا وضعفا، وهما أقل وأحقر وأصغر وأدحر.
وذكر مجاهد هذه القصة عن بختنصر، وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها، نودي أيها الطاغية أين تريد؟ ففرق ثم سمع الصوت فوقه، فصوب الرماح فصوبت النسور، ففزعت الجبال من هدتها، وكادت الجبال أن تزول من حسِّ ذلك، فذلك قوله: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} ¬أخرجه الطبري من طريق أبي نجيح عن مجاهد بنحوه، وسنده صحيح إلى مجاهد لكنه مرسل.¥.
ونقل ابن جريج عن مجاهد أنه قرأها (لَتزولُ منه الجبال) بفتح اللام الأولى وضم الثانية ¬قد أخرجه الطبري بسنده ضعيف عن ابن جريج به والقراءة متواترة كما تقدم.¥، وروى العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال ¬سنده ضعيف لضعف العوفي والرواة عنه.¥. وكذا قال الحسن البصري ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن الحسن.¥، ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من شركهم بالله وكفرهم به، ما ضر شيئًا من الجبال ولا غيرها، وإِنما عاد وبال ذلك عليهم.
قلت: ويشبه هذا قول الله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37)} [الإسراء]، والقول الثاني في تفسيرها ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} يقول: شركهم، كقوله: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} الآية [مريم: 90] ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.¥، وهكذا قال الضحاك وقتادة ¬قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.¥.