تفسير ابن كثير
يقول تعالى لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -: وقل يا محمد للناس هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا قال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا} أي: أرصدنا {لِلظَّالِمِينَ} وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} أي: سورها.
قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار مثل مسافة أربعين سنة" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 3/ 29)، وسنده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم. وضعفه ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 936).¥. وأخرجه الترمذي في صفة النار، وابن جرير في تفسيره، من حديث دراج أبي السمح به ¬أخرجه الترمذي (السنن، صفة جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار ح 2587)، والطبري كلاهما من طريق دراج به، وحكمه كسابقه.¥.
وقال ابن جريج: قال ابن عباس: {أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} قال: حائط من نار ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به، وابن جريج لم يسمع من ابن عباس.¥.
قال ابن جرير: حدثني الحسين بن نصر والعباس بن محمد قالا: حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن أُمية، حدثني محمد بن حيي بن يعلى، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أُمية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "البحر هو جهنم" قال: فقيل له: [كيف ذلك]؟ ¬الزيادة من تفسير الطبري.¥ فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} ثم قال: "والله لا أدخلها أبدًا أو ما دمت حيًا لا تصيبني منها قطرة" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لجهالة محمد بن حيي، وأخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن حيي به، وضعفه محققوه لجهالة محمد بن حيي (المسند 29/ 478 ح 17960).¥.
وقوله: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} الآية، قال ابن عباس: المهل: الماء الغليظ مثل دُردي ¬الدردي: ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة والأدهان (النهاية 2/ 112).¥ [الزيت] ¬كذا في (ح) و (حم)، وفي الأصل صُحفت إلى: "الزبيب".¥ ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويتقوى برواية الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: "أسود كهيئة الزيت".¥.
وقال مجاهد: هو كالدم والقيح ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥.
وقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره ¬أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير وليس عن عكرمة.¥.
وقال آخرون: هو كل شيء أذيب.
وقال قتادة: أذاب ابن مسعود شيئًا من الذهب في أخدود، فلما انماع وأزبد، قال: هذا أشبه شيء بالمهل ¬أخرجه الطبري من طريق قتادة به، وقتادة لم يسمع من ابن مسعود.¥.
وقال الضحاك: ماء جهنم أسود وهي سوداء وأهلها سود ¬أخرجه البستي بسند حسن من طريق عبيد، وهو ابن سليمان، عن الضحاك.¥.
وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر، فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: {يَشْوِي الْوُجُوهَ} أي: من حره، إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه.
كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ماء كالمهل - قال - كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه" ¬تقدم تخريجه وضعفه في بداية تفسير هذه الآية.¥. وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه من حديث رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين، وقد تكلم فيه من قبل حفظه هكذا، قال: وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن دراج، والله أعلم.
وقال عبد الله بن المبارك وبقية بن الوليد: عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن بسر، عن أبي أُمامة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ} [إبراهيم: 16، 17]، قال: "يقرب إليه فيتكرهه، فإذا قرب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه، يقول الله تعالى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ} ¬تقدم تخريجه في سورة إبراهيم آية 17.¥.
وقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا، فأغيثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها، فاجتثت جلود وجوههم، فلو أن مارًّا مرَّ بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود ¬أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.¥، ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة {بِئْسَ الشَّرَابُ} أي: بئس هذا الشراب، كما قال في الآية الأخرى {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: 15] وقال تعالى: {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5)} [الغاشية] أي: حارة، كما قال تعالى: {وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 44].
{وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} أي: وساءت النار منزلًا ومقيلًا ومجتمعًا وموضعًا للارتفاق، كما قال في الآية الأخرى {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)} [الفرقان].