تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هذه الآيةُ هي أوّلُ آيةٍ نزَلتْ في أمْرِ المسلمين بقتالِ المشركين. وقالوا: أُمِر فيها المسلمون بقتالِ مَن قاتَلَهم من المشركينَ، والكَفِّ عمَّن كفَّ عنهم منهم ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، ثم نُسِخَتْ بعدُ بـ "براءةَ".
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ وابنُ أبي جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. قال: هذه أوّلُ آيةٍ نزَلتْ في القتالِ بالمدينةِ، فلمَّا نزَلتْ كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقاتِلُ من قاتَله ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يقاتله".¥، ويكفُّ عمَّن كفَّ عنه، حتى نزَلتْ "براءةُ". قال: ولم يَذكُرُ عبدُ الرحمنِ المدينةَ ¬ذكره الطوسي في التبيان 2/ 143، والبغوي في تفسيره 1/ 143 معلقا عن الربيع. وعزاه السيوطي في الإتقان 1/ 99، والأوائل ص 94 إلى المصنف عن أبي العالية. وأخرجه آدم بن أبي إياس في تفسيره - كما في الدر المنثور 1/ 205 - ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 325 (1719) - عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} إلى آخرِ الآيةِ. قال: قد نُسِخَ هذا. وقرأ قولَ اللهِ: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36]. وهذه الناسخةُ. وقرأ: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ}. حتى بلَغ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} إلى {إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 1/ 327 عن ابن زيد.¥ [التوبة: 1 - 5].
وقال آخَرون: بل ذاك أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه المسلمين بقتالِ الكفارِ لم يُنْسَخْ، وإنما الاعتداءُ الذي نهاهُم اللهُ عنه، هو نهيُه عن قتلِ النساءِ والذَّرَارِيِّ. قالوا: والنهيُ عن قتلِهم ثابتٌ حكمُه اليومَ. قالوا. ولا شيْءَ نُسِخَ من حكمِ هذه الآيةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن صَدقةَ الدمشقيِّ، عن يحيى بنِ يحيى الغسانيِّ، قال: كتبتُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أسألُه عن قولِه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. قال: فكتَب إليَّ أَنَّ ذلك في النساءِ والذُّرِّيةِ، [ومن] ¬في الأصل، والدر المنثور 1/ 205: "من".¥ لمْ يَنْصِبْ لك الحربَ منهم ¬أخرجه وكيع - كما في الدر المنثور 1/ 205 - وعنه ابن أبي شيبة 12/ 385. وينظر الاستذكار 14/ 63، وسيرة عمر لابن الجوزي ص 96.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسَى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}: لأصحابِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - أُمِرُوا بقتالِ الكفارِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 325 (1720) من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. يقولُ: لا تقتُلوا النساءَ والصبْيانَ والشيخَ الكبيرَ، ولا مَنْ ألْقَى إليكم السَّلَمَ وكفَّ يدَه، فإنْ فعلتُم ¬بعده في م، ت 1، ت 2، ت 3: "هذا".¥ فقد اعتديتُم ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 325 (1721) من طريق أبي صالح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 205 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني ابنُ البرْقىِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ أبي سلَمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: كتَب عُمرُ بنُ عبدِ العزيز إلى عديٍّ بنِ أرطاةَ: إنِّي وجَدتُ آيةً في كتابِ اللهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. أي: لا تقاتِلْ من لا يُقاتلُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يقاتلك".¥. يعني النساءَ والصبيانَ والرهبانَ. وأوْلَى هذين القولين بالصوابِ القولُ الذي قاله عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ؛ لأن دَعوَى المدَّعِي نَسْخَ آيةٍ مُحْتملٍ أن تكونَ غيرَ منسوخةٍ، بغيرِ دَلالةٍ على صحَّةِ دعْواه - تَحكُّمٌ، والتحَكُّمُ لَا يَعجِزُ عنه أحدٌ.
وقد دلَّلنَا على معنى "النسخِ"، والمعنى الذي من قِبَلِه ثبَتت صحةُ النَّسخِ، بما قد أغنَى عن إعادَتِه في هذا الموضعِ ¬ينظر ما تقدم في 2/ 388 وما بعدها.¥.
فتأويلُ الآيةِ - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا -: وقاتلُوا أيُّها المؤمنون في سبيلِ اللهِ. وسَبيلُه: طريقُه الذي أوضحَه، ودينُه الذي شرَعَه لعبادِه، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه. وقاتلوا في طاعتِي، وعلى ما شرَعتُ لكم من دينِي، وادْعُوا إليه مَن وَلَّى عنه واستكبرَ، بالأيدِي والألسنِ، حتى يُنِيبُوا إلى طاعتِي، أو يُعطوكم الجزيةَ صَغارًا إنْ كانوا أهلَ كتابٍ. وأمَرهم جلَّ ثناؤُه بقتالِ مَن كان فيه قتالٌ من مُقاتِلةِ أهلِ الكفرِ، دونَ مَن لم يكنْ فيه قِتالٌ، من نسائِهم وذَراريِّهم، فإنهم أموالٌ وخَوَلٌ لهم، إذا غُلبَ المقاتلون منهم فقُهِرُوا. فذلك معنى قولِه: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [لا أنه] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "لأنه".¥ أباح الكفَّ عمَّنْ كفَّ فلم يقاتلْ مِن مشركِي أهلِ الأوثانِ، أو ¬في م: "و".¥ الكافِّينَ عن قتالِ المسلمينَ مِن كفارِ أهلِ الكتابِ على غير ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ إعطاءِ الجزيةِ صَغارًا.
فمعنى قولِه: {وَلَا تَعْتَدُوا}: لا تقتُلوا وليدًا ولا امرأةً، ولا مَن أعطاكُم الجزيةَ مِن أهلِ الكتابيْن والمجوسِ، {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}، الذين يتجاوزون حدودَه، فيَسْتحلُّون ما حرَّمه عليهم من قَتلِ هؤلاءِ الذين حرَّمَ قتلَهم، من نساءِ المشركين وذَرارِيِّهم.