আর তোমাদের মধ্যে কারো স্বাধীন ঈমানদার নারীকে বিয়ের সামর্থ্য না থাকলে, তোমরা তোমাদের অধিকারভুক্ত (ঈমানদার দাসী বিয়ে করবে। আল্লাহ তোমাদের ঈমান সম্পর্কে পুরোপুরি অবহিত। মূলত তোমরা একে অপরের সমান। কাজেই তোমরা তাদেরকে বিয়ে করবে তাদের মালিকের অনুমতিক্রমে এবং তাদেরকে তাদের মোহরানা ন্যায়সংগতভাবে দিবে। তারা হবে সচ্চরিত্রা, ব্যভিচারিণী নয় ও উপপতি গ্রহণকারিণীও নয়। অতঃপর বিবাহিতা হওয়ার পর যদি তারা ব্যভিচার করে, তবে তাদের শাস্তি স্বাধীন নারীর অর্ধেক (১৪)। উক্ত বিধান তাদের জন্যে, তোমাদের মধ্যে যারা ব্যভিচারে লিপ্ত হওয়ার আশঙ্কা করে এবং স্বাধীন নারীদেরকে বিবাহে অক্ষম। আর তোমাদের জন্যে ধৈর্যধারণ করা উত্তম। (১৫) আর আল্লাহ পরম ক্ষমাশীল, অতি দয়ালু।
এই আয়াতে নির্বাচিত ভাষার তাফসীর নেই; উপলব্ধ পাঠ দেখানো হচ্ছে।
( وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النساء : 25]
يقول تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا} أي: سعة وقدرة {أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} أي: الحرائر العفائف المؤمنات. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الجبار عن ربيعة {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} قال ربيعة: الطول الهوى، يعني: ينكح الأمة إذا كان هواه فيها، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، وفي سنده عبد الحبار وهو ابن عمر الأيلي: ضعيف (التقريب ص 332).¥، ثم أخذ يشنع على هذا القول ويرده {فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} أي: فتزوجوا من الإيماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون، ولهذا قال: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ}، قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.¥، وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان ¬قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بحذف السند.¥ ثم اعترض بقوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} أي: هو العالم. بحقائق الأمور وسرائرها، [وإنما لكم] ¬كذا في (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "وإيمانكم" وهو تصحيف.¥ أيها الناس الظاهر من الأمور، ثم قال: {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده ليس له أن يتزوج بغير إذنه، كما جاء في الحديث "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر" ¬أخرجه أبو داود (السنن، النكاح، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده ح 2078)، والترمذي (السنن، النكاح، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده ح 1111 - 1112)، وقال: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 194)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح 887).¥ أي: زانٍ. فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها لما جاء في الحديث "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" ¬أخرجه ابن ماجه (السنن، النكاح، باب لا نكاح إلا بولي ح 1882)، وأخرجه الدارقطني بنحوه (السنن 3/ 227 ح 26)، وصححه ابن الملقن (خلاصة البدر المنير 2/ 187 ح 1938)، والألباني (الإرواء 6/ 249).¥.
وقوله تعالى: {وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي: عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئًا استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات.
وقوله تعالى: {الْمُحْصَنَاتِ} أي: عفائف عن الزنا لا يتعاطينه، ولهذا قال: {غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ} وهن الزواني اللاتي لا يمنعن من أرادهن بالفاحشة.
وقوله تعالى: {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}، قال ابن عباس: المسافحات هن الزواني المعلنات ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.¥، يعني: الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة. و {مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} يعني: أخلاء، وكذا روي عن أبي هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حيان والسدي، قالوا: أخلاء ¬ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.¥. وقال الحسن البصري: يعني: الصديق ¬ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.¥. وقال الضحاك أيضًا: {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} ذات الخليل الواحد المقرة به، نهى الله عن ذلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.¥. يعني تزويجها ما دامت كذلك.
وقوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} اختلف القراءة في أحصن، فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم يسم فاعله، وقرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم ¬كلاهما قراءتان متواترتان.¥، ثم قيل: معنى القراءتين واحد، واختلفوا فيه على قولين:
(أحدهما): أن المراد بالإحصان ههنا الإسلام، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي ¬ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.¥، وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب وهو منقطع، وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي في رواية الربيع، قال: وإنما قلنا ذلك، استدلالًا بالسنة، وإجماع أكثر أهل العلم. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا مرفوعًا، قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، حدثنا أبي، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} قال: "إحصانها إسلامها وعفافها" وقال: المراد به هاهنا التزويج. قال: وقال علي: اجلدوهن، ثم قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحكمه، وفيه أيضًا رجل مبهم.¥. (قلت): وفي إسناده ضعف، وفيه من لم يسم، ومثله لا تقوم به حجة. وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها ¬أخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع بسنده إليهما، وسفيان ضعيف.¥.
وقيل: المراد به ههنا التزويج، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم ¬قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وبقية التابعين ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.¥. ونقله أبو علي الطبري في كتابه [الإفصاح] ¬كذا في (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "الإيضاح" وهو تصحيف.¥ عن الشافعي، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة ¬أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن إدريس عن ليث به، ورجاله ثقات إلا ليث بن أبي سليم وقد توبع كما في الرواية التالية فسنده حسن.¥، وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.¥، رواهما ابن جرير في تفسيره. وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي ¬ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.¥.
وقيل: بل معنى القراءتين متباين. فمن قرأ: (أحصن) بضم الهمزة فمراده التزويج، ومن قرأ بفتحها فمراده الإسلام. اختاره أبو جعفر بن جرير في تفسيره وقرره ونصره، والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالإحصان ههنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول - سبحانه وتعالى -: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ... } الآية، فالسياق كله في الفتيات المؤمنات فتعين أن المراد بقوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ} أي: تزوجن، كما فسره ابن عباس ومن تبعه، وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرًا، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك.
(الجواب الأول): فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم.
وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء، فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي - رضي الله عنه - أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لنبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أحسنت أتركها حتى تماثل" ¬صحيح مسلم، الحدود، باب تأخير الحد عن النفساء (ح 1705)، والذي بعده.¥، وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه: "فإذا تعالت من نفاسها ¬كذا في (ح) و (حم) و (مح) وفي الأصل: "عن نفاسها". ومعنى تعالت: أي: طهرت (النهاية 3/ 293).¥ فاجلدها خمسين" ¬أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن علي (المسند 2/ 354 ح 1142)، وقال محققوه: صحيح لغيره.¥، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها؛ فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية، فليجلدها الحد، ولا يثرب ¬أي لا يوبخ بعد الضرب (النهاية 1/ 209).¥ عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها؛ فليبعها ولو بحبل من شعر" أخرجاه ¬صحيح البخاري، الحدود، باب لا يثرب على الأمة إذا زنت (ح 6839)، وصحيح مسلم، الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى (ح 1703).¥، ولمسلم: "إذا زنت ثلاثًا فليبعها في الرابعة" ¬المصدر السابق بعد 1703 بحديث.¥، وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا ¬أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الحدود، باب ما جاء في حد الزنا 2/ 827)، وسنده صحيح.¥.
(الجواب الثاني): جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حدّ عليها، وإنما تضرب تأديبًا وهو المحكي عن ابن عباس - رضي الله عنه -. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم فقدم على العموم عندهم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: "إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير". قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة وأخرجاه في الصحيحين ¬تقدم تخريجه قبل حاشيتين.¥. وعند مسلم قال ابن شهاب: الضفير الحبل. قالوا: فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات من العذاب، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك، - والله أعلم - وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس على أمة حد حتى تحصن - أو حتى تزوج - فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات" ¬أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح 616)، والصحيح وقفه على ابن عباس، وأخرجه البيهقي من طريقه به وقال: رفعه خطأ والوقف أصح (السنن الكبرى 8/ 243)، وكذا قال ابن خزيمة كما سيأتي في روايته.¥ وقد رواه ابن خزيمة عن عبد الله بن عمران العابدي، عن سفيان به مرفوعًا، وقال: رفعه خطأ إنما هو من قول ابن عباس. وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران وقال مثل ما قاله ابن خزيمة. قالوا: وحديث علي وعمر قضايا أعيان، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة:
(أحدها): أن ذلك محمول على الأمة المزوجة جمعًا بينه وبين هذا الحديث.
(الثاني): أن لفظة الحد في قوله: "فليجلدها الحد" مقحمة من بعض الرواة بدليل.
(الجواب الثالث): وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد، وأيضًا فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد بن تميم، عن عمه - وكان قد شهد بدرًا - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير" ¬السنن الكبرى، الرجم، باب حد الزاني البكر (ح 7238).¥.
(الرابع): أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق [لفظة] ¬زيادة من (ح) و (حم) و (مح).¥ الحد في الحديث على الجلد، لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد، أو أنه أطلق لفظة الحد على التأديب، كما أطلق الحد على ضرب [من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ، وعلى جلد] ¬زيادة من (ح) و (حم) و (مح).¥ من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة، وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه كأحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة. ورجم الثيب أو اللائط، والله أعلم.
وقد روى ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما قال الحافظ ابن كثير.¥، وهذا إسناد صحيح عنه، ومذهب غريب إن أراد أنها لا تضرب الأمة أصلًا لا حدًا، وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث، وإن أراد أنها لا تضرب حدًا، ولا ينفي ضربها تأديبًا فهو كقول ابن عباس - رضي الله عنه - ومن تبعه في ذلك، والله أعلم.
(الجواب الثالث): أن الآية دلّت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة، فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة، كقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وكحديث عبادة بن الصامت: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة" ¬صحيح مسلم، الحدود، باب حد الزنى (ح 1690).¥، والحديث في صحيح مسلم وغير ذلك من الأحاديث. وهذا القول هو المشهور عن داود بن علي الظاهري وهو في غاية الضعف، لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب، وهو خمسون جلدة، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال؟ وهذا الشارع - عليه السلام - سأله أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: "اجلدوها"، ولم يقل: مائة، فلو كان حكمها كما زعم داود لوجب بيان ذلك لهم، لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء بعد نزول بيان حكم جلد الأمة وإلا فما الفائدة في قولهم: ولم تحصن لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لكن لما علموا حكم أحد الحكمين سألوا عن حكم الآخر فبينه لهم، كما في الصحيحين أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه فذكرها لهم، ثم قال: "والسلام ما قد علمتم"، وفي لفظ: لما أنزل الله قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ .. وذكر الحديث ¬صحيح مسلم، الصلاة، باب، الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التشهد (ح 405).¥. وهكذا هذا ¬كذا في (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "هو".¥ السؤال.
(الجواب الرابع): عن مفهوم الآية جواب أبي ثور فإن مذهبه ما هو أغرب من قول داود من وجوه، وذلك أنه يقول: فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات، أي: المزوجات وهو الرجم، وهو لا ينصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت، وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين، فأخطأ في فهم الآية وخالف الجمهور في الحكم، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي - رحمه الله -: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا، وذلك لأن الآية دلّت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض لتزويج غيره، وقوله: {نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم، والله أعلم. وقد روى أحمد نصًا في رد مذهب أبي ثور من رواية الحسن بن سعد عن أبيه: أن صفيّة كانت قد زنت برجل من الخمس، فولدت غلامًا، فادعاه الزاني، فاختصما إلى عثمان بن عفان فرفعهما إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: أقضي فيهما بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، وجلدهما خمسين خمسين ¬أخرجه الإمام أحمد من طريق الحجاج بن أرطأة عن الحسن بن سعد عن أبيه أن يُحنَّس وصفية كانا من سبي الخمس، فزنت صفية برجل ... (المسند 2/ 191 ح 820)، وضعفه محققوه.¥، وقيل: بل المراد من المفهوم التنبيه بالأعلى على الأدنى؛ أي: إن الإماء على النصف من الحرائر في الحد وإن كن محصنات وليس عليهن رجم أصلًا لا قبل النكاح ولا بعده، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة، قال ذلك صاحب الإفصاح ¬كذا في (ح) و (حم) و (مح)، وفي الأصل: "الإيضاح". وهو تصحيف.¥، وذكر هذا عن الشافعي فيما رواه ابن عبد الحكم عنه، وقد ذكره البيهقي في كتاب السنن والآثار ¬معرفة السنن والآثار 6/ 365.¥، وهو بعيد من لفظ الآية، لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية لا من سواها فكيف يفهم منها التنصيف فيما عداها وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه وهو قول في مذهب أحمد - رحمه الله -، فأما قبل الإحصان فله ذلك، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة، وهذا أيضًا بعيد لأنه ليس في لفظ الآية ما يدل عليه، ولولا هذه لم ندر ما حكم الإماء في التنصيف، ولوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحد مائة، أو رجمهن كما ثبت في الدليل عليه، وقد تقدم عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن، وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: "إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها" ¬تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية.¥، فتلخص في الأمة: أنها إذا زنت أقوال:
أحدها: تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده. وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: إنها تنفى ¬في الأصل: "لا تنفى" ولفظ لا مقحم.¥ عنه.
والثاني: لا تنفى عنه مطلقًا.
والثالث: أنها تنفى نصف سنة وهو نصف نفي الحرة، وهذا الخلاف في مذهب الشافعي، وأما أبو حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحد، وإنما هو رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء، وعند مالك أن النفي إنما هو على الرجال وأما النساء فلا، لأن ذلك مضاد لصيانتهن وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا النساء. نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه ¬صحيح البخاري، الحدود، باب البكران يجلدان وينفيان (ح 6833).¥، رواه البخاري وذلك مخصوص بالمعنى وهو أن المقصود من النفي الصون، وذلك مفقود في نفي النساء، والله أعلم.
والثاني: أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان وتضرب تأديبًا غير محدود بعدد محصور، وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها لا تضرب قبل الإحصان، وإن أراد نفيه فيكون مذهبًا بالتأويل وإلا فهو كالقول الثاني.
القول الآخر: أنها تجلد قبل الإحصان مائة، وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود.
وهو أضعف الأقوال: أنها تجلد قبل الإحصان خمسين، وترجم بعده، وهو قول أبي ثور وهو ضعيف أيضًا، والله - سبحانه وتعالى - أعلم بالصواب ¬بعد هذا النص ورد في الأصل نص بورقه كاملة مقحم من سورة المائدة، وسيذكر هناك إن شاء الله تعالى.¥.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ} أي: إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك كله، فله حينئذٍ أن يتزوج بالأمة، وإن ترك تزوجها وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها إلا أن يكون الزوج عربيًّا، فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال: {وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، ومن هذه الآية الكريمة استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لا بدّ من عدم الطول لنكاح الحرائر ومن خوف العنت لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الزنا ¬كذا في الأصل و (ح) و (حم)، وفي (مح) بلفظ: "الدناءة".¥ في العدول عن الحرائر إليهن، وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوجًا بحرة، جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضًا سواء كان واجدًا الطول حرة أُم لا، وسواء خاف العنت أم لا، وعمدتهم فيما ذهبوا إليه عموم قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] أي: العفائف وهو يعم الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة وهذه أيضًا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور.