تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القول في تأويل قوله تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)}.
يقول تعالى ذكره: أَوَ مَن يُنَبَّتُ [ويربَّى] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ في الحِلْيَةِ ويُزِيَّنُ بها، {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ}. يقولُ: وهو في مخاصمة من خاصمه عند الخصام غيرُ مبين مَن ¬في ص، م: "ومن ".¥ خصمه ببرهان وحجة، لعجزه وضعفه، جعلتموه جُزْءًا للَّهِ مِن خَلْقِه، وزعمتم أنه نصيبُه منهم؟! وفى الكلام متروكٌ استُغنى بدلالة ما ذُكر منه، وهو ما ذكرتُ.
واختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك الجوارى والنساءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}. قال: يعنى المرأة ¬ذكره القرطبي في تفسيره 16/ 71 بنحوه.¥.
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن مجاهدٍ، قال: رُخص للنساء في الحرير والذهب. وقرأ: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} ¬أخرجه ابن أبي شيبة 8/ 194 من طريق سفيان به.¥.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ}. قال: الجوارى، جعلتموهنَّ للرحمن ولدًا، كيف تحكمون ¬تفسير مجاهد ص 593، ومن طريقه الفريابى - كما في تغليق التعليق 4/ 306 - وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 15 إلى عبد بن حميد.¥؟!
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}. قال: الجوارى، يُسفِّهُهُنَّ بذلك، {غَيْرُ مُبِينٍ}. بضعفهنَّ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ}. يقولُ: جعلوا له البنات، وهم إذا بُشِّر أحدهم بهنَّ [ولى على] ¬في م: "ظل".¥ وجهه مُسودًّا وهو كظيمٌ. قال: وأما قوله: {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}. يقولُ: قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها ¬أخرجه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 195 عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6/ 15 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}. قال: النساء.
وقال آخرون: عُنى بذلك أوثانُهم التي كانوا يعبدونها مِن دونِ اللَّهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}. قال: هذه تماثيلُهم التي يضربونها من فضةٍ وذهبٍ يعبدونها، هم الذين أنشئوها، ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ}. قال: لا يتكلَّم. وقرأ: {فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} ¬ذكره الطوسى في التبيان 9/ 187 مختصرًا.¥ [يس: 77].
وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عُنى به الجوارى والنساءُ. لأن ذلك عقيب خبرِ اللَّهِ عن إضافة المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم من البنات، وقلَّةِ معرفتهم بحقِّه، ونحلتهم ¬في م، ت 1: "تحليتهم"، وفى ت 2، ت 3: "تحليهم"، وغير منقوطة في ص.¥ إياه من الصفاتِ والنِّحَلِ ¬في م: "البخل".¥، وهو خالقُهم ومالكُهم ورازقُهم، والمنعمُ عليهم النعم التي عدَّدها في أوَّلِ هذه السورة - ما لا يرضونه لأنفسهم؛ فإتباع ذلك من الكلام ما كان نظيرًا له، أشبه وأولى مِن إتباعه ما لم يَجْرِ له ذكرٌ.
واختلفت القرأَةُ في قراءةِ قوله: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ}؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ المدينة والبصرة وبعضُ المكيِّين والكوفيِّين: (أو مَنْ يَنشَأُ). بفتح الياء والتخفيف ¬هي قراءة ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبى عمرو، وابن عامر. السبعة لابن مجاهد ص 584.¥، من: نشَأ ينشَأُ. وقرأته عامة قرأة الكوفة: {يُنَشَّأُ}. بضمِّ الياء وتشديد الشين ¬هي قراءة حمزة والكسائى وحفص عن عاصم. المصدر السابق.¥، من: نَشَّأتُه فهو يُنشَّأُ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قرأَةِ الأمصار، متقاربتا المعنى؛ لأن المُنَشَّأ من الإنشاء ناشئٌ، والناشئُ مُنْشَأٌ، فبأيَّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ. وقد ذكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (أَوْ مَنْ لا يُنَشَّأُ إِلَّا فِي الْحِلْيَةِ) ¬ينظر مختصر الشواذ ص 135.¥.
وفى {مَنْ} وجوه من الإعراب؛ الرفعُ على الاستئناف به، والنصبُ على إضمار "يجعلون"؛ كأنه قيل: أو مَن يُنشَّأُ في الحليةِ يُجعلون بناتِ اللَّهِ؟ وقد يجوزُ النصبُ فيه أيضًا على الردّ على قوله: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ}. فيُردُّ {مَنْ} على البنات، والخفضُ على الردِّ على "ما" التي في قوله: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا}.