تفسير ابن كثير
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ
وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)}.
قال السدي في "تفسيره" ¬ومن طريقه: أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (339).¥، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الطيب (الهمداني) ¬من (ز) و (ن).¥، عن ابن مسعود، وعن أنس من أصحاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)} (قال: هم المنافقون) ¬من (ن) وحدها، وهو الموافق لما في "تفسير الطبري". [وسنده ضعيف].¥.
أما {لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} قال: الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية.
وقال أبو جعفر ¬أخرجه ابن جرير (340)؛ وابن أبي حاتم (121) من طريقين عن أبي جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية. [وسنده جيد].¥، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} قال: يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنَّهُ من عصى الله في الأرض، (أو) ¬في (ج) و (ل): "و".¥ (بمعصية الله) ¬في (ن): "بمعصيته".¥، فقد أفسد في الأرض لأنَّ صلاح الأرض والسماء بالطاعة.
وهكذا ¬ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" (122).¥ قال الربيع بن أنس، وقتادة.
وقال ابن ¬أخرجه ابن جرير (342).¥ جريج، عن مجاهد: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ} قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن (على الهدى) ¬ساقط من (ج)، ووقع في (هـ): "مصلحون على الهدى" وأشار الناسخ إلى أنه وقع تقديم وتأخير في الكلام.¥ مصلحون.
و (قد) ¬ساقط من (ن).¥ قال وكيع، وعيسى بن يونس، وعثام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن سلمان الفارسي ¬أخرجه ابن جرير (337)؛ وابن أبي حاتم (123) من طريق ثلاثتهم عن الأعمش به وسنده ضعيف لضعف عباد بن عبد الله ولكن تابعه زيد بن وهب وغيره عن سلمان الفارسي مثله.
أخرجه ابن جرير (338) من طريق عبد الرحمن بن شريك، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حدثني الأعمش، عن زيد بن وهب. وسنده ضعيف أيضًا وعبد الرحمن بن شريك وثقه ابن حبان ولكن وهاه أبو حاتم الرازي، وأبوه شريك النخعي سيء الحفظ وانضمام أحد السندين إلى آخر يشعر أن للكلام أصلًا. والله أعلم.¥: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)} قال سلمان: لم يجئ أهل هذه (الآية) ¬في (ك): "الأمة"!¥ بعد.
وقال ابن جرير ¬في "تفسيره" (338).¥: حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلمان (الفارسي) ¬ساقط من (ن).¥ في هذه الآية، قال: ما جاء هؤلاء.
قال ابن جرير: يحتمل أن سلمان (- رضي الله عنه -) ¬من (ن).¥ أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادًا من الذين كانوا في زمن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد.
قال ابن جرير ¬في "تفسيره" (1/ 289، 290).¥: فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد (عملًا) ¬كذا في كل "الأصول" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"، ووقع في (ز): "عمل" بالرفع، على اعتبار أن الفعل مبني لما لم يسم فاعله.¥ إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب باللّه وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا؛ فذلك إفساد المنافقين في (الأرض) ¬في "الطبري": "أرض الله".¥، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها.
وهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء؛ كما قال تعالى: ({وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)} [الأنفال: 73] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)} [النساء: 144].
ثم قال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145)} [النساء] فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكان الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنَّهُ هو الذي غرَّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له؛ ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على (حاله الأول) ¬في (ز) و (هـ): "حالته الأولى".¥ لكان شره أخف، ولو أخلص العمل للّه وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح؛ ولهذا قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)} أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين؛ ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء؛ كما قال محمد ¬أخرجه ابن إسحاق ومن طريقه: ابن جرير (341)؛ وابن أبي حاتم (124). [وسنده حسن].¥ بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)} أي: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب.