تفسير ابن كثير
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}.
قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من {إِيَّاكَ} وقرأ عمرو بن فايد بتخفيها مع الكسر، وهي قراءة شاذة (مرذولة) ¬كذا في (ج) و (ل) و (هـ) و (ى) ووقع في (ك) و (ن): "مردودة".¥؛ لأن "إيا" ضوء الشمس. وقرأ بعضهم أياك - بفتح الهمزة وتشديد الياء. وقرأ بعضهم هياك؛ فالهاء بدل الهمزة، كما قال الشاعر:
فهياك والأمر الذي إن تراحبت ¬في "تفسير القرطبي" (1/ 146): "توسعت".¥ ... موارده ضاقت عليك مصادره
و {نَسْتَعِينُ} بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب، والأعمش، فإنهما كسراها؛ وهي لغة بني أسد وربيعة وبنى تميم (وقيس) ¬من (ج) و (ل).¥] ¬ساقط من (ز).¥.
والعبادة في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد؛ أي: مذلل.
وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.
وقدم المفعول، وهو "إياك"، وكرر؛ للاهتمام والحصر؛ أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك؛ وهذا هو كمال الطاعة.
والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين.
وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن وسرها هذه الكلمة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-. وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالي: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123] {قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [الملك: 29] {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)} [المزمل] وكذلك هذه الآية الكريمة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}
وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو (مناسب) ¬في (ز) و (ع) و (ل) و (ن) و (هـ) و (ى): "مناسبة".¥؛ لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}.
وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه، كما جاء في "الصحيحين" ¬أخرجه البخاري (2/ 236، 237)؛ ومسلم (394/ 34) وقد مضى تخريجه.¥، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
وفي "صحيح مسلم" ¬(395/ 39) ومضى تخريجه.¥ من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل؛ إذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3)} قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)} قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} [الفاتحة] قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل".
وقال الضحاك ¬أخرجه ابن جرير (171، 172)؛ وابن أبي حاتم (27) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس. وسنده ضعيف جدًّا وتقدم مرارًا.¥، عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يعني: إياك نوحد ونخاف (ونرجو) ¬في (ن): "نرجوك".¥ يا ربنا لا غيرك، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على طاعتك، وعلى أمورنا كلها.
وقال قتادة ¬أخرجه ابن أبي حاتم (28) من طريق مطر الوراق عن قتادة. وسنده لا بأس به ومطر الوراق كان أكبر أصحاب قتادة كما قال أبو حاتم، وقال ابن معين: "صالح" وضعفه غيره وروايته عن عطاء ضعيفة.¥: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على أموركم.
وإنما قدم {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم، والله أعلم.
[فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)} فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام؟] ¬ساقط من (ز).¥.
[وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم؛ فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها، وتوسط لهم بخير.
ومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم، كأن العبد قيل له: إذا كنت داخل العبادة فأنت شريف وجاهك عريض؛ فقل: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}.
وإن كنت خارج العبادة فلا تقل: نحن، ولا فعلنا، ولو كنت في مائة ألف، أو ألف ألف، (لافتقار الجميع إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-) ¬وقع في (ن): "لاحتياج الجميع إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- وفقرهم إليه".¥.
ومنهم من قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ألطف في التواضع من "إياك (أعبد) ¬في (ن): "عبدنا".¥ "؛ لما في الثاني من (تعظيمه) ¬في (ن): "تعظيم".¥ نفسه من جعله نفسه وحده أهلًا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به؛ والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد، لانتسابه إلى جناب الله تعالى؛ كما قال بعضهم:] ¬ساقط من (ز).¥
[لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي
وقد سمى الله رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعبده في أشرف مقاماته؛ (فقال) ¬من (ن) و (هـ) و (ى).¥: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1] {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن: 19] {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1] فسماه: عبدًا عند إنزاله عليه، وقيامه في الدعوة، وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} [الحجر].
وقد حكى (فخر الدين) ¬ساقط من (ن).¥ (الرازي) ¬ساقط من (ج) و (ع) و (ك) و (ل) و (ن) و (هـ) و (ى)¥ في "تفسيره" ¬"تفسير الرازي" (1/ 254).¥ عن بعضهم أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة، لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من (الحق إلى الخلق) ¬ساقط من (هـ).¥؛ قال: ولأن الله (يتولى) ¬في (ج) و (ل): "متولى".¥ مصالح عبده، والرسول (يتولى) ¬في (ج) و (ل): "متولى".¥ مصالح (أمته) ¬في (هـ) و (ى): "العبد" وهو سبق قلم.¥.
وهذا القول خطأ، والتوجيه أيضًا ضعيف لا حاصل له، ولم يتعرض] ¬ساقط من (ز).¥ [له (فخر الدين) ¬ساقط من (ن).¥] ¬ساقط من (ز).¥
[(الرازي) ¬ساقط من (ج) و (ع) و (ك) و (ل) و (ن) و (هـ) و (ى).¥ بتضعيف ولا رد.
وقال بعض الصوفية: العبادة إما لتحصيل ثواب (ورد) ¬في (ن) و (ى): "أو درء".¥ عقاب؛ قالوا: وهذا ليس بطائل؛ (إذ مقصوده تحصيل مقصوده) ¬كذا في (ج) و (ل) و (ن) ووقع في (ك): "إذ يحصل مقصوده"، ووقع في (هـ) و (ى): "إذ تحصيله تحصيل مقصوده".¥ وإما (للتشرف) ¬في (ن) و (ك): "للتشريف".¥ بتكاليف الله تعالى؛ وهذا أيضًا عندهم ضعيف؛ بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال؛ قالوا: ولهذا يقول المصلي: أصلي لله، ولو كان لتحصيل الثواب (ودرء العذاب) ¬كذا في (ج) و (ل) و (ى) وفي (هـ): "درء عقاب" وفي (ن): "درء العقاب" وفي (ك): "رد العذاب".¥ لبطلت (صلاته) ¬في (ن): "الصلاة".¥.
وقد رد ذلك عليهم آخرون، وقالوا: كون العبادة لله -عَزَّ وَجَلَّ- لا ينافي أن يطلب معها ثوابًا، ولا أن يدفع عذابًا، كما قال ذلك الأعرابي: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ؛ إنما أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار؛ فقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "حولها ندندن" ¬أخرجه ابن ماجه (910، 3847)؛ وابن خزيمة (725)؛ وابن حبان (514) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لرجل: "ما تقول في الصلاة؟ " قال: أتشهد ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. . .الحديث. وإسناده صحيح، وصححه النووي والبوصيري في "الزوائد" ولكن خولف جرير بن عبد الحميد، خالفه زائدة بن قدامه، فرواه عن الأعمش، عن أبي صالح عن بعض أصحاب النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. . .فذكره، أخرجه أحمد (3/ 474)؛ وأبو داود (792)، ويمكن حمل إحدى الروايتين على الأخرى مع أن رواية زائدة أشبه، والحديث صحيح على كل حال، فقد أخرجه أبو داود (793)؛ وابن خزيمة (1633، 1634)؛ والبغوي في "شرح السنة" (3/ 74)؛ والبيهقي (3/ 116، 117) بسند جيد. من حديث جابر وأصلحه في "الصحيحين" من وجه آخر. وأخرجه أحمد (5/ 74) عن رجل من بني سلمة يقال له: سليم فذكر نحوه. ورجاله ثقات.¥] ¬ساقط من (ز).¥.