تفسير ابن كثير
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)}.
يقول تعالى: لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجرامًا {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} وتقوَّل على الله، وزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرمًا ولا أعظم ظلمًا من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء؟ فإن من قال هذه المقالة صادقًا أو كاذبًا فلابد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس، فإن الفرق بين محمد - صلى الله عليه وسلم - وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى وبين نصف الليل في حندس الظلماء، فمن شيم كل منهما وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وكذب مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي. قال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة انجفل ¬أي ذهبوا مسرعين نحوه - صلى الله عليه وسلم - (النهاية 1/ 279).¥ الناس فكنت فيمن انجفل، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب. قال: فكان أول ما سمعته يقول: "يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام" ¬أخرجه الترمذي وصححه (السنن، صفة القيامة باب أفشوا السلام وأطعموا الطعام ... ح 2487)، وابن ماجه (السنن، إقامة الصلاة، باب ما جاء في قيام الليل ح 1334)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح 1097)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 3/ 13).¥. ولما وفد ضمام بن ثعلبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله فيما قال له: من رفع هذه السماء؟ قال: "الله". قال: ومن نصب هذه الجبال؟ قال: "الله". قال: ومن سطح هذه الأرض؟ قال: "الله". قال: فبالذي رفع هذه السماء، ونصب هذه الجبال، وسطح هذه الأرض ألله أرسلك إلى الناس كلهم؟ قال: "اللَّهم نعم". ثم سأله عن الصلاة والزكاة والحج والصيام ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين، ويحلف له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: صدقت والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص ¬أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك ولم يسم ضمام بن ثعلبة، وإنما قال: رجل من البادية (الصحيح، الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام ح 12).¥. فاكتفى هذا الرجل بمجرد هذا، وقد أيقن بصدقه صلوات الله وسلامه عليه بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه. وقال حسان بن ثابت:
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر
وأما مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر علم أمره لا محالة بأقواله الركيكة التي ليست بفصيحة، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة، وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة، وكم من فرق بين قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)} [البقرة]، وبين عُلاك ¬العُلاك: ما يُعلك ويُمضغ.¥ مسيلمة -قبّحه الله ولعنه-: يا ضفدع بنت ضفدعين نقي كما تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين!
وقوله -قبّحه الله-: لقد أنعم الله على الحبلى إذ أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحَشى ¬الصفاق: الجلد الأسفل تحت الجلد الذي عليه الشعر، والحَسنى: ما دون الحجاب مما في البطن كله، من الكبد والطحال والكرش.¥!
وقوله خلده الله في نار جهنم -وقد فعل-: الفيل وما أدراك ما الفيل، له خرطوم طويل! وقوله -أبعده الله عن رحمته-: والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا، واللاقمات لقمًا إهالة وسمنًا إن قريشًا قوم يعتدون .. ! إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات التي يأنف الصبيان أن يتلفظوا بها إلا على وجه السخرية والاستهزاء. ولهذا أرغم الله أنفه، وشرب يوم حديقة الموت ¬الحديقة: اسم لبستان كان بأرض اليمامة، فيها قتل مسيلمة الكذاب، وأصحابه يسمونها حديقة الموت (مراصد الإطلاع 1/ 387).¥ حتفه، ومزق شمله، ولعنه صحبه وأهله، وقدموا على الصدّيق تائبين، وجاؤوا في دين الله راغبين، فسألهم الصديق خليفة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنه أن يقرأوا عليه شيئًا من قرآن مسيلمة لعنه الله، فسألوه أن يعفيهم من ذلك، فأبى عليهم إلا أن يقرأوا شيئًا منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم، فقرأوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه، فلما فرغوا قال لهم الصديق - رضي الله عنه -: ويحكم أين كان يذهب بعقولكم؟ والله إن هذا لم يخرج من إل ¬أي من ربوبية، أو عهد (ينظر: النهاية 1/ 61).¥ ¬ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (6/ 359).¥.
وذكروا أن عمرو بن العاص وفَدَ على مسيلمة، وكان صديقًا له في الجاهلية، وكان عمرو لم يسلم بعد فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو! ماذا أنزل على صاحبكم؟ يعني: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه المدة فقال: لقد سمعت أصحابه يقرأون سورة عظيمة قصيرة فقال: وما هي؟ فقال: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) ... } [العصر] إلى آخر السورة. ففكر مسيلمة ساعة ثم قال: وأنا قد أُنزل عليَّ مثله فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر، كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب ¬ذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (6/ 359).¥.
فإذا كان هذا من مشرك في حال شركه لم يشتبه عليه حال محمد - صلى الله عليه وسلم - وصدقه وحال مسيلمة لعنه الله وكذبه. فكيف بأولي البصائر والنهى وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجى؟ ولهذا قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [الأنعام: 93]، وقال في هذه الآية الكريمة: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)}، وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل وقامت عليه الحجج، لا أحد أظلم منه كما في الحديث: "أعتى الناس على الله رجل قتل نبيًا أو قتله نبي" ¬أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - (المسند 6/ 412 ح 3868)، وحسن سنده محققوه. وجوده الألباني في السلسلة الصحيحة 1/ 281.¥.