تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)}.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ: يا نوحُ، إن الذي غرَّقتُه فأهلكتُه، الذي تذكُرُ أنه مِن أهلِك، ليس مِن أهلِك.
واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}، فقال بعضُهم: معناه: ليس مِن ولدِك، هو مِن غيرِك. وقالوا: كان ذلك مِن حِنثٍ ¬الحنث: الإثم، وأولاد الحنث: أولاد الزنى. تاج العروس (ح ن ث).¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}. قال: لم يكن ابنَه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2039 من طريق هشيم به. وفيه: "أبيه" بدل "ابنه".¥.
حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}. قال: ابنَ امرأتِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2034 من طريق إسرائيل عن جابر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 334 إلى أبي الشيخ وابن المنذر.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أصحابِه ¬في م: "أصحاب".¥، ابنُ أبي عَروبةَ فيهم، [عن] ¬سقط من النسخ. وما أثبتناه هو الصواب. فابن علية يروي عن ابن أبي عروبة، وهو يروي عن الحسن. ينظر تهذيب الكمال 11/ 5.¥ الحسنِ، قال ¬في ص، ت 1، س، ف: "قالا". وبعده في م: "لا".¥: واللهِ ما هو بابنِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2034 من طريق قتادة عن الحسن بلفظ: ليس بابنه.¥.
قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}. قال: هذه بلغةِ طَيِّئٍ ¬بعده في ت 2: "على من".¥، لم يكنِ ابنَه، كان ابنَ امرأتِه (2).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عَوفٍ ومنصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}. قال: لم يكن ابنَه. وكان يقرؤُها: (إنه عمِل غيرَ صالحٍ) ¬وهي قراءة الكسائي وحده من السبعة، ينظر السبعة ص 334، وتنظر الحاشية (1) من ص 435.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ قال: كنتُ عندَ الحسنِ، فقال: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}: لعَمرُ اللهِ ما هو ابنَه. قال: قلتُ: يا أبا سعيدٍ، يقولُ اللَّهُ: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}، وتقولُ: ليس بابنِه؟! قال: أفرأيت قولَه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}؟ قال: قلتُ: إنه ليس مِن أهلِك الذين وعدتُك أن أُنَجِّيَهم معك، ولا يختلِفُ أهلُ الكتابِ أنه ابنُه. قال: إن أهلَ الكتابِ يَكذِبون ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 306.¥.
حدَّثنا بشرٌ: قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقرأُ هذه الآيةَ: (إنه ليس من أهْلِكَ إنه عَمِلَ غيرَ صالحٍ). فقال عندَ ذلك: واللهِ ما كان ابنَه ¬في ت 1، ت 2، س: "بابنه".¥. ثم قرَأ هذه الآيةَ: {فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم: 10]. قال سعيدٌ: فذكرتُ ذلك لقتادةَ، قال: ما كان يَنبغي له أن يَحلِفَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}. قال: تَبَيَّنَ لنوحٍ أنه ليس بابنِه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2040 من طريق ابن أبي نجيح به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 336 إلى أبي الشيخ.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}. قال: بيَّن اللهُ لنوحٍ أنه ليس بابنِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال ابنُ جريجٍ في قولِه: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}. قال: ناداه وهو يحسَبُه أنه ابنُه، وكان وُلِدَ على فراشِه.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُويرٍ ¬في م، ت 1: "ثور". وينظر تهذيب الكمال 2/ 515، 4/ 429.¥، عن أبي جعفرٍ: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}. قال: لو كان مِن أهلِه لنَجا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، سَمِعَ ¬في م: "وسمع".¥ عُبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: نَرى أن ما قَضى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "الولدُ للفِراشِ". [مِن أجلِ ابنِ نوحٍ] ¬في التمهيد: "نوح".¥ ¬أخرجه ابن عبد البر في التمهيد 8/ 194 من طريق سفيان بن عيينة به. وقال ابن حجر في الفتح 12/ 39: وجاء من مرسل عبيد بن عمير وهو أحد كبار التابعين، أخرجه ابن عبد البر بسند صحيح إليه.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ابنِ عَونٍ، عن الحسنِ، قال: لا واللهِ ما هو بابنِه.
وقال آخرون: معنى ذلك: ليس من أهلك الذين وعدتُك أن أُنجِّيَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي عامرٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}. قال: هو ابنُه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن الضحاكِ، قال: قال ابنُ عباسٍ: هو ابنُه، ما بَغتِ ¬في تفسير ابن أبي حاتم: "بعث".¥ امرأةُ نبيٍّ قطُّ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي عامرٍ الهمدانيِّ، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما بَغتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ، قال: وقولُه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}: الذين وعدتُك ¬في ف: "وعدتهم".¥ أن أُنجِّيَهم معك ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2034، 2039 عن الحسن بن يحيى به، وعبد الرزاق في تفسيره 1/ 310، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (17/ 663 - مخطوط) عن معمر به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 335 إلى الفريابي وابن المنذر وأبي الشيخ.¥.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ وغيرِه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو ابنُه، غيرَ أنه خالَفه في العملِ والنيةِ. قال عكرمةُ في بعضِ الحروفِ: (إنه عَمِلَ عملًا غيرَ صالحٍ)، والخيانةُ تكونُ على غيرِ بابٍ ¬قوله: "على غير باب". يريد أنها تكون من عدة وجوه، وليست خيانة الزنا فقط. والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 307 وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2034، 2039 عن الحسن بن يحيى عنه به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 333 إلى ابن المنذر وسعيد بن منصور.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان عكرمةُ يقولُ: كان ابنَه، ولكن كان مخالفًا له في النيةِ والعملِ، فمِن ثُمَّ قيل له: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ وابنُ عُيينةَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قَتَّةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يُسألُ - وهو إلى جنبِ الكعبةِ - عن قولِ اللهِ تعالى: {فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم: 10]. قال: أمَا إنه لم يكنْ بالزِّنى، ولكن كانت هذه تخبرُ الناسَ أنه مجنونٌ، وكانت هذه تَدُلُّ على الأضيافِ، ثم قرَأ: (إِنَّه عَمِل غيرَ صالحٍ) ¬تفسير الثوري ص 130، تفسير عبد الرزاق 1/ 310، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (1092 - تفسير) مختصرًا، والآجري في تحريم اللواط (11)، والحاكم 2/ 496 من طرق عن الثوري به.¥.
قال ابنُ عُيينةَ: وأخبَرني عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ أنه سأَل سعيدَ بنَ جبيرٍ عن ذلك، فقال: كان ابنَ نوحٍ، إن اللهَ لا يَكذِبُ، قال: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2034 معلقا.¥. قال: وقال بعضُ العلماءِ: ما فجَرتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ. قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عَمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال اللهُ وهو الصادقُ - وهو ابنُه: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سعيدٍ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما بَغَتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ.
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: سألتُ أبا بشرٍ عن قولِه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}. قال: ليس مِن أهلِ دينِك، وليس ممن وعدتُك أن أُنجِّيَهم ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "أنجيه منهم"، وفي سعيد بن منصور: "أنجيه معك". والأثر أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1090 - تفسير) عن هشيم به.¥.
قال يعقوبُ: قال: هشيمٌ: كان عامةُ ما كان يحدِّثُنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ.
[حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن يعقوبَ بنِ قيسٍ، قال: أتَى سعيدَ بنَ جبيرٍ] ¬سقط من: ص، ت 1، ت 2، س، ف.¥ رجلٌ فقال: يا أبا عبدِ اللهِ، الذي ذكَر اللهُ في كتابِه، ابنُ نوحٍ، ابنُه هو؟ قال: نعم واللهِ، إن نبيَّ اللَّهِ أمَره أن يَركبَ معه في السفينة فعصَى، فقال: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ}. قال: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}؛ لمعصيةِ ¬في ص، ت 1، س، ف: "لمعصيته".¥ نبيِّ اللهِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2039 من طريق يعقوب بن قيس به بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 336 إلى سعيد بن جبير دون القصة.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه جاء إليه رجلٌ فسأَله، فقال: أرأيتَك ابنَ نوحٍ، ابنُه؟ فسبَّحَ طويلًا، ثم قال: لا إله إلا اللهُ، [يحدِّثُ اللهُ محمدًا] ¬سقط من: ت 1، ت 2.¥: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}، وتقولُ: ليس منه! ولكن خالَفه في العملِ، فليس منه مَن لم يؤمِنْ.
حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي هارونَ الغَنَويِّ، عن عكرمةَ في قولِه: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}. قال: أشهدُ أنه ابنُه، قال اللهُ: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2034 معلقا.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، قالا: هو ابنُه.
حدَّثني فضَالةُ بنُ الفضلِ ¬في س: "الفضيل".¥ الكوفيُّ، قال: قال بَزِيعٌ: سأل رجلٌ الضحاكَ عن ابنِ نوحٍ، فقال: ألَا تَعجَبون إلى هذا الأحمقِ، يسألُني عن ابنِ نوحٍ، وهو ابنُ نوحٍ، كما قال اللهُ: قال نوحٌ لابنِه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ أنه قرأ: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}، وقولَه: {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}. قال: يقولُ ¬بعده في م: "ليس هو من أهلك، قال: يقول".¥: ليس هو مِن أهل ولايتِك، ولا ممن وعدتُك أن أنجِّيَ مِن أهلِك، {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. قال: يقولُ: كان عملُه في شركٍ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 2039 من طريق آخر عن الضحاك بنحوه.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: هو والله ابنُه لصُلبِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}. قال: ليس مِن أهلِ دينِك، ولا ممن وعدتُك أن أنجِّيَه. وكان ابنَه لصُلبِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}. يقولُ: ليس ممن وَعَدناه النجاةَ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}. يقولُ: ليس مِن أهلِ ولايتِك، ولا ممن وَعَدتُك أن أُنجِّيَ مِن أهلِك، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ
صَالِحٍ} ¬بعده في م: "يقول".¥: كان عملُه في شركٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 336 إلى أبي الشيخ.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حيَّانَ، عن جعفرِ بنِ بُرقانَ، عن ميمونٍ وثابتِ بنِ الحجاجِ، قالا: هو ابنُه، وُلِدَ على فراشِه.
وأولى القولين في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: إنه ليس مِن أهلِك الذين وعدتُك أن أُنجِّيَهم، لأنه كان لدينِك مُخالفًا وبي كافرًا، وكان ابنَه لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد أخبَر نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أنه ابنُه، فقال: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ}. وغيرُ جائزٍ أن يخبرَ أنه ابنُه، فيكونَ بخلافِ ما أخبَر. وليس في قولِه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} دَلالةٌ على أنه ليس بابنِه، إذ كان قولُه: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} محتملًا مِن المعنى ما ذكَرنا، ومحتملًا أنه ليس من أهل دينِك، ثم يحذفُ الدينُ، فيقالُ: إنه ليس مِن أهلِك، كما قيل: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82].
وأما قولُه: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. فإن القرأةَ اختلفت في قراءتِه؛ فقرأته عامةُ قرَأةِ الأمصارِ: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} بتنوينِ {عَمَلٌ}، ورفعِ {غَيْرُ} ¬هذه قراءة السبعة غير الكسائي.¥؛ واختلَف الذين قَرءوا ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: إن مسألتَك إياي هذه عملٌ غيرُ صالحٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. قال: إن مسألتَك إياي هذه، عملٌ غيرُ صالحٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} أي: سوءٌ، {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 310 عن معمر به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (1093 - تفسير) من طريق آخر عن قتادة.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. يقولُ: سؤالُك عما ليس لك به علمٌ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 336 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن حمزةَ الزياتِ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ قولَه: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. قال: سؤالُك إياي عملٌ غيرُ صالحٍ، {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}.
وقال آخرون: بل معناه: إن الذي ذكرتَ أنه ابنُك، فسألتَني أن أُنَجِّيَه، عملٌ غيرُ صالحٍ؛ أي: إنه لغيرِ رِشدةٍ. وقالوا: الهاءُ في قولِه: {إِنَّهُ} عائدةٌ على الابنِ ¬في ص، ت 1، ت 2، س، ف: "الأثر".¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ أنه قرأ: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. قال: ما هو واللهِ بابنِه ¬ينظر ما تقدم في ص 426، 428.¥.
ورُوِي عن ¬بعده في ف: "حماد عن".¥ جماعةٍ مِن السلفِ أنهم قَرَءوا ذلك: (إنَّهُ عَمِلَ غيرَ صالحٍ)، على وجهِ الخبرِ عن الفعلِ الماضي، و (غيرَ) منصوبةٌ ¬هي قراءة الكسائي. ينظر السبعة ص 334.¥. وممن رُوِي عنه أنه قرَأَ ذلك كذلك ابنُ عباسٍ ¬البحر المحيط 5/ 229، وهي قراءة علي وأنس وعائشة. وهي في مصحف ابن مسعود، وقرأ بها أيضًا يعقوب. ينظر النشر 2/ 217.¥.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قتَّةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ: (عمِلَ غيرَ صالحٍ).
ووجَّهوا تأويلَ ذلك إلى ما حدَّثنا به ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُندَرٌ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: (إِنَّه عَمِلَ غيرَ صالحٍ). قال: كان مخالفًا له في النيةِ والعملِ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (1094 - تفسير) من طريق ابن أبي عروبة به. وينظر ما تقدم ص 429.¥.
ولا نعلمُ هذه القراءةَ قرَأ بها أحدٌ مِن قرَأةِ الأمصارِ إلا بعضَ المتأخرين، واعتَلَّ في ذلك بخبرٍ رُوِي عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنه قرَأ ذلك كذلك - غيرِ صحيحِ السندِ، وذلك حديثٌ رُوِيَ عن شهرِ بنِ حوشَبٍ؛ فمرةً يقولُ: عن أمِّ سلمةَ. ومرةً يقولُ: عن أسماءَ بنتِ يزيدَ. ولا نعلمُ [أيَّةَ يُريدُ] ¬في ص، ت 2، ف: "ابنة يزيد"، وفي م: "لبنت يزيد"، وفي س: "ابنت يريد".¥، ولا نعلمُ لشَهرٍ سماعًا يَصحُّ عن أمِّ سلَمَةَ ¬هذه قراءة سبعية، قرأ بها الكسائي ورويت عن ابن عباس وعائشة، وهي قراءة علي وأنس، وقرأ بها يعقوب الحضرمي. وأما الخبر الذي روي عن أم المؤمنين أم سلمة؛ فقد أخرجه الطيالسي (1699) وأحمد (6/ 294، 309 - الميمنية)، وأبو داود (3983)، والترمذي (2931، 2932)، من طرق عن شهر عن أم سلمة. وأخرجه الطيالسي أيضًا (1736)، وأحمد (6/ 454، 459، 460 - الميمنية)، وأبو داود (3982) من طرق عن حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر عن أسماء بنت يزيد الأنصارية. وشهر يروي أحاديث يتفرد بها لم يشركه فيها أحد. ينظر تهذيب الكمال 12/ 586، والتعليق على مسند الطيالسي 3/ 173، 200.¥.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ¬القراءتان المتقدمتان كلتاهما صواب.¥ ما عليه قرَأةُ الأمصارِ؛ وذلك رفعُ {عَمَلٌ} بالتنوينِ، ورفعُ {غَيْرُ}، بمعنى: إن سؤالَك إيَّاي ما تَسألنيه في ابنِك - المُخالفِ دينَك، المُوالي أهلَ الشركِ بي؛ مِن النجاةِ مِن الهلاكِ، وقد مَضَتْ إجابتي إياك في دعائِك: {لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، ما قد مضَى، مِن غيرِ استثناءِ أحدٍ منهم - عملٌ غيرُ صالحٍ؛ لأنه مسألةٌ منك إليَّ أن لا أفعلَ ما قد تقدَّمَ مني القولُ بأني أفعله في إجابتي مسألتَك إياي فِعْلَه. فذلك هو العملُ غيرُ الصالحِ.
وقولُه: {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}. نهيٌ من اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه نوحًا أن يسألَه عن أسبابِ أفعالِه التي قد طَوَى علمَها عنه وعن غيرِه مِن البشرِ. يقولُ له تعالى ذكرُه: إني يا نوحُ قد أخبرتُك عن سؤالِك سببَ إهلاكي ابنَك الذي أهلكتُه، فلا تَسألنِ بعدَها عما ¬في ص، ت 1، ت 2، س: "عمل".¥ قد طوَيتُ علمَه عنك مِن أسبابِ أفعالي، وليس لك به علمٌ: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [في مسألتِك إياي عن ذلك.
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في قولِه: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}] ¬سقط من: ت 1، س، ف.¥ ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}: أن تبلُغَ الجهالةُ بك أن لا أَفِيَ لك بوعدٍ وعدتُك، حتى تسألَني ما ليس لك به علمٌ، {وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 3/ 336 إلى أبي الشيخ.¥.
واختلفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}.
فقرأ ذلك عامةُ قرَأَةِ الأمصارِ: {فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} بكسرِ النونِ وتخفيفِها ¬هي قراءة أبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي. السبعة ص 335.¥، ونَحَوْا بكسرِها إلى الدَّلالةِ على الياءِ التي هي كنايةُ اسمِ اللهِ: فلا تسألْني ¬في ص، م، ت 1، س، ف: "تسألن".¥.
وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين، وبعضُ أهلِ الشامِ: (فلا تسألَنَّ) بتشديدِ النونِ وفتحِها ¬هي قراءة ابن كثير وقرأ نافع وابن عامر بفتح اللام وكسر النون والتشديد. السبعة ص 335.¥، بمعنى: فلا تَسألنَّ يا نوحُ ما ليس لك به علمٌ.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا، تخفيفُ النونِ وكسرُها؛ لأن ذلك هو الفصيحُ مِن كلامِ العربِ، المستعملُ بينَهم ¬القراءتان كلتاهما صواب.¥.