تفسير ابن كثير
{أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)}.
قال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم، فأنزل الله هذه الآية، رواه البخاري من طريق ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، أن ابن عباس قرأ: "ألا إنهم تثنوني صدورهم" فقلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: الرجل كان يجامع امرأته فيستحي أو يتخلى، فيستحي فنزلت: (ألا إنهم تثنوني صدورهم) ¬أخرجه البخاري بسنده ومتنه بالقراءة الشاذة التفسيرية (صحيح البخاري، التفسير، باب {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ. . .} [هود: 5] ح 4681) قال الحافظ ابن حجر: عن قراءة "تثنوني" على وزن تفعوعل (الفتح 8/ 350).¥. وفي لفظ آخر له قال ابن عباس: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزل ذلك فيهم ¬المصدر السابق (ح 4682).¥. ثم قال: حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، قال قرأ ابن عباس: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ} ¬المصدر السابق (ح 4683).¥. قال البخاري: وقال غيره عن ابن عباس: {يَسْتَغْشُونَ} يغطون رؤوسهم ¬المصدر السابق.¥. وقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الآية: يعني به: الشك في الله وعمل السيئات ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق معمر قال: أُخبرت عن عكرمة عن ابن عباس، ورجاله ثقات لكن سنده منقطع بين معمر وعكرمة، ويشهد له ما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.¥. وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهم؛ أي: أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئًا أو عملوه، فيظنون أنهم يستخفون من الله بذلك، فأخبرهم الله تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل ¬قول مجاهد تقدم في سابقه بنحو قول ابن عباس، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عنه.¥. {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} من القول: {وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: يعلم ما تكنّ صدورهم من النيات والضمائر والسرائر، وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى فمهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم ¬ديوان زهير بن أبي سلمى ص 18.¥ فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة. وقال عبد الله بن شداد: كان أحدهم إذا مرَّ برسول الله ثنى عنه صدره وغطى رأسه فأنزل الله ذلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حصين بن عبد الرحمن السلمي عن عبد الله بن شدأ، لكنه مرسل لم يرو من طريق آخر.¥. وعود الضمير إلى (الله) أولى لقوله: {أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} وقرأ [ابن عباس] ¬كذا في (حم) و (مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "ابن مسعود".¥: ألا إنهم تثنوني صدورُهم ¬قراءة: (تثنوني صدُورهم). شاذة تفسيرية.¥، برفع ¬أخرجه البخاري كما تقدم تخريجه من بداية تفسير الآية، ولكن يبقى حكم القراءة شاذة تفسيرية لا يُقرأ بها.¥ الصدور على الفاعلية، وهو قريب المعنى.