تفسير ابن كثير
مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4)}
من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يُزَين له الفواحش، ولا يألوه جهدًا في الخبال. والمعصوم من عَصَم الله، وقد ثبت في الصحيح أنه: "ما منكم من أحد إلا قد وُكِل به قرينه". قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" ¬أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- (الصحيح، صفات المنافقين، باب تحريش الشيطان ح 2814).¥.
وثبت في الصحيح، عن أنس في قصة زيارة صفية النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو معتكف، وخروجه معها ليلًا ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أسرعا، فقال رسول الله: "على رسلكما، إنها صفية بنت حُيي". فقالا: سبحان الله، يا رسول الله. فقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا، أو قال: شرًّا" ¬أخرجه الشيخان من حديث صفية بنت حُييِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-. (صحيح البخاري، الأدب، باب التكبير والتسبيح عند التعجب ح 6219)؛ وصحيح مسلم، السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رؤي خاليًا بامرأة .. أن يقول هذه فلانة (ح 2175).¥.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن بحر، حدثنا عدي بن أبي عمَارة، حدثنا زياد النّميري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر خَنَس، وإن نسي الْتقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس" ¬أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه. (المسند 7/ 278 ح 4301) وسنده ضعيف لضعف عدي وزياد. (فتح الباري 8/ 742 ومجمع الزوائد 7/ 152).¥. غريب.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم، سمعت أبا تميمة يُحَدث عن رَديف رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: عَثَر بالنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حمارهُ، فقلت: تَعِس الشيطان. فقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظَم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب" ¬تقدم تفسيره في بداية سورة الفاتحة.¥.
تفرد به أحمد، إسناده جيد قوي، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغُلِب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إن أحدكم إذا كان في المسجد، جاءه الشيطان فأبسَّ ¬التلطف بالدابة بأن يقول لها: بس بس تسكينًا لها. قاله السندي في حاشية المسند.¥ به كما يُبَس الرجل بدابته، فإذا سكن له زنقه - أو: ألجمه". قال أبو هُرَيرة: وأنتم ترون ذلك، أما المزنوق فتراه مائلًا -كذا- لا يذكر الله، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله -عَزَّ وَجَلَّ- ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: إسناده قوي. (المسند 14/ 105، 106 ح 8370).¥. تفرد به أحمد.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} قال: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خَنَس ¬أخرجه عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس والطبري والحاكم (المستدرك 2/ 541) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.¥. وكذا قال مجاهد، وقتادة ¬أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.¥.
وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: ذُكرَ لي أن الشيطان، أو: الوسواس ينفث في قلب ابن آدم عند الحزن وعند الفرح، فإذا ذكر الله خنس ¬أخرجه الطبري من طريق ابن ثور عن أبيه به وسواء كان عن والد ابن ثور أو والد معتمر بن سليمان فالسند ضعيف لجهالة المفسر.¥.
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: {الْوَسْوَاسِ} قال: هو الشيطان يأمر، فإذا أطيع خنس ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.¥.