تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ (*) في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)}.
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللهُ: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: واذكُرْ يا محمدُ إذ قال موسى بنُ عمرانَ لفَتاه يُوشَعَ بنِ نُونٍ -[وقيل ليوشعَ: فتى موسى؛ لملازمتِه إياه، وهو يوشعُ بنُ نونِ بنِ إفراييمَ بنِ يوسفَ بنِ يعقوبَ] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ف.¥ -: {لَا أَبْرَحُ}. يقولُ: لا أزالُ أسيرُ {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ}.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لَا أَبْرَحُ}. قال: لا أنتَهى ¬عزاه السيوطي فى الدر المنثور 4/ 235 إلى ابن أبي حاتم.¥.
وقيل: عنى بقوله: {مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ}: اجتماعَ بحرِ فارسَ والرومِ.
والمَجمعُ: مصدرٌ من قولِهم: جَمَع يجمَعُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ}: والبحران: بحرُ الرومِ وبحرُ فارسَ، وبحرُ الرومِ مما يلى المغربَ، وبحرُ فارسَ مما يلى المشرقَ ¬عزاه السيوطي فى الدر المنثور 4/ 235 إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ}. قال: بحرُ فارسَ وبحرُ الرومِ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 405.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: {مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ}. قال: بحرُ الروم وبحرُ فارسَ؛ أحدُهما قِبَلَ المشرقِ، والآخرُ قِبَلَ المغربِ ¬تفسير مجاهد ص 449.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: {مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ¬بعده في الأصل: "البحرين"، ولم يذكر المصنف المتن هنا اجتزاء بما ذكر قبله.¥}.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ الضُّرَيْسِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ ابنِ كعبٍ في قولِه: {لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ}. قال: طَنْجَةُ ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 170 عن محمد بن كعب، وعزاه السيوطي فى الدر المنثور 4/ 235 إلى ابن أبي حاتم.¥.
وقولُه: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}. يقولُ: أَو أسيرَ زمانًا ودهرًا. وهو واحدٌ، ويُجمَعُ كثيرُه وقليلُه: أحْقابٌ. وقد تقولُ العربُ: كنتُ عندَه حِقْبَةً من الدَّهرِ. ويجمَعونها حِقَبًا.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يوجِّه تأويلَ قولِه: {لَا أَبْرَحُ}. إلى ¬فى ص، م، ت 1، ت 2، ف: "أى".¥: لا أزولُ.
ويستشهِدُ لقولِه ذلك ببيتِ الفرزدقِ ¬شرح ديوانه ص 773.¥:
فما برِحُوا حتى تهادَت نساؤُهم ... ببَطْحاءِ ذى قارٍ عِيابَ اللَّطائمِ ¬عياب اللطائم: أوعية المسك، والعياب: جمع عيبة، وعاء من أدم يكون فيه المتاع، واللطائم: جمع لطيمة، وهى المسك. ينظر اللسان (ع ى ب)، (ل ط م).¥
وذكَر بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ ¬هو الفراء في معاني القرآن 2/ 154.¥ أن الحُقُبَ في لغةِ قيسٍ سنةٌ.
فأما أهلُ التأويلِ فإنهم ¬بعده في ص، ت 1، ف: "يقولون في ذلك ما أنا ذاكره وهو أنهم"، وفي م، ت 2: "يقولون في ذلك ما إنا ذاكروه وهو أنهم".¥ اختلَفُوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو ثمانون سنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثتُ عن هشيمٍ، قال: ثنا أبو بَلْجٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: الحُقُبُ ثمانون سنةً ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 170.¥.
وقال آخرون: هو سبعون سنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}. قال: سبعين خريفًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه ¬تقدم تخريجه في ص 306.¥.
وقال آخرون في ذلك نحوَ الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}. قال: دهرًا ¬ذكره ابن كثير في تفسير 5/ 170 عن على بن أبي طلحة به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 235 إلى المصنف وابن أبي حاتم.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {حُقُبًا}. قال: "الحقب" زمانًا ¬في م، ف: "زمان".
والأثر في تفسير عبد الرزاق 1/ 405.¥.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا}. قال: الحقبُ الزمانُ.