تفسير البغوي (معالم التنزيل)
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} وَكَانَ اسْمُهُمَا أَصْرَمُ وَصَرِيمٌ {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا} اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ الْكَنْزِ رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً" ¬أخرجه الترمذي في تفسير سورة الكهف: 8/ 600، والحاكم في المستدرك 2/ 369، وأخرجه البخاري في تاريخه والطبراني (تحفة الأحوزي: 8/ 601) ويزيد بن يوسف الصنعاني ضعيف قال الذهبي: "متروك" وإن كان حديثه أشبه بمعنى الكنز.¥.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ مَالًا ¬أخرجه عنه الطبري: 16/ 6 وهو بمعنى حديث أبي الدرداء.¥.
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كَانَ الْكَنْزُ صُحُفًا فِيهَا عِلْمٌ ¬أخرجه الحاكم وصححه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: 2/ 369.¥.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ قَالَ كَانَ لَوْحًا مِنْ ذَهَبٍ مَكْتُوبًا فِيهِ: "عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْمَوْتِ كَيْفَ يَفْرَحُ! عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ كَيْفَ يَغْفُلُ! عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالرِّزْقِ كَيْفَ يَتْعَبُ! عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَنْصَبُ! عَجَبًا لِمَنْ أَيْقَنَ بِزَوَالِ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا! لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ". وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ مَكْتُوبٌ: "أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي خَلَقْتُ الْخَيْرَ والشر فطوبى لِمَنْ خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وَأَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ وَالْوَيْلُ لِمَنْ خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وَأَجْرَيْتُهُ عَلَى يَدَيْهِ" ¬أخرجه الطبري: 16/ 5 - 6 وانظر: تفسير ابن كثير: 3/ 100.¥ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ ¬وهذا يتنافى مع ظاهر الآية الكريمة ومع إطلاق لفظ الكنز الذي ذكره المصنف أيضا عن الزجاج عند الإطلاق، ولعل الراجح هو القول الأول، وإن كان الحديث فيه ضعيفا لكنه يتسق مع ظاهر الآية وإطلاق اللفظ، وسائر الأخبار ليست مرفوعة، ولذلك قال الطبري رحمه الله: (16/ 6). "وأولى التأويلين في ذلك بالصواب القول الذي قال به عكرمة، لأن المعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لما يكنز من مال، وأن كل ما كنز فقد وقع عليه اسم كنز، فإن التأويل مصروف إلى الأغلب من استعمال المخاطبين بالتنزيل، ما لم يأت دليل يجب من أجله صرفه إلى غير ذلك ... ".¥ وَرُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا.
قَالَ الزَّجَّاجُ: الْكَنْزُ إِذَا أُطْلِقَ يَنْصَرِفُ إِلَى كَنْزِ الْمَالِ، وَيَجُوزُ عِنْدَ التَّقْيِيدِ أَنْ يُقَالَ عِنْدَهُ كَنْزُ عِلْمٍ، وَهَذَا اللَّوْحُ كَانَ جَامِعًا لَهُمَا.
{وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} قِيلَ: كَانَ اسْمُهُ "كَاسِحٌ" وَكَانَ مِنَ الْأَتْقِيَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حُفِظَا بِصَلَاحِ أَبَوَيْهِمَا.
وَقِيلَ: كَانَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْأَبِ الصَّالِحِ سَبْعَةُ آبَاءٍ ¬انظر في هذين القولين: زاد المسير: 5/ 182.¥.
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ بِصَلَاحِ الْعَبْدِ وَلَدَهُ [وَوَلَدَ وَلَدِهِ] ¬ساقط من "ب".¥ وَعِتْرَتَهُ وَعَشِيرَتَهُ وَأَهْلَ دُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُ فَمَا يَزَالُونَ فِي حِفْظِ اللَّهِ مَا دَامَ فِيهِمْ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنِّي لَأُصَلِّي فَأَذْكُرُ وَلَدِي فَأَزِيدُ فِي صَلَاتِي.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا} أَيْ: يَبْلُغَا وَيَعْقِلَا. وَقِيلَ: أَنْ يُدْرِكَا شِدَّتَهُمَا وقوتهما. وقيل: ثمان عَشْرَةَ سَنَةً.
{وَيَسْتَخْرِجَا} حِينَئِذٍ {كَنْزَهُمَا رَحْمَةً} نِعْمَةً {مِنْ رَبِّكَ}
{وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} أَيْ بِاخْتِيَارِي وَرَأْيِي بَلْ فَعَلْتُهُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَإِلْهَامِهِ {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} أَيْ لَمْ تُطِقْ عَلَيْهِ صَبْرًا وَ"اسْتَطَاعَ" وَ"اسْطَاعَ" بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
رُوِيَ أَنَّ مُوسَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُ قَالَ لَهُ: أَوْصِنِي، قَالَ: لَا تَطْلُبِ الْعِلْمَ لِتُحَدِّثَ بِهِ وَاطْلُبْهُ لِتَعْمَلَ بِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْخَضِرَ حَيٌّ أَمْ مَيِّتٌ ¬انظر فيما سبق التعليق على الآية (65) من السورة.¥؟ قِيلَ: إِنَّ الْخَضِرَ وَإِلْيَاسَ حَيَّانِ يَلْتَقِيَانِ كُلَّ سَنَةٍ بِالْمَوْسِمِ ¬خبر ضعيف. انظر: الزهر النضر لابن حجر: 2/ 201 (مجموعة الرسائل المنيرية).¥. وَكَانَ سَبَبُ حَيَاتِهِ فِيمَا يُحْكَى أَنَّهُ شَرِبَ مِنْ عَيْنِ الْحَيَاةِ وَذَلِكَ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ دَخَلَ الظُّلُمَاتِ لِطَلَبِ عَيْنِ الْحَيَاةِ. وَكَانَ الْخَضِرُ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ فَوَقَعَ الْخَضِرُ عَلَى الْعَيْنِ فَنَزَلَ وَاغْتَسَلَ وَتَوَضَّأَ ¬زيادة من "ب".¥ وَشَرِبَ وَصَلَّى شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَخْطَأَ ذُو الْقَرْنَيْنِ الطَّرِيقَ فَعَادَ ¬المرجع السابق: 2/ 200 - 201، وانظر: ابن كثير: 3/ 101، وأشار إلى ضعف القصة من رواية الطبري بنحوه، القرطبي: 11/ 41 وقال: هذه الروايات كلها لا تقوم على ساق.¥.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ مَيِّتٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ" (الْأَنْبِيَاءِ-34).
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا صَلَّى الْعَشَاءَ لَيْلَةً: "أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ حَيٌّ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ" ¬أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء: 2/ 73 - 74، ومسلم في فضائل الصحابة، باب قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة" برقم (2537): 4/ 1965، والمصنف في شرح السنة: 2/ 192 - 193. وانظر: الزهر النضر لابن الحجر: 2/ 205 - 207 (مجموعة الرسائل المنيرية) قال ابن عمر رضي الله عنهما -في الرواية نفسها: "فوهل الناس من مقالة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث، عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لايبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد، يريد بذلك: أن ينخرم ذلك القرن" أي: ينقطع وينقضي.¥. وَلَوْ كَانَ الْخَضِرُ حَيًّا لَكَانَ لَا يَعِيشُ بَعْدَهُ".