تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)}.
يقول تعالى ذكرُه: فكُلى من الرُّطَب الذى تساقط ¬فى ص، م، ت 1، ف: "يتساقط"، وفي ت 2: "يساقط".¥ عليكِ، واشْرَبي من ماء السَّرِيِّ الذى جعَله ربُّك تحتَكِ، و ¬سقط من: م.¥ لا تَخْشَىْ جُوعًا ولا عطَشًا، {وَقَرِّي عَيْنًا} يقولُ: وطِيبي نفسًا وافرَحى بولادتِك إِيَّايَ ولا تحزني، ونُصِبتِ العينُ لأنها هي الموصوفةُ بالقَرارِ. وإنَّما معنى الكلام: ولتَقرَرْ عينُكِ بولدِكِ، ثم حُوِّل الفعل عن العين إلى المرأة صاحبة العين، فنُصِبتِ العينُ إذ كان الفعل لها في الأصل على التفسير ¬التفسير هنا: التمييز. ينظر مصطلحات النحو الكوفى ص 29.¥، نظير ما فُعِل بقوله: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} [النساء: 4]. وإنما هو: فإن طابت أنفسهن لكم. وقوله: {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} [هود: 77]. ومنه قولُه: (يَسَّاقِطْ عليكِ رُطبًا جنيًّا). إنما هو يَسَّاقط عليك رطبُ الجذع، فحُوّل الفعل إلى الجذع في قراءة من قرأَه بالياء. وفي قراءةِ مَن قرأه (تسَّاقطْ) بالتاء، معناه: تساقطْ ¬فى م: "يساقط".¥ عليكِ رُطَبُ النخلة، ثمَّ حُوِّل الفعلُ إلى النخلة ¬ينظر معانى القرآن للفراء 2/ 166.¥.
وقد اختلفت القرأة فى قراءةِ قوله: {وَقَرِّي}؛ فأَمَّا أهل المدينة فقرءوه {وَقَرِّى} بفتح القافِ على لغةِ مَن قال: قَرِرْتُ بالمكان أقرُّ به، وقرِرتُ به ¬سقط من: ص، م، ت 1، ف.¥ عينًا، أقرُّ به قُرُورًا ¬في ص، ت 1، ف: "قررا".¥. وهي لغة قريش، فيما ذُكر لى، وعليها القرأة ¬في م: "القراءة".¥، وأما أهل نجدٍ، فإنها تقولُ: قَرَرتُ به عينًا أقِرُّ به قرارًا، وقَرَرْتُ بالمكان أقرُّ به. فالقراءةُ على لغتهم: (وقِرِّى عَيْنًا) بكسر القافِ ¬هي قراءة شاذة.¥، والقراءة عندنا على لغة قريشٍ بفتح القاف.
وقولُه: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا}. يقولُ: فإن رأيتِ من بني آدم أحدًا يُكلّمُكِ أو يسائِلُكِ عن شيءٍ مِن أمرك وأمر ولدِكِ وسبب ولادتِكِه، {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}. يقولُ: فقولي له ¬سقط من: ص، م، ت 1، ف.¥: إنى أوجبتُ على نفسى للهِ صمتًا ¬فى ص، ت 1، ف: "صوما".¥ ألَّا أُكلِّم أحدًا من بنى آدمَ اليومَ {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}. وبنحو الذى قُلنا في معنى الصومِ قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ يقولُ فى هذه الآية: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}. قال: صمتًا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 220.¥.
حدَّثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني المغيرة بن عثمانَ، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقولُ: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}. قال: صمتًا.
حدَّثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}. قال: يعنى بالصومِ الصمت ¬أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 19/ 532 (مخطوط) من طريق الضحاك عن ابن عباس، ضمن أثر مطول، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن مردويه 4/ 269.¥.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ علية، عن سليمان التيمي، قال: سمعتُ أنسًا قرأ: (إنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْمًا وَصَمْتًا) ¬أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 176 من طريق سليمان التيمي به، وعزاه السيوطى في الدر المنثور 4/ 269 إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنبارى في المصاحف وابن مردويه بلفظ: صوما صمتا. وينظر تفسير القرطبي 11/ 97، 98.¥.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}: أما قوله: {صَوْمًا}. فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام ¬تفسير عبد الرزاق 2/ 7.¥.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضَّحاك يقولُ فى قوله: {نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}: [يعنى: صمتًا ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 220.¥.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}] ¬سقط من: م.¥. قال: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يَصُومُ مِن الطعام، إلا من ذكرِ اللهِ، فقال ذلك لها كذلك ¬سقط من: م.¥، فقالت: إنى أَصُومُ من الكلام كما أصومُ من الطعام، إلا من ذكر الله. فلما كلَّموها أشارت إليه، فقالوا: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} فأجابهم. فقال: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)} ¬عزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 269 إلى ابن أبي حاتم مختصرًا.¥.
واختلفُوا فى السبب الذى من أجله أمرها بالصومِ عن كلام البشر؛ فقال بعضُهم: أمرها بذلك؛ لأنه لم يكن لها حُجةٌ عند الناس ظاهرة؛ وذلك أنَّها جاءت، وهى أيِّمٌ بولدٍ، فأُمرت بالكفّ عن الكلام ليكفيها الكلامَ ولدُها ¬في ص، ت 1، ف: "بولدها".¥.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هارون بن إسحاق ¬بعده فى ص، م، ت 1، ف: "الهمداني".¥، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كنتُ عند ابن مسعودٍ، فجاء رجلان فسلَّم أحدهما ولم يسلِّم الآخرُ، فقال: ما شأنك؟ فقال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم. فقال عبدُ اللهِ: كلِّمِ الناسَ وسلِّمْ عليهم، فإنَّ تلك امرأةٌ علمت أنَّ أحدًا لا يصدِّقُها أنَّها حملت من غير زوجٍ. يعنى بذلك مريم ¬ذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 220 عن أبي إسحاق به، وعزاه إلى المصنف وابن أبي حاتم، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور 4/ 269 إلى ابن أبي حاتم بنحوه.¥.
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: لما قال عيسى لمريم: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ ولا مملوكةٌ. أيُّ شيءٍ عُذرى عند الناس {يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا}. فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلامَ، {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}. قال: هذا كلُّه كلام عيسى لأمه ¬تقدم تخريجه في ص 505.¥.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابن منبه: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}. فإني سأكفيك الكلام ¬ينظر تفسير ابن كثير 5/ 220.¥.
وقال آخرون: إنما كان ذلك آيةً لمريم وابنها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}. قال: فى بعض الحروفِ: (صمتًا). و ¬في ص، م، ت 1، ف: "وذلك".¥ إنَّكَ لا [تشأُ أن] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ف.¥ تلقَى امرأة جاهلة ¬في الأصل، ص، ت 1، ت 2، ف: "جاهلية".¥ تقولُ: نذرتُ كما نذرَت مريم؛ ألَّا تكلَّمَ يومًا إلى الليل. وإنما جعل الله تلك آيةً لمريم ولابنها، ولا يحِلُّ لأحدٍ أن يَنذُرَ صمتَ يومٍ إلى الليل ¬تفسير عبد الرزاق 2/ 7.¥.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: {فَقُولِي ¬في ص، م، ت 1، ف: "فقرأ".¥ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}. وكانت تُقرأُ فى الحرف الأوَّلِ: (صمتًا)، وإنما كانت آيةً بعثها الله لمريم وابنها.
وقال آخرون: بل ¬ليس في الأصل.¥ كانت صائمةً فى ذلك اليوم، والصائم في ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس، فأُذِن لمريم في قدر هذا الكلام ذلك اليوم وهي صائمةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا} يُكَلِّمُكِ، {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا}. فكان مَن صام فى ذلك الزمان لم يتكلَّمْ حتى يُمسى، فقال ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ف: "فقيل".¥ لها: لا تزيدى على هذا ¬أخرجه المصنف في تاريخه 1/ 600، بنفس الإسناد موصولًا عن ابن عباس وابن مسعود، وذكره ابن كثير في تفسيره 5/ 220.¥.