تفسير ابن كثير
ثم قال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة {إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} أي: فصل بين أهل الجنة وأهل النار وصار كل إلى ما صار إليه مخلدًا فيه، {وَهُمْ} أي: اليوم {فِي غَفْلَةٍ} عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة {وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} أي: لا يصدقون به.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟، قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ويقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت" ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39)} وأشار بيده، ثم قال: "أهل الدنيا في غفلة الدنيا" هكذا رواه الإمام أحمد ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصحح سنده محققوه (المسند 17/ 120 ح 11066).¥، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به، ولفظهما قريب من ذلك ¬صحيح البخاري، التفسير، باب {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} [مريم: 39] (ح 4730)، وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون ... (ح 2849).¥. وقد روى هذا الحديث [الحسن] ¬كذا في (ح) و (حم)، وفي الأصل صُحف إلى: "المسد".¥ بن عرفة: حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله ¬أخرجه الطبري من طريق أسباط بن محمد به.¥، وفي سنن ابن ماجه وغيره من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحوه ¬سنن ابن ماجه، الزهد، باب صفة النار (ح 4327) وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح 3493).¥، وهو في الصحيحين عن ابن عمر ¬صحيح البخاري، الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب (ح 6544) وصحيح مسلم، الجنة، باب النار يدخلها الجبارون ... (ح 2850).¥.
رواه ابن جريج قال: قال ابن عباس .. فذكر من قبله نحوه ¬أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يلقَ ابن عباس، ويشهد له ما تقدم.¥، ورواه أيضًا عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة فيذبح والناس ينظرون ¬أخرجه الطبري من طريق ابن جريج عن أبيه، وسنده ضعيف لأن فيه الحسين، وهو ابن داود: ضعيف،
ويشهد له ما ثبت في الصحيحين.¥.
وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل: حدثنا أبو الزعراء، عن عبد الله - هو ابن مسعود - في قصة ذكرها، قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة، ويقال لهم: لو عملتم، فتأخذهم الحسرة، قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا أن الله منَّ عليكم ¬أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح.¥.
وقال السدي، عن زياد، عن زِرٍّ بن حُبيش، عن ابن مسعود في قوله: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، أُتي بالموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا نظر إليه، ثم ينادي منادٍ: يا أهل النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى: يا أهل الجنة هو الخلود أبد الآبدين، ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين، فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتًا من فرح لماتوا، ويشهق أهل النار شهقة لو كان أحد ميتًا من شهقة ماتوا، فذلك قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ} يقول: إذا ذبح الموت. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره ¬يشهد له ما سبق.¥.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ}: من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به.¥.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} قال: يوم القيامة، وقرأ: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن.¥ [الزمر: 56].