تفسير ابن كثير
{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)}.
قال محمد بن إسحاق ¬أخرجه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" (2/ 202)، ومن طريقه ابن جرير (1862)؛ وابن أبي حاتم (1147) من طريق سلمة بن الفضل، زاد ابن جرير: ويونس بن بكير، قالا: ثنا محمد بن إسحاق بسنده سواء. [وسنده حسن].¥: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا محمد، إن كنت رسولًا من الله كما تقول فقل لله فيكلمنا حتى نسمع كلامه؛ فأنزل الله في ذلك من قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ}.
[وقال (ابن أبي نجيح، عن) ¬من (ك).
وهذا الأثر في "تفسير مجاهد" (ص 212) من طريق آدم بن أبي إياس نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (1149) من طريق شبابة عن ورقاء به؛ وأخرجه ابن جرير (1860) من طريق عيسى بن ميمون الجرشي. وأيضًا (1861) من طريق شبل بن عباد كلاهما عن ابن أبي نجيح به. [وسنده صحيح].¥ مجاهد (في قوله) ¬ساقط من (ض).¥: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ}] ¬ساقط من (ن)؛ وفي (ك): "في قول الله - عز وجل -".¥ قال: النصارى تقوله، وهو اختيار ابن جرير؛ قال: لأن السياق فيهم. وفي ذلك نظر.
[وحكى القرطبي ¬في "تفسيره" (2/ 92).¥: {لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} أي: يخاطبنا بنبوتك يا محمد. قلت: وهو ظاهر السياق. والله أعلم] ¬من (ج) و (ل) و (ن).¥.
وقال أبو العالية ¬أخرجه ابن أبي حاتم (1148) [وسنده جيد].¥، والربيع بن أنس ¬أخرجه ابن جرير (1864). [وسنده جيد].¥، وقتادة ¬أخرجه ابن جرير (1863). [وسنده صحيح].¥، والسدي ¬أخرجه ابن جرير (1865). [وسنده حسن].¥ في تفسير هذه الآية: هذا قول كفار العرب.
{كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} قالوا: هم اليهود والنصارى. ويؤيد هذا القول وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)} [الأنعام: 124].
وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)} [الإسراء].
وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)} [الفرقان: 21].
وقوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52)} [المدثر: 52]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به؛ إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم؛ كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]، وقال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55].
وقوله تعالى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو؛ كما قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)} [الذاريات: 52].
وقوله تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)} أي: قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر، وزيادة أخرى لمن (أيقن) ¬في (ك): "اتقى".¥ وصدق، واتبع الرسل، وفهم ما جاءوا به عن الله تبارك وتعالى. وأما من ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، فأولئك قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ¬في هامش (ع): "بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله فسح الله في مدته".¥ (97)} [يونس].