تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا}.
يعني تعالى ذكره بقوله: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا}: وقالتِ
اليهود لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من المؤمنين: كونوا يهودًا تَهْتَدُوا. وقالتِ النصارى لهم: كونوا نصارَى تَهْتَدُوا. ويعنى بقوله: {تَهْتَدُوا}. أي: تُصِيبوا طَريق الحقِّ.
كما حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونُس بنُ بُكيرٍ، وحدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، جميعا عن ابن إسحاقَ، قال: حدثني محمدُ بن أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباس، قال: قال عبدُ اللَّهِ ابنُ صُورِيا الأعورُ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ما الهُدَى إلا ما نحن عليه، فاتَّبِعْنا يا محمد تَهْتَد. وقالتِ النصارى مثلَ ذلك، فأنزل الله فيهم: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ¬سيرة ابن هشام 1/ 549، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 241 (1290) من طريق يونس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 140 إلى ابن المنذر. وينظر تفسير البغوي 1/ 155، وتفسير ابن كثير 1/ 271.¥.
فاحتجَّ اللهُ لنبيِّه محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أبلغَ حُجةٍ وأوجزَها وأكملَها، وعلَّمها محمدًا نبيَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: يا محمدُ، قل للقائلين لك من اليهودِ والنصارَى ولأصحابِك: كونوا هُودًا أو نَصارَى تَهْتَدُوا-: بل تعالَوْا فلنَتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيمَ التي يُجْمِعُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "تجمع".¥ جميعُنا على الشهادةِ لها بأنها دينُ اللهِ الذي ارْتَضاه واجْتَباه وأمَر به، فإنَّ دينَه كان الحَنِيفيةَ المسلِمةَ، ونَدَعْ سائرَ المللِ التي نَخْتَلِفُ فيها فيُنكرُها بعضُنا ويُقِرُّ بها بعضُنا، فإن ذلك على اختلافِه لا سبيلَ لنا إلى ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "على".¥ الاجتماعِ عليه، كما لنا السبيلُ إلى الاجتماعِ على ملةِ إبراهيمَ.
وفي نَصْبِ قولِه: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} أوجُهٌ ثلاثةٌ:
أحدُها: أن يُوَجَّهَ معنى قولِه: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} إلى معنى: وقالوا: اتَّبِعُوا اليهوديةَ والنصرانيةَ. لأنهم إذ قالوا: {كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} إلى اليهوديةِ والنصرانيةِ دَعَوْهم، ثمَّ يُعطَفُ على ذلك المعنى بالملةِ، فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: قلْ يا محمدُ: لا نتّبعُ اليهوديةَ والنصرانيةَ، ولا نتّخِذُها ملةً، بل نتّبعُ ملةَ إيراهيمَ حنيفًا. ثمَّ يُحذَفُ "نَتّبعُ" الثانيةُ، ويُعطَفُ بالملةِ على إعرابِ "اليهوديةِ" و"النصرانيةِ".
والآخرُ: أن يكونَ نَصْبُه بفعلٍ مُضْمَرٍ بمعنى "نتّبعُ".
والثالثُ: أن يكونَ أُريدَ: بل نكونُ أصحابَ ملةِ إبراهيمَ، أو أهلَ ملةِ إبراهيمَ. ثمَّ حذَف الأهلَ والأصحابَ، وأُقِيمتِ الملةُ مُقامَهم، إذ كانت مُؤَديةً عن معنى الكلامِ، كما قال الشاعرُ ¬تقدم في ص 265.¥:
حَسِبْتَ بُغامَ راحلتى عَناقًا ... وما هي وَيْبَ غيرِكَ بالعَناقِ
يعني صوتَ عَناقٍ. فتكونُ الملةُ حينئذٍ منصوبةً عطفًا في الإعرابِ على اليهودِ والنصارَى. وقد يجوزُ أن يكونَ منصوبًا على وجهِ الإغراءِ باتباعِ ملةِ إبراهيمَ.
وقرَأ بعضُ القَرَأةِ ذلك رفعًا ¬هى قراءة ابن هرمز الأعرج وابن أبي عبلة وابن جندب. ينظر مختصر ابن خالويه ص 17، والبحر المحيط 1/ 406.¥، فتأويلُه على قراءةِ من قرَأه رفعًا: بل الهُدى ملةُ إبراهيمَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)}.
والملَّةُ الدينُ، وأما الحَنِيفُ فإنَّه المستقيمُ من كلِّ شيء. وقد قيل: إن الرجلَ الذي تُقْبِلُ إحدى قدمَيْه على الأخرى إنما قيل له: أَحْنَفُ. نظرًا له إلى السلامةِ، كما قيل للمَهْلَكةِ من البلادِ: المَفازَةُ. بمعنى الفوزِ بالنجاةِ فيها ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "منها".¥ والسلامةِ، وكما قيل لِلَّديغِ: السَّلِيمُ. تفاؤُلًا له بالسلامةِ من الهلاكِ، وما أَشبهَ ذلك.
فمعنى الكلامِ إذن: قلْ يا محمدُ: بل نَتَّبعُ ملةَ إبراهيمَ مستقيمًا. فيكونُ "الحنيفُ" حينئذٍ حالًا من "إبراهيمَ".
وأما أهلُ التأويلِ، فإنهم اختلَفوا في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: الحَنِيفُ الحاجُّ. وقال ¬في م، ت 2، ت 3: "قيل".¥: إنما سُمِّى دينُ إبراهيمَ الإِسلامَ الحنَيِفيةَ؛ لأنه أوّلُ إمامٍ لَزِم العِبادَ الذين كانوا في عصْرِه، والذين جاءُوا بعدَه إلى يومِ القيامةِ - اتباعُه في مناسكِ الحجِّ، والائتمامُ به فيه. قالوا: فكلُّ من حجَّ البيتَ فنَسَك مَناسِكَ إبراهيمَ على ملتِه، فهو حَنِيفٌ مسلمٌ على دينِ إبراهيمَ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ، عن كَثيرٍ أبى سهلٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن الحَنِيفيةِ، قال: حجُّ البيتِ.
وحدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عبادة".¥ الأسديّ، قال: ثنا عبيدُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عبد".¥ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرَنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ في قولِه: {حَنِيفًا} قال: الحَنِيفُ الحاجُّ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 241، عقب الأثر (1291) معلقا.¥.
وحدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصدائي، قال: ثنا أبى، عن الفُضَيلِ، عن عطيةَ مثلَه.
وحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكّامُ بنُ سلمٍ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "سالم".¥، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ، قال: الحَنِيفُ الحاجُّ.
وحدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ التَّيْمِيِّ، عن كَثيرِ بنِ زيادٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن الحَنيفيةِ، قال: هو حَجُّ هذا البيتِ. قال ابنُ التَّيْمِيِّ: وأخبرَني جُويبرٌ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحِمٍ مثلَه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 59.¥.
وحدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن مجاهدٍ {حُنَفَاءَ} [الحج: 31] قال: حُجّاجًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 359 إلى عبد بن حميد وهو في تفسير سفيان ص 212 عن السديِّ من قول ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 241 عقب الأثر (1291) من طريق أسباط، عن السديِّ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 140، 4/ 359 إلى ابن المنذر عن السديِّ.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {حَنِيفًا} قال: حاجًّا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 241 (1291) من طريق عبد الله بن صالح به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 359 إلى ابن المنذر.¥.
حدِّثْت عن وكيعٍ، عن فُضَيلِ بنِ غَزْوانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ القاسمِ، قال: كان ناسٌ ¬في م، ت 1، ت 2: "الناس".¥ من مُضَرَ يَحُجُّون البيتَ في الجاهليةِ يُسَمَّوْن حُنفاءَ، فأَنزَل اللهُ تعالى ذكرُه {حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 359 إلى ابن أبي حاتم.¥.
وقال آخرون: الحَنِيفُ المتَّبِعُ. كما وصَفْنا قبلُ مِن قولِ الذين قالوا: إن معناه الاستقامةُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {حُنَفَاءَ} قال: مُتَّبِعِين ¬تفسير سفيان ص 212، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 241 (1292). وعزاه السيوطي في الدر المنثور 4/ 359 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
وقال آخرون: إنما سُمِّى دينُ إبراهيمَ الحنيفيةَ؛ لأنه أوّلُ إمامٍ سَنَّ للعبادِ الخِتانَ، فاتَّبَعه مَن بعدَه عليه. قالوا: فكلُّ مَن اخْتَتَنَ على سبيلِ اخْتِتانِ إبراهيمَ، [وهو] ¬في م: "فهو".¥ على ما كان عليه إبراهيمُ من الإِسلامِ، فهو حَنيفٌ على ملةِ إبراهيمَ.
وقال آخرون: قولُه: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}: بل ملةَ إبراهيمَ مُخلِصًا. فالحَنِيفُ على قولِهم، المُخْلِصُ دينَه للهِ وحدَه.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء: 125]. يقولُ: مخْلِصًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 4/ 1074 (6011) من طريق أحمد بن المفضل به.¥.
وقال آخرون: بل الحَنِيفيةُ الإِسلامُ، فكلُّ مَن ائْتَمَّ بإبراهيمَ في مِلَّتِه فاستقام عليها فهو حَنِيفٌ.
قال أبو جعفرٍ: والحَنيفُ عندي هو الاستقامةُ على دينِ إبراهيمَ واتباعُه على مِلَّتِه، وذلك أن الحَنِيفيةَ لو كانت حجَّ البيتِ، لوجَب أن يكونَ الذين كانوا يَحُجُّونه في الجاهليةِ من أهلِ الشركِ كانوا حنفاءَ، وقد نَفَى اللهُ جل ثناؤه أن يكونَ ذلك تَحَنُّفًا بقولِه: {وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67]. وكذلك القولُ في الختانِ؛ لأنَّ الحَنِيفيةَ لو كانت هي الخِتانَ، لوجَب أن يكونَ اليهودُ حنفاءَ، وقد أخرجَهمُ اللهُ من ذلك بقولِه: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} [آل عمران: 67]. فقد صحَّ إذن أن الحنيفيةَ ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيتِ وحدَه، ولكنّه هو ما وصَفْنا من الاستقامةِ على ملةِ إبراهيمَ واتباعِه عليها والائتمامِ به فيها.
فإن قال قائلٌ: أَوَما كان مَن كان قبلَ إبراهيمَ عليه السلامُ من الأنبياءِ وأتباعِهم مستقيمِين على ما أُمِروا به من طاعةِ اللهِ استقامةَ إبراهيمَ وأتباعِه؟ قيل: بلى.
فإن قال قائلٌ: فكيف أُضِيفَ الحَنِيفيةُ إلى إبراهيمَ وأتباعِه على مِلَّتِه خاصةً دونَ سائرِ الأنبياءِ قبلَه وأتباعِهم؟
قيل: إن كلَّ مَن كان قبلَ إبراهيمَ من الأنبياءِ كان حنيفًا مُتَّبِعًا طاعةَ اللهِ، ولكنَّ اللهَ تعالى ذكرُه لم يَجعلْ أحدًا منهم إمامًا لمن بعدَه من عِبادِه إلى قيامِ الساعةِ، كالذي فعَل مِن ذلك بإبراهيمَ، فجعَله إمامًا فيما بَيَّنه من مناسكِ الحجِّ والخِتانِ، وغيرِ ذلك من شرائعِ الإِسلامِ - يُقتدَى ¬في م: "تعبدا".¥ به أبدًا إلى قيامِ الساعةِ، وجعَل ما سنَّ من ذلك عَلَمًا مُمَيَّزًا بين مؤمِنى عبادِه وكفارِهم، والمطيعِ منهم له والعاصى، فسُمِّىَ الحنيفُ من الناسِ حنيفًا باتِّباعِه مِلَّتَه واستقامتِه على هَدْيِه ومِنهاجِه، وسُمِّى الضّالُّ عن ملَّتِه بسائرِ أسماءِ المللِ، فقيل: يهودىٌّ ونصرانىٌّ ومَجوسىٌّ، وغيرُ ذلك من صنوفِ المللِ.
وأما قولُه: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. فإنَّه يقولُ: إنه لم يكنْ ممن يَدِينُ بعبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، ولا كان من اليهودِ ولا من النصارَى، بل كان حنيفًا مسلمًا.