Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 143

Surah 2 : Ayah 143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ

Thus We made you a balanced nation, so that you may be witnesses over mankind and the Messenger a witness over you. We did not change your former direction of prayer [to the Ka‘bah] except to distinguish those who would follow the Messenger from those who would turn back on their heels. It was surely burdensome except for those whom Allah guided. Allah would never let your [acts of] faith go to waste, for Allah is Most Gracious and Most Merciful to all people.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}: كما هدَيْناكم أيها المؤْمنون بمحمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ، وبما جاءَكم به من عندِ اللهِ، فخصَصْناكم بالتوفيقِ لقبلةِ إبراهيمَ وملّتِه، وفضَّلناكم بذلك على من سواكم من أهلِ المللِ، كذلك خصَصْناكم أيضًا ففضَّلناكم على غيرِكم من أهلِ الأديانِ؛ بأن جعَلْناكم أمة وسطًا، وقد بيّنا أن "الأمَّةَ" هي القرنُ من الناسِ، والصِّنْفُ منهم وغيرهم ¬ينظر ما تقدم في 1/ 224، 2/ 588.¥.
وأما "الوسطُ" فإنه في كلام العربِ الخيارُ، يقالُ منه: فلانٌ واسِطُ ¬في م: "وسط".¥ الحسَبِ في قومِه. أي: متوسِّطُ الحسَبِ، إذا أرادُوا بذلك الرفعَ في حسبِه، وهو وسطٌ في قومِه وواسطٌ. كما يقالُ: شاةٌ يابسةُ اللبنِ، ويَبَسةُ اللَبنِ. وكما قال جل ثناؤُه: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا} [طه: 77]. وقال زهيرُ بنُ أبى سُلْمَى في "الوسطِ" ¬شرح ديوان زهير ص 27. والبيت فيه هكذا:
لحى حلال يعصم الناس أمرهم ... إذا طرقت. . . . . . . .
وأنشده الجاحظ في البيان والتبيين 3/ 255 غير منسوب هكذا:
هم وسط يرضى الإله بحكمهم ... إذا طرقت. . . . . . . .¥:
هُمُ وَسَطٌ يَرْضَى الأنامُ بحُكمِهمْ ... إذا نَزَلَت إحدَى الليالى بمُعْظَمِ
قال أبو جعفرٍ: وأنا أرَى أن "الوسَطَ" في هذا الموضعِ هو الوسَطُ الذي بمعنى الجزءِ الذي هو بين الطرفَين، مثلَ وسَطِ الدارِ، [محرِّكةُ الوسطِ مثقَّلتُه] ¬في م: "محرك الوسط مثقله"، وفي ت 2: "محركة الوسط مثقلة".¥، غيرُ جائزٍ في سينِه التخفيفُ. وأرَى أن اللهَ تبارَك وتعالى إنما وصَفهم بأنهم وسَطٌ، لتوسُّطِهم في الدينِ، فلا هم أهلُ غلوٍّ فيه غلوَّ النصارَى الذين غَلوْا بالترهُّبِ، وقيلِهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهلُ تقصيرٍ فيه تقصيرَ اليهودِ الذين بدَّلوا كتابَ اللهِ، وقتَلوا أنبياءَهم، وكذَبوا على ربِّهم، وكفَروا به، ولكنهم أهلُ توسُّطٍ واعتدالٍ فيه، فوصَفهم اللهُ بذلك، إذْ كان أحبَّ الأمورِ إلى اللهِ أوساطُها ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أوسطها".¥.
وأما التأويلُ فإنه جاء بأن الوسَطَ العدْلُ، وذلك هو معنى الخيارِ؛ لأنَّ الخيارَ من الناسِ عُدولُهم.
ذكر من قال: الوسطُ العَدْلُ
حدّثَنِي سلمُ ¬في م: "سالم".¥ بنُ جُنادَةَ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قولِه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قال: "عدلًا" ¬في م: "عدولا".
والحديث أخرجه الإسماعيلى -كما في الفتح 8/ 172 - من طريق حفص بن غياث به، مختصرا. وأخرجه أحمد 17/ 122، 372 (11068، 11271)، والترمذي (2961)، والنسائي في الكبرى (11006)، وأبو يعلى (1207)، وابن حبان (7216)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 248، 249 (1331)، والإسماعيلي، وأبو عمرو بن منده في فوائده (1) من طرق عن الأعمش به، مختصرًا. وسيأتي مطولًا في ص 630.¥.
حَدَّثَنَا مجاهدُ بنُ موسى ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ، عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مثلَه ¬سيأتي مطولا في ص 630، 631.¥.
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا مؤَمَّلٌ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ الخدري: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قال: "عدلًا" ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عدولا".
والأثر في تفسير الثورى ص 50. وأخرجه الحاكم 2/ 268 بإسناد منقطع عن الأعمش به.¥.
وحَدَّثَنِي عليُّ بنُ عيسي، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ سليمانَ، عن حفصِ بنِ غِياثٍ، [عن الأعمشِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، عن أبي صالحٍ، عن أبى هريرةَ، عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قولِه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قال: "عدلًا" ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 144 إلى المصنّف.¥.
حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قال: عدلًا.
وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}. قال: عدلًا ¬تفسير مجاهد ص 215، بلفظ: عدولًا. وستأتي بقيته في ص 633.¥.
وحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال؛ حَدَّثَنَا أبو ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه؛ {أُمَّةً وَسَطًا} قال: عدلًا.
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {أُمَّةً وَسَطًا} قال: عُدولًا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 60، 61.¥.
وحدَّثني المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {أُمَّةً وَسَطًا} قال: عدلًا.
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}. يقولُ: جعَلكم أمة عدلًا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 144 إلى المصنّف.¥.
وحدَّثني المثنَّي، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن رِشْدِين ¬في م: "راشد"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "رشد".¥ بنِ سعدٍ، قال: أخبرني ابنُ أنْعُمٍ المَعافِرىُّ، عن حِبّانَ بنِ أبى جَبَلَةَ يُسْنِدُه ¬في م، ت 2، ت 3: "بسنده".¥ إلى رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}. قال: "الوسَطُ العدلُ" ¬سيأتي مطولًا في ص 635، 636.¥.
وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ وعبدِ اللهِ بنِ كَثيرٍ: {أُمَّةً وَسَطًا}. قالوا: عدلًا. قال مجاهدٌ: عدولًا.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}. قال: هم وسطٌ بين النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وبين الأُممِ.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}.
والشهداءُ جمعُ شهيدٍ.
فمعنى ذلك: وكذلك جعَلناكُم أُمةً [عدلًا لتكونوا] ¬في م: "وسطا عدولًا".¥ شهداءَ لأنْبيائى ورسلي على أُمِمها بالبلاغِ، أنَّها قد بلَّغت ما أُمِرت ببلاغِه من رسالاتى إلى أُمَمِها، ويكونَ رسولي محمدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شهيدًا عليكم بإيمانِكم به، وبما جاءكم به من عندي.
[وقيل: معْنى "عَلَيْكُمْ" في قولِه: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}: لكم. كأن تأويلَه عندهم: ويكونَ الرسولُ شهيدًا لكم.
وقال قائلُ هذه المقالةِ: هذا نظيرُ قولِه: {وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] إنما هو: وما ذبح للنصُبِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
حَدَّثَنِي أبو السّائبِ، قال: حَدَّثَنَا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يُدْعَى بنُوحٍ عليه السلامُ يومَ القيامَةِ، فيُقالُ له: هل بَلَّغْتَ ما أرْسِلتَ به؟ فيقولُ: نعم. فيقالُ لقَومِه: هل بَلَّغَكم؟ فيقولُون: ما جاءنَا من نَذيرٍ. فيُقالُ له: من يَعْلَمُ ذاك؟ فيقولُ: محمَّدٌ وأُمَّتُه". فهو قولُه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (222 - تفسير)، وابن أبى شيبة 11/ 454، وأحمد 17/ 383، 18/ 112 (11283، 11558)، والبخاريّ (3339، 4487، 7349)، وفي خلق أفعال العباد (158)، وابن ماجه (4284)، والنسائي في الكبرى (11007)، وابن أبي الدنيا في الأهوال (196)، وأبو يعلى (1173)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 249، 250 (1332، 1336)، والبيهقيُّ في الأسماء والصفات (464) من طرق عن الأعمش به، مطولًا. وتقدم مختصرا في ص 627.¥.
وحَدَّثَنَا مجاهدُ بنُ موسي، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ عوْنٍ، قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن أبى صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بنحوِه، إلَّا أنه زاد فيه: ["فتُدْعَوْن فتَشْهَدون] ¬في م: "فيدعون ويشهدون".¥ أنه قد بلَّغ" ¬أخرجه الترمذي 5/ 191 (2961) عن ابن بشار عن جعفر بن عون، مطولا. وتقدم في ص 627 عن ابن بشار، مختصرًا.
وأخرجه عبد بن حميد (911) -وعنه الترمذي 5/ 190 (2961) - والبيهقيُّ في الشعب (264) من طريق جعفر به.¥.
وحَدَّثَنَا محمدُ بن بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا مؤمَّلٌ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ الخدري: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} بأن الرسلَ قد بلَّغُوا، {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} بما عمِلْتم أو فعَلْتم ¬تفسير سفيان ص 51.¥.
وحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ فُضَيلٍ، عن أبى مالكٍ الأشْجعيِّ، عن المغيرةِ ابنِ عُتَيْبةَ ¬في م: "عيينة". ينظر الجرح والتعديل 8/ 227.¥ بنِ النَّهّاسِ، أن مُكْتِبًا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "مكاتبًا". والمكتب: المعلِّم. التاج (ك ت ب).¥ لهم حدَّثهم، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إنِّى وأُمَّتى لعلى كَوْمٍ ¬الكوم: المواضع المشرفة، واحدها كومة. النهاية 4/ 211.¥ يومَ القيامةِ مُشْرفين على الخلائقِ، ما أحدٌ من الأُمم إلَّا ودَّ أنه منا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "منها".¥ أيَّتُها ¬هذه اللفظة تقال في الاختصاص، وتختص بالمخبر عن نفسه، كما في حديث كعب بن مالك: فتخلفنا أيَّتُها الثلاثة. يريد تخلفهم عن غزوة تبوك وتأخر توبتهم. ينظر النهاية 1/ 88، واللسان (أيا).¥ الأُمَّةُ، وما من نبيٍّ كذَّبه قومُه إلَّا نحن شُهَداؤُه يومَ القيامةِ أنه قد بلَّغ رسالاتِ ربِّه ونصَح لهم. قال: [والرسولُ عليكم شهيدٌ] ¬في م: "ويكون الرسول عليكم شهيدا".
والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 144 إلى المصنّف. وأخرجه ابن مردويه وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير 1/ 276 - من طريق عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعى به. وينظر المؤتلف للدارقطني 4/ 2132.¥ ".
وحَدَّثَنِي عصامُ بنُ رَوّادِ ¬في م: "وراد"، وفي ت 2، ت 3: "داود". ينظر الجرح والتعديل 7/ 26.¥ بنِ الجرّاحِ العسقلانيُّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعىُّ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الفضلِ، عن أبى هريرةَ، قال: خرَجْتُ مع النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في جِنازةٍ، فلما صُلِّى على الميت قال الناسُ: نِعمَ الرجلُ. فقال النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَجَبَتْ". ثم خرَجْتُ معه في جِنازَةٍ أُخري، فلمّا صلَّوْا على الميتِ قال الناسُ: بئسَ الرجلُ. فقال النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَجَبَتْ". فقام إليه أُبيُّ بن كعب فقال: يا رسولَ الله، ما قولُك: وَجَبَتْ؛ قال: "قولُ اللهِ: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} ".
وحَدَّثَنِي عليُّ بنُ سهلٍ الرمْليُّ، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: حَدَّثَنِي أبو عمروٍ، عن يحيي، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بن أبي الفضلِ المدينيُّ، قال: حَدَّثَنِي أبو هريرةَ، قال: أُتى رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بجِنازةٍ، فقال الناسُ: نِعمَ الرجلُ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ عصامٍ، عن أبيه ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 249 (1334) من طريق الوليد به. وعبد الله بن إلى الفضل مجهول. وأخرجه أحمد 12/ 513، 16/ 287، 487 (7552، 10471، 10836)، وغيره عن أبي هريرة بمعناه دون ذكر أُبي بن كعب، وقال في آخره: "إنكم شهداء الله في الأرض".¥.
[حَدَّثَنَا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي الأوزاعيُّ، قال: حَدَّثَنِي يحيى بنُ أبى كثيرٍ، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ، قال: حَدَّثَنِي أبو هريرةَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بنحوِه] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
وَحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا زيدُ بنُ حُبَابٍ، قال: حَدَّثَنَا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: حَدَّثَنِي إياسُ بنُ سلمةَ بنِ الأكوعِ، عن أبيه، قال: كنا مع النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فمُرَّ بجنازةٍ عليه فأُثْنِى عليها ثناءٌ ¬في م: "بثناء".¥ حسنٌ، فقال: "وَجَبَتْ". ومُرَّ عليه بجِنازةٍ أُخْري، فأُثْنِى عليها دونَ ذلك، فقال: "وَجَبَتْ". قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما "وجَبَتْ؟ " قال: "الملائِكةُ شُهداءُ اللهِ في السماءِ، وأنتم شُهداءُ اللهِ في الأرضِ، فما شَهِدْتم عليه [من شيءٍ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ وَجَبَتْ". ثم قرَأ: " {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} " ¬أخرجه ابن أبى شيبة 3/ 368، وابن أبي حاتم في تفسيره 6/ 1877 (10055)، والطبراني في الكبير (6259، 6262) من طرق عن إياس بن سلمة به.¥ الآية [التوبة: 105].
وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}: تكونوا شهداءَ لمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الأُممِ؛ اليهودِ والنصارَى والمجوسِ ¬تقدم أوله في ص 627.¥.
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نجيح، قال: يأْتى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يومَ القيامةِ بإذنِه ¬في ت 2: "بادية"، وغير منقوطة في ت 1. وينظر الدر المنثور 1/ 146.¥ ليس معه أحدٌ، فتَشْهَدُ له أمةُ محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن قد ¬كتب مقابله في حاشية الأصل: "ربه لا صلى". ولم نهتد إلى صوابها.¥ بلَّغهم.
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، أنه سمِع عُبيد بنَ عُميرٍ [يقولُ. فذكَر] (2) مثلَه ¬تفسير مجاهد ص 215. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 146 إلى عبد بن حميد.¥.
وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسين، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ أبي نجيح، عن أبيه، قال: يأتى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يومَ القيامةِ. فذكَر مثلَه، ولم يذكُرْ عُبيدَ بنَ عُميرٍ ¬بعده في م: "مثله".¥.
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} أي: أنَّ رسلَهم قد بلّغتْ قومَها عن ربِّها، {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} على أنَّه قد بلَّغ رسالاتِ رِّبه إلى أُمتِه.
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادَةَ: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}: لتكونَ هذه الأمةُ شهداءَ على الناسِ أن الرسُلَ قد بلَّغتهم، ويكونَ الرسولُ على هذه الأمةِ شهيدًا أن قد بلَّغ ما أُرْسِل به ¬تفسير عبد الرزاق 9/ 60، 61.¥.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن زيدِ ابنِ أسلمَ، أنّ قومَ نوحٍ يقولون يومَ القيامةِ: لَمْ يبلِّغْنا نوحٌ. فيُدْعَى نوحٌ فيُسألُ: هل بلَّغتَهم؟ فيقولُ: نعم، [قد بلَّغتُهم] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. فيقالُ: من شُهودُك؟ فيقولُ: أحمدُ وأُمتُه. فتُدْعَوْن فتُسأَلون فتقولون: نعم قد بلَّغهم. فيقولُ قومُ نوحٍ: كيف تَشْهدون ¬في الأصل: "يشهدون".¥ علينا ولم تُدْرِكونا ¬في الأصل: "يدركونا".¥؟ قالوا: قد جاءنا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "جاء".¥ نبيُّ اللهِ فأخبَرنا أنه قد بلَّغكم، وأُنزلَ عليه أنه قد بلَّغكم، فصدَّقْناه. قال: فيُصدَّق نوحٌ [ويكذبون هم] ¬في م: "ويكذبونهم".¥. قال: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 61.¥.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبد الرزّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أن الأممَ يقولون يومَ القيامةِ: واللهِ لقد كادت هذه الأمةُ أن يكونوا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "تكون".¥ أنبياءَ كلَّهم. لِما يَرَوْن اللهَ أعطاهم ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 61.¥.
وحدَّثني المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المباركِ، عن رِشدِينَ ¬في م: "راشد"، وفي ت 1، ت 2، ت 3: "رشد".¥ بنِ سعدٍ، قال: أخبرني ابنُ أنعمٍ المَعافرِىُّ، عن حِبّانَ بنِ أبى جَبَلةَ، يُسْنِدُه ¬في م: "بسنده".¥ إلى رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "إذا جمَع اللهُ عبادَه يومَ القيامَة كان أوَّلَ من يُدْعَى إسْرافيلُ، فيقولُ له ربُّه: ما فعَلْتَ في عَهْدى؟ هل بَلَّغْتَ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم رَبِّ، قد بَلَّغْتُه جبْريلَ. فيُدْعَى جبْرِيلُ فيقالُ له: هل بَلَّغَك ¬في م: "بلغت".¥ إسْرافيلُ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم ربِّ، قد بَلَّغنى. فيُخَلَّى عن إسرافيلَ، ويقالُ لجبريلَ: هل بَلَّغْتَ عَهْدى؟ فيقولُ: نعم قد بَلَّغْتُ الرُّسُلَ. فتُدْعَى الرسلُ فيقالُ لهم: هل بَلَّغَكم جبريلُ عَهْدِى؟ فيقولون: نعم رَبَّنا. فيُخَلَّى عن جبريلَ، ثم يقالُ للرسلِ: ما فَعَلتم بعَهْدى؟ فيقولون: بلَّغْنا أُمَمَنا. فتُدْعى الأُممُ فيقالُ: هل بَلَّغَكم الرسلُ عَهْدى؟ فمنهم المُكَذِّبُ، ومنهم المُصدِّقُ، فتقولُ الرسلُ: إن لنا عليهم شُهودًا يَشْهَدون أنْ قد بَلَّغْنا مع شَهادتِك. فيقولُ: من يَشْهَدُ لكم؟ في
قولون: أُمَّةُ أحمدَ. فتُدْعَى أُمةُ أحمدَ. فيقولُ: أتَشْهَدُون أن رسلي هؤلاء قد بَلَّغوا عَهْدى إلى من أُرْسِلوا إليه؟ فيقولون: نعم رَبَّنا، شهِدْنا أنْ قد بَلَّغوا. فتقولُ تلك الأُممُ: ربَّنا ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، كيف يَشْهَدُ علينا من لَمْ يُدْرِكْنا؟ فيقولُ لهم الرَّبُّ: كيف تَشْهَدون على من لَمْ تُدْرِكوا؟ فيقولون: رَبَّنا بَعَثْتَ إلينا رسولًا، وأنزَلْت إلينا عهْدَك وكتابَك، وقصَصْتَ علينا أنهم قد بَلَّغُوا، فشهِدْنا بما عَهِدْتَ إلينا. فيقولُ الرَّبُّ: صَدَقُوا. فذلك قولُه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}. والوسطُ العدلُ: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} ". قال ابنُ أنعمٍ: فبلَغنى أنه يشهَدُ يومئذٍ أمةُ محمدٍ إلَّا من كان في قلبِه حِنَةٌ ¬الحنة: العداوة، وهي لغة قليلة في الإحنة. النهاية 1/ 453.¥ على أخيه ¬إسناده مرسل ضعيف؛ رشدين وعبد الرَّحمن بن زياد بن أنعم ضعيفان. وأخرجه ابن المبارك في الزهد (1598)، ومن طريقه ابن أبي الدنيا في الأهوال (237).¥.
حَدَّثَنَا المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا أبو زهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}: يَعْني بذلك الذين استَقاموا على الهدَي، فهم الذين يكونون شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ، لتكذيبِهم رسلَ اللهِ، وكفرِهم بآياتِ اللهِ.
وحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}. يقولُ: لتكونوا شهداءَ على الأُمَمِ الذين خلَوْا من قبلِكم بما جاءتهم به ¬سقط من، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ رسلُهم، وبما كذَّبوهم، فقالوا يومَ القيامةِ وعجِبوا: إن أمةً لَمْ يكونوا في زمانِنا، فآمَنوا بما جاءَت به رسلُنا، وكذَّبْنا نحن بما جاءُوا به! فعجِبوا كلَّ العجبِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 249 (1335) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، بأوله.¥.
وقولُه: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} يعنى: بإيمانِهم به، وبما أُنزِل عليه.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}: يعنى أنهم شهداءُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "شهدوا".¥ على القرونِ بما سمَّى اللهُ لهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} قال: أمةُ محمدٍ شُهداءُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الإيمان".¥ على من ترَك الحقَّ حين جاءَه، [والإيمانَ] ¬سقط من: ت 1، ت 2، ت 3، وفي م: "قالها".¥ والهدَى ممن كان قبلَنا. [وقالها] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ. قال: وقال عطاءٌ: هم ¬في م: "ممن".¥ شهداءُ على من ترَك الحقَّ، من ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 250 (1337) من طريق حجاج به.¥ ترَكه من الناسِ أجمعين، جاء ذلك أمةَ محمدِ في كتابِهم، {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} على أنَّهم قد آمَنوا بالحقِّ حين جاءهم، وصدَّقوا به ¬في م: "الأربعة".¥.
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} قال: رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شاهدٌ على أمَّتِه، وهم شهداءُ على الأُمَمِ، وهم أحدُ الأشهادِ الذين قال اللهُ: {وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] [والأشهادُ أربعةٌ:] ¬¥ الملائكةُ الذين يُحصُون أعمالَنا، لنا وعلينا. وقرَأ قولَه: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ} [ق: 21] وقال: هذا يومُ القيامةِ. قال: والنبيُّون شهداءُ على أُممِهم. قال: وأمةُ محمدٍ شهداءُ على الأُممِ. قال: والأطوارُ الأجسادُ والجلودُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 5/ 352 إلى المصنّف وابن أبي حاتم، بلفظ: الأشهاد أربعة. . . .
وقوله: "الأطوار". لعل الصواب: "الأطراف". وفي التبيان 2/ 7: قال ابن زيد: الأشهاد أربعة. . . . والجوارح كما قال: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا}: ولم نجعَلْ صرْفَك عن القبلةِ التي كنتَ على التوجُّهِ إليها يا محمدُ، فصرَفْناكَ عنها، إلَّا لنعلَمَ من يتَّبِعُك ¬بعده في م: "ممن لا يتبعك".¥ ممن ينقلِبُ على عَقِبيه.
والقبلةُ التي كان -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عليها، التي عناها اللهُ بقولِه: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا}، هي القبلةُ التي [كان يتوجَّهُ] ¬في م: "كنت تتوجه".¥ إليها قبلَ أن يَصْرِفَه ¬في م: "يصرفك".¥ إلى الكعبةِ.
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، عن أسباطَ، عن السديِّ: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} يَعنى بيتَ المقدِس ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 250 عقب الأثر (1340) عن أبي زرعة، عن عمرو به.¥.
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا}؟ قال: القبلةُ بيتُ المقدسِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 250 (1340) من طريق حجاج به.¥.
وإنما ترَك ذكرَ الصرفِ عنها اكتِفاءً بدَلالةِ ما قد ذُكِر من الكلامِ على معْناه، كسائرِ ما قد ذكرْنا فيما مضَى من نظائرِه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 139 - 141، 178 - 180.¥.
وإنما قلنا ذلك معْناه؛ لأن محنةَ اللهِ أصحابَ رسولِه في القبلةِ إنما كانت -فيما تظاهَرَت به الأخبارُ- عند التحويلِ من بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ، حتى ارتدَّ -فيما ذُكر- رجالٌ ممن كان قد أسلَم واتَّبعَ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وأظهَر ¬في الأصل: "أصر".¥ كثيرٌ من المنافقين من أجلِ ذلك نفاقَهم، وقالوا: ما بالُ محمدٍ يحوِّلُنا مرَّةً إلى ههنا، ومرَّةً إلى ههنا. ومرَّةً إلى ههنا. وقال المسلمون [في أنفسِهم وفي من] ¬في م: "فيما".¥ مضَى من إخوانِهم المسلمين، وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ: بطَلَتْ أعمالُنا وأعمالُهم وضاعتْ. وقال المشرِكون: تحيّرَ محمدٌ في دينِه. فكان ذلك فتنةً للناسِ وتمحيصًا للمؤمنين، فلذلك قال جل ثناؤُه: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} بمعْنى ¬في م: "أي".¥: وما جعلْنا صرْفَك عن القبلةِ التي كنتَ عليها. وتحويلَك إلى غيرِها. كما قال جل ثناؤُه: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ} [الإسراء: 60] بمعنى: وما جعلْنا خبرَك عن الرُّؤْيا التي أرَيناك.
وذلك أنه لو لم يكنْ أخبرَ القومَ بما كان أُرِىَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لم يكنْ فيه على أحد فتنةٌ. وكذلك القبلةُ الأُولى التي كانت نحوَ بيتِ المقدسِ لو لم يكنْ صرفٌ عنها إلى الكعبةِ، لم يكنْ فيها على أحدٍ فِتْنةٌ ولا محنةٌ.
ذِكرُ الأخبارِ التي رُوِيت في ذلك بمعْنى ما قلنا
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: كانت القبلةُ فيها بلاءٌ وتَمْحيصٌ، صلَّتِ الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ حولَيْن قبل قدومِ نبيِّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المدينةَ ¬سقط من: م.¥، وصلَّى نبيُّ اللهِ بعد قُدومِه المدينةَ مهاجرًا نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ ¬في م: "سبعة".¥ عَشرَ شهرًا، ثم وَجَّهه اللهُ بعدَ ذلك إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}؟ لقد اشتاقَ الرجلُ إلى مولدِه! قال اللهُ: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. فقال أناسٌ لمّا صُرِفت القبلةُ نحوَ البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التي كنا نعمَلُ في قبلتِنا الأُولَى؟ فأنزلَ اللهُ جل ثناؤُه: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}، وقد يَبْتلى اللهُ العبادَ بما شاء من أمرِه، الأمرَ بعدَ الأمرِ؛ ليعلمَ من يُطيعُه ممن يَعصِيه، وكلُّ ذلك مقبولٌ إذا كان في إيمانٍ باللهِ، وإخلاصٍ له، وتَسليمٍ لقضائِه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 143 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وتقد
م أوله في ص 624، 625.¥.
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدس، فنَسَختها الكعبةُ، فلمّا تَوجَّه قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا؛ فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا، ثم ترَكوها وتوجَّهُوا ¬بعده في م: "إلى".¥ غيرَها؟ وقال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبلَ بيتِ المقدسِ، هل تَقبَّل اللهُ منّا ومنهم أم لا؟ وقالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولدِه، ولو ثبَت على قبلتِنا، لكنا نرجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذي ننتظِرُ. وقال المشرِكون من أهلِ مكةَ: تحيّرَ [محمدٌ على] ¬في م: "على محمد".¥ دينِه، فتوجَّه بقبلتِه إليكم، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه، ويوشِكُ أن يدخُلَ في دينِكم. فأنزَل اللهُ في المنافقين: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} إلى قولِه: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} وأنزلَ في الآخَرين الآياتِ بعدَها ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 142 إلى المصنف. وتقدم أوله
في ص 624. وينظر ما سيأتي في ص 687.¥.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}؟ فقال عطاءٌ: يَبْتليهم ليعلمَ من يُسلِمُ لأمرِه. قال ابنُ جُريجٍ: بلَغنى أن ناسًا ممن أسلَم رجَعوا فقالوا: مرَّةً ههنا ومرَّةً ههنا ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 251 عقب الأثر (1342) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 146 إلى المصنف.¥!
فإن قال لنا قائلٌ: أوَ ما كان اللهُ عالمًا بمن يتَّبعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيه، إلا بعدَ اتِّباعِ المتَّبعِ، وانقلابِ المنْقلِبِ على عَقِبيه، حتى قال: ما فعَلْنا الذي فعَلْنا من تحويلِ القبلةِ إلا لنعلَمَ المتَّبِعَ رسولَ اللهِ من المنقلِبِ على عَقِبيه؟
قيل: إن اللهَ جل ثناؤُه هو العالمُ بالأشياءِ كلِّها قبلَ كونِها، وليس قولُه: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [بخبرٍ عن] ¬في م: "يخبر".¥ أنه لم يعلَمْ ذلك إلا بعدَ وجودِه.
فإن قال: فما معْنى ذلك؟
قيل له: أمّا معْناه عندَنا فإنه: وما جعَلْنا القبلةَ التي كنتَ عليها إلا ليعلمَ رسولي وحِزْبى وأوْليائِي مَن يتَّبِعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيه، فقال جل ثناؤُه: {إِلَّا لِنَعْلَمَ}. ومعناه: ليعلَمَ رسولي وأوليائِى. إذْ كان رسولُه وأولياؤُه من حزْبِه، وكان من شأنِ العربِ إضافةُ ما فعَلته أتباعُ الرئيسِ إلى الرئيسِ، وما فعَل بهم إليه، نحوَ قولِهم: فتَح عمرُ بنُ الخطابِ سوادَ العراقِ، وجبَى خراجَها. وإنما فعَل ذلك أصحابُه عن سببٍ كان منه في ذلك.
وكالذي رُوِى في نظيرِه عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: "يقولُ اللهُ: مَرِضْتُ فلم يَعُدْنى عَبْدى، واسْتقْرَضْتُه فلم يُقْرِضْنى، وشَتَمَنى ولم يَنْبَغِ له أن يَشْتُمَنى".
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ، عن محمدِ بنِ جعفرٍ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يقولُ ¬في م: "قال".¥ اللهُ: استقْرَضْتُ عَبْدى فلم يُقْرِضنى، وشَتَمَنى ولم يَنْبَغِ له أن يَشْتُمَنى، يقولُ: وادَهْراه. [وأنا] ¬في الأصل: "أنا".¥ الدهْرُ، أنا الدهْرُ".
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بنحوِه.
فأضاف تعالى ذكرُه الاستقراضَ والعيادةَ إلى نفسِه، وإن ¬في م: "قد".¥ كان ذلك بغيرِه، إذْ كان ذلك عن سَببِه.
وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: أجوعُ في غيرِ بطنى، وأعْرَى في غيرِ ظهرِى. بمعنى جوعِ أهلِه وعيالِه، وعُرْىِ ظهورِهم. فكذلك قولُه: {إِلَّا لِنَعْلَمَ} بمعنى: يعلَمُ أوليائى وحِزْبى. وبنحوِ ما ¬في م: "الذي".¥ قلْنا في ذلك [قالت جماعةٌ من] ¬في م: "قال".¥ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}. قال ابنُ عباسٍ: لنَميزَ أهلَ اليقينِ من أهلِ الشكِّ ¬في م: "الشرك".¥ والرِّيبةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 250 (1341) من طريق أبي صالح به.¥.
وقد ¬سقط من: م.¥ قال بعضُهم: إنما قيلَ ذلك من أجلِ أن العربَ تضَعُ العِلْمَ مكانَ الرؤْيةِ، والرؤيةَ مكانَ العلمِ، كما قال جل ثناؤُه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1]، فزعَم أن معنى: {أَلَمْ تَرَ} ألم تعْلَمْ؟ وزعَم أن معنى قولِه: {إِلَّا لِنَعْلَمَ} بمعنى: إلا لنَرى من يتّبعُ الرسولَ. وزعَم أن قولَ القائلِ: رأيْتُ وعلِمتُ وشهِدتُ. حروفٌ تتعاقَبُ، فيوضَعُ بعضُها موضعَ بعضٍ، كما قال جريرُ ابنُ عطيةَ ¬ديوان جرير 2/ 1004.¥:
كأنّك لم تَشْهَدْ لَقِيطًا وحاجِبًا ... وعمرَو بنَ عمرٍو إذ دعا ¬في الديوان: "دعوا".¥ يا لدارِمِ
بمعنى: كأنك لم تعلَمْ لقيطًا؛ لأن بينَ هُلْكِ لَقيطٍ وحاجبٍ وزمانِ جريرٍ ما لا يَخْفى بُعدُه من المُدَّةِ، وذلك أن الذين ذكَرهم هلَكوا في الجاهليةِ، وجريرٌ كان بعدَ بُرهةٍ مضَت من مجئِ الإسلامِ.
وهذا تأويلٌ بعيدٌ؛ من أجلِ أن الرؤْيةَ وإن استُعْملت في موضعِ العلمِ، من أجلِ أنه مستحِيلٌ أن يَرَى أحدٌ شيئًا، فلا توجِبُ له ¬سقط من: م.¥ رؤيتُه إياه علْمًا بأنه قد رآه، إذا كان صحيحَ الفِطرةِ، فجاز من الوجهِ الذي أثبَتَه رؤيةً أن يُضافَ إليه إثباتُه إياه علْمًا، وصحَّ أن يدُلَّ بذكرِ الرؤيةِ على معنى العلمِ من أجلِ ذلك، فليس ذلك وإن جاز ¬في م: "كان".¥ في الرؤيةِ -لما وصفْنا- بجائزٍ في العلمِ، فيدُلَّ بذكرِ الخبرِ عن العلمِ على الرؤْيةِ؛ لأن المرءَ قد يعلَمُ أشياءَ كثيرةً لم يرَها ولا يراها، ويستَحِيلُ أن يَرى شيئًا إلا علِمه، [على ما] ¬في م: "كما".¥ قد قدَّمنا البيانَ، مع أنه غيرُ موجودٍ في شيء من كلامِ العربِ أن يقالَ: علِمتُ كذا. بمعنى: رأيتُه. وإنما يجوزُ توجيهُ معانى ما في كتاب اللهِ الذي أنزَله على محمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الكلامِ، إلى ما كان موجودًا مثلَه في كلامِ العربِ، دونَ ما لم يكنْ موجودًا في كلامِها، فموجودٌ في كلامِها: رأيتُ ¬في الأصل: "أرأيت".¥ بمعنى: علِمتُ ¬في الأصل: "أعلمت".¥. وغيرُ موجودٍ في كلامِها: علِمتُ ¬¥ بمعنى: رأيتُ ¬¥. فيجوزُ توجيهُ قولِه ¬¥: {إِلَّا لِنَعْلَمَ}
إلى معنى: إلَّا لنرَى.
وقال آخرون: إنما قيل: {إِلَّا لِنَعْلَمَ} من أجلِ أنّ المنافقين واليهودَ وأهلَ الكفرِ باللهِ أنكَروا أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه يعلَمُ الشيء قبلَ كونِه، وقالوا -إذْ قيل لهم: إن قومًا من أهلِ القبلةِ سيرْتدُّون على أعقابِهم إذا حُوِّلت قبلةُ محمدٍ إلى الكعبةِ-: ذلك غيرُ كائنٍ. أو قالوا: ذلك باطلٌ. فلمَّا فعَل اللهُ ذلك، وحوَّل القبلةَ، وكفَر من أجلِ ذلك من كفَر، قال جل ثناؤه: ما فعَلتُ إلا ليُعلَمَ ¬في م: "لنعلم ما".¥ عندَكم -أيها ¬بعده في م: "المشركون".¥ المنكِرون علْمِى بما هو كائنٌ من الأشياءِ قبل كونِه- أنى عالمٌ بما هو كائِنٌ مما لم يكنْ بَعدُ.
فكأنّ معْنى قائِلِى ¬في م: "قائل".¥ هذا القولِ في تأويلِ قولِه: {إِلَّا لِنَعْلَمَ}: إلا ليتبيَّن ¬في م: "لنبين".¥ لكم أنّا نعلمُ من يتَّبعُ الرسولَ ممّن ينقلبُ على عَقِبَيْه. وهذا وإنْ كانَ وجهًا لهُ مَخْرجٌ، فبعيدٌ من المفهومِ.
وقال آخرون: إنّما قيل: {لِنَعْلَمَ} -وهو بذلك عالمٌ قبلَ كونِه، وفي [حالِ كونِه] ¬في م: "كل حال".¥ - على وجهِ الترفُّقِ ¬في م: "الترفيق".¥ بعبادِه واستمالتِهم إلى طاعتِه، كما قال جلَّ ثناؤه: {قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سبأ: 24] وقد عَلِم أنه على هدًى وأنهم على ضلالٍ مبينٍ، ولكنَّه رفَق بهم في الخطابِ، فلم يقُلْ: إنا على هدًى وأنتم على ضلالٍ. فكذلك قولُه: {إِلَّا لِنَعْلَم} معناه عندَهم: إلا لتعلَموا أنتم إذْ كنتم جُهّالًا به قبلَ أن يكونَ. فأضاف العلمَ إلى نفسِه، رفقًا بخطابِهم.
وقد بينَّا القولَ الذي هو أولَى ¬بعده في م: "في".¥ ذلك بالحقِّ.
فأما قولُه: {مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ}. فإنه يعنى: الذي يتَّبعُ محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رسولَ اللهِ، فيما يأمرُه اللهُ به، فيتوَجَّهُ ¬في م: "فيوجه".¥ نحوَ الوجهِ الذي يتوجَّهُ نحوَه محمدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وأما قولُه: {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} فإنه يعنى به ¬سقط من: م.¥: من الذي يرتدُّ عن دينِه، فيُنافقُ، أو يكفُرُ، أو يخالفُ محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في ذلك، ممن يُظهِرُ اتِّباعَه.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} قال: من إذا دخَلته شبهةٌ رجَع عن اللهِ، وانقَلب كافرًا على عَقِبيْه.
وأصلُ المرتدِّ على عَقِبيه -[وهو] ¬في م: "هو".¥ المنقلِبُ على عَقِبيه- الراجِعُ مستدبِرًا في الطريقِ الذي قد كان قطَعه، منصرِفًا عنه، فقيل ذلك لكلِّ راجعٍ عن أمرٍ كان فيه، من دينٍ أو خبرٍ ¬في م: "خير".¥، ومن ذلك قولُه: {فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا} [الكهف: 64] بمعنى: رجَعا في الطريقِ الذي كانا سلَكاه.
وإنما قيل للمرتدِّ: مُرتدٌّ. [من ذلك] ¬سقط من: م.¥؛ لرُجوعِه عن دينِه وملَّتِه التي كان عليها. وإنما قيل: رجَع على عَقِبيه. لرُجوعِه دُبُرًا علَى عَقِبيْه ¬في م: "عقبه".¥ إلى الوجهِ الذي كان فيه بدءُ سيرِه قبلَ مرجِعِه عنه. فجُعل ¬في م: "فيجعل".¥ ذلك مثلًا لكلِّ تاركٍ أمرًا وآخذٍ آخرَ غيرَه، إذا انصَرف عما كان فيه إلى الذي كان له تاركًا فأخذَه، فقيل: ارتدَّ فلانٌ على عَقِبيْه (5)، وانقلَب على عَقِبيْه.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ}.
اختلَف أهلُ التأويلِ في التي وصَفها اللهُ جل ثناؤه بأنها كانت كبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ.
فقال بعضُهم: عنَى جل ثناؤُه بالكبيرةِ التوليةَ من بيتِ المقدسِ شطرَ المسجدِ الحرامِ والتحويلةَ ¬في م: "التحويل".¥، وإنما أُنِّثت ¬في م: "أنث".¥ الكبيرةُ لتأنيثِ التوليةِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ [قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ] ¬سقط من: م.¥، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: قال اللهُ: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} يعنى: تحويلَها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 251 (1344) من طريق عبد الله بن صالح به.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا الضّحّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} قال: ما أُمِروا به [من التَّحوُّلِ] ¬في الأصل: "في التحويل".¥ إلى الكعبةِ من بيتِ المقدسِ ¬تفسير مجاهد ص 216، ومن طريقه ابن أبي حاتم 1/ 251 (1343)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 146 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه. {لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ}. قال: كبيرةٌ حين حُوِّلتِ القبلةُ إلى المسجدِ الحرامِ، فكانت كبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 61، 62.¥.
وقال آخرون: بل الكبيرةُ هي القبلةُ بعينِها التي كان -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يتوجَّهُ إليها من بيتِ المقدسِ قبلَ التحويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] ¬سقط من النسخ، وهو من الأسانيد الدائرة.¥ عن أبي العالية: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً}. أي قبلةَ بيتِ المقدسِ: {إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 251 عقب الأثر (1343) من طريق أبي جعفر به.¥.
وقال بعضُهم: بل الكبيرةُ هي الصلاةُ التي كانوا صلَّوْها ¬في م: "يصلونها".¥ إلى القبلةِ الأُولى.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} قال: صلاتَكم حتى يَهِديَكم اللهُ القبلةَ ¬سيأتي بتمامه في ص 650.¥.
وقد حدَّثني ¬بعده في م: "به".¥ يونسُ مرَّةً أُخرى فقال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً}. قال: صلاتَكم ¬في م: "صلاتك".¥ ههنا -يعنى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا- وانحرافَكم ¬في م: "انحرافك".¥ ههنا.
وقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: أُنِّثت الكبيرةُ لتأنيثِ القبلةِ، وإيّاها عنَى جل ثناؤُه بقولِه: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً}.
وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: بل أُنِّثث الكبيرةُ لتأنيثِ التوليةِ والتحويلةِ.
فتأويلُ الكلامِ على معنَى ما تأوَّلَه قائلُو هذه المقالةِ: وما جعلَنا تحويلَتَنا إيّاكَ عن القبلةِ التي كنتَ عليها وتولِيتَنَاكَ عنها، إلا لنعلَمَ من يتبِعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيْه، وإن كانت تحويلَتُنا إياك عنها وتولِيتُنَاكَ لكبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ.
وهذا التأويلُ أولَى التأويلاتِ عندي بالصوابِ؛ لأن القومَ إنما كبُر عليهم تحويلُ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وجهَه عن القبلةِ الأولَى إلى الأُخْرى، لا عينُ القبلةِ، ولا الصلاةُ؛ لأن القبلةَ الأولَى والصلاةَ قد كانت وهي غيرُ كبيرةٍ عليهم. إلا أن يُوجِّهَ موجِّهٌ تأنيثَ الكبيرةِ إلى القبلةِ، ويقولَ: اجتُزِئ بذكرِ القبلةِ من ذكرِ التوليةِ والتحويلةِ؛ لدَلالةِ الكلامِ على معنى ذلك. كما قد وصفنا ذلك ¬في م: "لك".¥ في نظائرِه ¬ينظر ما تقدم في 1/ 39 - 141، 178 - 180، 2/ 638، 639.¥، فيكونَ ذلك وجهًا صحيحًا، ومذهبًا مفهومًا.
ومعنَى قولِه: {لَكَبِيرَةً}: عظيمةً.
كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} قال: كبيرةٌ في صدورِ الناسِ، فيما يدخُلُ الشيطانُ به ابنَ آدمَ، قال: ما لهم صلَّوْا إلى ههنا ستةَ عشرَ شهرًا ثم انحرفُوا! فكبُر ¬بعده في م: "ذلك".¥ في صُدورِ من لا يعرِفُ ولا يعقِلُ والمنافقين، قالوا: أيُّ شيء هذا الدينُ؟ وأما الذين آمنوا فثبَّت اللهُ ذلك في قلوبهم. وقرَأ قولَ اللهِ: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ}. قال: صلاتُكم حتى يَهدِيَكم للقبلةِ.
وأما قولُه: {إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ} فإنه يعنى به: وإن [كانت نَقْلَتُناكَ] ¬في م: "كان تقليبتناك".¥ عن القبلةِ التي كنتَ عليها لعظيمةً إلا على من وفَّقه اللهُ فهَداه لتصديقِك، والإيمانِ ¬بعده في م: "بك و".¥ بذلك، واتباعِك فيه، وفيما أنزلَ اللهُ عليك.
كما حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ}. يقولُ: إلا على الخاشِعين، يعْنى المصدِّقين بما أنزَل اللهُ.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قيل: عَنَى بالإيمانِ في هذا الموضعِ الصلاةَ.
ذكرُ الأخبارِ التي رُوِيت بذلك وذكرُ قولِ من قاله
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ وعُبيدُ اللهِ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، جميعًا عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما وُجِّه رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى الكعبةِ قالوا: كيف بمن مات من إخوانِنا قبلَ ذلك وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ؟ فأنزلَ اللهُ: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ¬أخرجه أحمد 5/ 298 (3249) -ومن طريقه الخلال في السنة (1143) - والترمذي (2964)، وابن حبان (1717) من طريق وكيع به. وأخرجه الدارمي 1/ 281، والحاكم 2/ 269 من طريق عبيد الله بن موسى به. وأخرجه أحمد 4/ 426، 495، 5/ 118 (2691، 2774، 2964)، والطبراني في الكبير (11729) من طرق عن إسرائيل به. وأخرجه الطيالسي (2795 - طبعتنا)، وأبو داود (4680) من طريق سماك به.¥.
حدَّثني إسماعيلُ بنُ موسى السديِّ، قال: أخبرنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِ اللهِ عز وجل: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال: صلاتكُم نحوَ بيتِ المقدسِ ¬أخرجه الطيالسي (758 - طبعتنا)، وسعيد بن منصور في سننه (225 - تفسير)، والخلال في السنة (1142)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 251 (1347)، وأبي عمر وعثمان بن محمد السمرقندي في الفوائد المنتقاة ص (85)، وابن منده في الإيمان (168) من طرق عن شريك به.¥.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازِيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ نحوَه.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ نُفَيلٍ ¬بعده في م: "عن".¥ الحرّانيُّ، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: مات على القبلةِ قبلَ أن تُحوَّلَ إلى البيتِ رجالٌ وقُتلوا، فلم ندْرِ ما نقولُ فيهم، فأنزلَ اللهُ: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} ¬تقدم أوله في ص 620.¥.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال أناسٌ من الناسِ لما صُرِفَت القبلةُ نحوَ البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التي كنا نَعملُ في قبلَتِنا الأُولى ¬سقط من: م.¥؟. فأنزل اللهُ: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما توجَّه رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِبَلَ المسجدِ الحرامِ، قال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبَلَ بيتِ المقدسِ، هل تقبَّل اللهُ منَّا ومنهم أم لا؟ فأنزَل اللهُ فيهم: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال: صلاتَكم قِبَلَ بيتِ المقدسِ. يقولُ: إن تلك كانت ¬زيادة من: م.¥ طاعةً وهذه طاعةٌ.
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيهِ، عن الربيعِ، قال: قال ناسٌ لما صُرِفت القبلةُ إلى البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التي كنا نعملُ في قبلَتِنا الأولَى؟ فأنزلَ اللهُ: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} الآية.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريحٍ: أخبرني داودُ بنُ أبى عاصمٍ، قال: لما صُرِف [رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-] ¬في م: "صليتموها".¥ إلى الكعبةِ، قال المسلمون: هلَك أصحابُنا الذين كانوا يصلُّون إلى بيتِ المقدسِ. فنزَلت: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} يقولُ: صلاتَكم التي صلَّيتم ¬¥ من قبلِ أن تكونَ القبلةُ. وكان المؤمنون قد أشفَقوا على من صلَّى منهم أن لا تُقبلَ صلاتُهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 146 إلى المصنف.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال ¬سقط من: م.¥: صلاتَكم.
حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الضِّرارىُّ ¬في م: "الفزارى". وينظر تهذيب الكمال 24/ 482.¥، قال: أخبرنا مؤمَّلٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ في هذه الآيةِ: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال: صلاتَكم نحوَ بيتِ المقدسِ.
قال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنَى (2) الإيمانِ التصديقُ، وأن التصديقَ قد يكونُ بالقولِ وحدَه، وبالفعلِ وحدَه، وبهما جميعًا ¬ينظر ما تقدم في 1/ 240، 241.¥.
فمعنى قولِه: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} -على ما تظاهَرتْ به الرِّوايةُ من أنه الصلاةُ-: وما كان اللهُ ليُضيعَ تصديقَكم ¬في م: "تصديق".¥ رسولَه عليه الصلاةُ والسلامُ بصلاتِكم التي صلَّيتُموها نحوَ بيتِ المقدسِ عن أمرِه؛ لأن ذلك كان منكم تصديقًا لرسولي، واتِّباعًا لأمرِي، وطاعةً منكم لي ¬بعده في م: "قال".¥. وإضاعتُه إياه جل ثناؤُه -لو أضاعَه- تركُ إثابةِ أصحابِه وعامليه عليه، فيذهَبُ ضياعًا، ويصيرُ باطلًا، كهيئةِ إضاعةِ الرجلِ مالَه، وذلك إهلاكُه إياه فيما لا يَعتاضُ منه عِوَضًا في عاجلٍ ولا آجلٍ. فأخبرَ اللهُ جل ثناؤُه أنه لم يكنْ بالذي ¬سقط من ت م، وفي ت 1: "عمل".¥ يُبطِلُ عمَلَ عاملٍ عمِل له عملًا وهو له طاعةٌ، فلا يُثيبُه عليه، وإن نُسِخ ذلك الفرضُ بعدَ عملِ العاملِ إياه على ما كلَّفه من عملِه.
فإن قال لنا ¬سقط من: م.¥ قائلٌ: وكيف قال اللهُ: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} فأضاف الإيمانَ إلى الأحياءِ المخاطَبين، والقومُ المخاطَبون بذلك إنما كانوا أشفَقُوا على إخوانِهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ، وفي ذلك من أمرِهم أُنزلت هذه الآيةُ؟
قيل: إن القومَ وإن كانوا قد ¬في م: "فيدخل".¥ أشفَقوا من ذلك، فإنهم أيضًا قد كانوا مشفِقين من حُبوطِ ثوابِ صلاتِهم التي صلَّوْها إلى بيتِ المقدسِ قبلَ التحْويلِ إلى الكعبةِ، وظنُّوا أن عملَهم ذلك قد بطَل وذهَب ضياعًا، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ حينَئذٍ، فوجَّه الخطابَ بها إلى الأحياءِ ودخَل فيهم الموتَى منهم؛ لأن من شأنِ العربِ إذا اجتَمع في الخبرِ المخاطَبُ والغائبُ، أن يُغَلِّبوا المخاطَبَ، فيُدْخلوا ¬في م: "فيردوا".¥ الغائبَ في الخطابِ، فيقولُوا لرجلٍ خاطَبوه على وجهِ الخبرِ عنه، وعن آخرَ غائبٍ غيرِ حاضرٍ: فعلْنا بكما وصنعْنا بكما. كهيئةِ خِطابِهم لهما وهما حاضِران، ولا يَسْتجِيزون أن يقولوا: فعلْنا بهما. وهم يُخاطِبون أحدَهما، فردُّوا ¬في م: "الغيب". وهما بمعنى. وينظر ص 188.¥ المخاطَبَ إلى عدادِ الغائبِ ¬ينظر ما تقدم في 1/ 124 - 134.¥.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثثاؤُه: {إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)}.
ومعنى قولِه جلّ ثناؤه: {إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} أن اللهَ بجميعِ عبادِه ذُو رأفةٍ. والرأفةُ على معانى الرحمةِ، وهي عامةٌ لجميعِ الخلقِ في الدنيا ولبعضِهم في الآخرةِ، وأمّا الرحيمُ، فإنه ذُو الرحمةِ للمؤمنين في الدنيا والآخرةِ على ما قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ ¬¥.
وإنما أراد جل ثناؤُه بذلك أن اللهَ أرحمُ بعبادِه من أن يُضِيعَ لهم طاعةً أطاعُوه بها فلا يُثِيبَهم عليها، وأرأفُ بهم من أن يُؤاخذَهم بتركِ ما لم يَفرِضْ عليهم، أي: فلا تأسَوْا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلُّون إلى بيتِ المقدسِ، فإني لهم -على طاعتِهم إيأي بصلاتِهم التي صلَّوها كذلك - مثيبٌ؛ لأنى أرحمُ بهم من أن أُضيعَ لهم عملًا عمِلوه لى، ولا تحزَنُوا عليهم، فإني غيرُ مؤاخِذِهم بتركِهم الصلاةَ إلى الكعبةِ؛ لأنى لم أكنْ فرضْتُ ذلك عليهما، وأنا أرأفُ بخلقى من أن أعاقِبَهم على تركِهم ما لم آمرْهم بعملِه.
وفى الرءوفِ لغاتٌ: إحداها، "رَؤُفٌ" على مثالِ (فعُل)، كما قال الوليدُ بنُ عقبةَ ¬البيت في تفسير القرطبى 2/ 158، والبحر المحيط 1/ 427.
وللوليد بن عقبة أبيات يحض فيها معاوية على قتال على رضي الله عنهما، وهذا البيت يدور معناه في فلك هذه الأبيات، غير أنه ليس منها. ينظر هذه الأبيات في تاريخ الطبرى 4/ 564، واللسان (ح ل م).¥:
وشَرُّ الطّالبين ¬في البحر المحيط: "الظالمين".¥ فلا تَكُنْهُ ... بقاتِلِ ¬في تفسير القرطبى: "يقاتل"، وفي البحر المحيط: "يقابل".¥ عَمِّه الرَّؤُفُ الرَّحيمُ
وهى قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ. والأُخْرى: رَءوفٌ على مثالِ (فَعولٍ). وهي قراءةُ عامةِ قَرَأَةِ أهلِ ¬سقط من: م. وقراءة "لرؤفٌ" هي قراءة أبى عمرو وعاصم في رواية أبى بكر، وحمزة والكسائي، وقراءة "لرءُوفٌ" هي قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية حفص، وروَى الكسائي عن أبى بكر عن عاصم "لرؤفٌ".¥ المدينةِ. ورَئِفٌ، وهي لغةُ غَطَفَانَ، على مثالِ (فَعِل)، مثل "حَذِر". ورأْفٌ، على مثالِ (فعْل) بجزمِ الهمزِ ¬في م: "العين"، والقراءتان الأخيرتان شاذتان.¥، وهي لغةٌ لبنى أسَدٍ.
والقراءةُ على أحدِ الوجْهين الأوَّلين.

Tafsir in other languages · 6