تفسير ابن كثير
{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)}.
يذكّر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثه الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - إليهم يتلو عليهم آيات الله مبينات ويزكيهم؛ أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب وهو: القرآن والحكمة، وهي: السنّة، ويعلّمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية ¬في الجاهلية: بياض في (عش).¥ الجهلاء يسفهون بالقول الفِرى ¬الفرى: جمع فرية وهي الكذبة (النهاية 3/ 443).¥، فانتقلوا ببركة رسالته ويمن سفارته إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرّهم قلوبهم، [وأقلّهم تكلُّفًا، وأصدقهم لهجة] ¬في الأصل: "وأقلها تكلفًا، وأصدقها" والتصويب من (عش) و (ح).¥. وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164)} الآية [آل عمران]، وذمّ من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28)} [إبراهيم: 28].
قال ابن عباس: يعني: بنعمة الله محمدًا ¬في الأصل: "يعني: محمدًا - صلى الله عليه وسلم -" والمثبت من (عش) و (ح).¥ - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره وقال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)}.
قال مجاهد في قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} يقول: كما فعلت فاذكروني ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥.
قال عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن موسى عَلَيْهِ السَّلام قال: "يا ربِّ كيف أشكرك؟ قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني" ¬سنده حسن، وهو من أخبار بني إسرائيل.¥.
قال الحسن البصري ¬ذكره ابن أبي حاتم.¥ وأبو العالية ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الجيد من طريق الربيع بن أنس عنه.¥ والسدي ¬و¥ والربيع بن أنس ¬ذكرهما ابن أبي حاتم.¥: إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذّب من كفره ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.¥.
وقال بعض السلف في قوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102]، قال: هو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عمارة الصيدلاني، أخبرنا مكحول الأزدي، قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والسارق والزاني يذكر الله وقد قال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}؟ قال: إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وسنده حسن.¥.
وقال الحسن البصري في قوله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} قال: اذكروني فيما افترضت عليكم أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق جسر اليمامي عن الحسن.¥.
وعن سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية: برحمتي ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه باللفظين.¥.
وعن ابن عباس في قوله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.¥.
وفي الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" ¬متفق عليه. أخرجه البخاري، الصحيح، التوحيد، باب قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] (ح 7405)، وصحيح مسلم، الذكر، باب الحث على ذكر الله تعالى (ح 2675).¥.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قال الله عَزَّ وَجَلَّ: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة - أو قال: في ملأ خير منهم -، وإن دنوتَ مني شبرًا دنوتُ منك ذراعًا، وإن دنوتَ مني ذراعًا دنوتُ منك باعًا، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول" ¬المسند 3/ 138، وأخرجه البخاري من طريق قتادة به (الصحيح، التوحيد، باب ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - وروايته عن ربه ح 7536).¥.
صحيح الإسناد أخرجه البخاري من حديث قتادة، وعنده قال قتادة: الله أقرب بالرحمة ¬قول قتادة لم أجده في رواية البخاري، وإنما ورد في المسند بلفظ: "فالله عَزَّ وَجَلَّ أسرع بالمغفرة" (المسند 3/ 138).¥.
وقوله تعالى: {وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد الخير فقال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)} [إبراهيم: 7].
وقال الإمام أحمد: حدثنا رَوح، حدثنا شعبة، عن الفضيل بن فضالة رجل من قيس، حدثنا أبو رجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خزّ ¬الخزّ: ثياب ينسج باطنها من صوف وظاهرها من حرير (انظر: النهاية 2/ 28، وفتح الباري 10/ 295).¥ لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أنعم الله عليه نعمة، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه". وقال رَوح مرة: "على عبده" ¬أخرجه الإمام أحمد في المسند 33/ 159 (ح 19934) وصححه محققوه.¥.