تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ}.
وإنما يَعْني بقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ}: علماءَ اليهودِ وأحبارَها وعلماءَ النصارى؛ لكِتْمانِهم الناسَ أمرَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وتركِهم اتِّباعَه، وهم يَجِدُونه عندَهم مكتوبًا في التوراةِ والإنجيلِ.
و ¬في م: "من".¥ "البينات" التي أنزَلها اللهُ عزَّ وجلَّ؛ ما بَيَّنَ مِن أمْرِ نُبوَّةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، ومَبعَثِه وصِفَتِه، في الكتابيْنِ اللَّذيْنِ أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه أن أهلَهما يَجِدون صفتَه فيهما.
ويعني جلَّ ثناؤه بـ {وَالْهُدَى}: ما أوْضَحَ لهم مِن أمرِه في الكُتُبِ التي أنزَلَها على أنبيائِهم، فقال عزَّ ذِكرُه: إن الذين يكتمونَ الناسَ الذي أنزلْنا في كُتُبِهم من البيانِ عن أمرِ محمدٍ ونبوَّتِه وصحةِ الملَّةِ التي أرْسَلْتُه بها وحَقِيقتِها ¬في م: "وحقيتها".¥ فلا يُخْبِرُونَهم به [وهم يعلَمون تَبْيينِي] ¬في م: "ولا يعلمون من تبييني".¥ ذلك للناسِ، وإيضاحِي لهم في الكتابِ الذي أنزَلْتُه إلى أنبيائِهم - {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} الآية.
كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قالَا جميعًا: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأَل معاذُ بنُ جبلٍ أخو بنِي سَلِمَةَ، وسعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأشهلِ، وخارجةُ ابنُ زيدٍ أخو بني الحارثِ بنِ الخَزْرَجِ - نَفَرًا مِن أحبارِ يَهودَ، مَال أبو كُريبٍ: عما في التَّوْراةِ. وقال ابنُ حميدٍ: عن بعضِ ما في التَّوْراةِ. فكَتَموهم إيَّاهُ، وأبَوْا أن يُخْبِرُوهم عنه، فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} ¬سيرة ابن هشام 1/ 551، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 268 (1439) من طريق سلمة به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 161 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فما قولِ اللهِ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى}. قال: هم أهلُ الكتابِ ¬تفسير مجاهد ص 218، بزيادة: "كتموا نعت محمد - صلى الله عليه وسلم - وصفته".¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى}. قال: كتمُوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وهم يَجِدُونه مَكْتوبًا عندَهم، فكَتَموه حَسَدًا وبَغْيًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 268 عقب الأثر (1441) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ}. أولئِكَ أهل الكتاب، كَتَمُوا الإسلامَ وهو دينُ اللهِ، وكَتَمُوا محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، وهم يَجِدُونه مَكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ ¬أخرجه ابن سعد 1/ 362، 363 من طريق سعيد به نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 161 إلى عبد بن حميد. وستأتي بقيته في ص 736.¥.
حدثني موسى، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ}. زعَموا أن رجلًا مِن اليهودِ كان له صديقٌ من الأنصار يُقالُ له: ثَعلبةُ بنُ عَنَمةَ ¬في م: "غنمه"، وفي ت 1: "عثمة". وينظر الإصابة 1/ 406.¥. قال له: هل تجِدون محمدًا عندَكم؟ قال: لا. قال: محمدٌ: البيناتُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 162 إلى المصنف.¥.
[ويَعْنى بقولِه] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "القول في تأويل قوله تعالى".¥: {مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ}. بعضَ الناسِ؛ لأن العلمَ بنبوَّةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وصفتِه، ومبعثِه لم يكنْ إلا عندَ أهلِ الكتابِ، دونَ غيرِهم، وإيَّاهم عَنَى بذلك عزَّ وجل. ويعني جلَّ ذِكرُه بالكتابِ التوراةَ والإنجيلَ، وهذه الآيةُ وإن كانت نزلتْ في خاصٍّ من الناسِ، فإنها مَعنيٌّ بها كلٌّ كاتمٍ علمًا فرَض اللهُ تعالَى عليه بيانَه للناسِ، وذلك نظيرُ الخبرِ الذي رُوِيَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "مَن سُئِلَ عن عِلْمٍ يَعْلَمُه فَكَتَمَه، أُلْجِمَ يومَ القيامةِ بلجامٍ مِن نارٍ" ¬أخرجه أحمد 13/ 17 (7571)، وأبو داود (3658)، والترمذي (2649)، وابن ماجه (261، 264، 266) من حديث أبي هريرة وغيره.¥.
وكان أبو هريرةَ يقولُ بما حدثنا به نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا حاتمُ بنُ وَرْدانَ، قال: ثنا، أيوبُ السَّخْتيانيُّ، [عن محمدٍ] ¬سقط من: م.¥، عن أبي هريرةَ، قال: لولا آيةٌ في كتابِ اللهِ ما حدَّثْتُكم. وتلا: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} ¬أخرجه عبد الرزاق في التفسير 1/ 64، وابن سعد في الطبقات 2/ 362، 363، وأحمد 12/ 221 (7276)، والبخاري (118)، ومسلم (2492)، وغيرهم من طريق الأعرج عن أبي هريرة. وينظر الدر المنثور 1/ 163.¥.
حدثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زُرعةَ وهْبُ اللهِ بنُ راشدٍ، عن يونسَ قال: قال ابنُ شهابٍ، قال ابنُ المسيَّبِ، قال أبو هريرةَ: لولا آيتان أنزَلهما اللهُ في كتابِه ما حَدَّثْتُ شيئًا: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى}، إلى آخرِ الآيةِ ¬في الأصل، ت 1، ت 2، ت 3: "الآيتين". وهو لفظ مسلم في الموضع الآتي.¥. والآيةُ الأخرى: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} ¬أخرجه مسلم (2492) عقب حديث عائشة، من طريق يونس به، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 268 (1440) من طريق ابن شهاب به. وعندهما بغير ذكر آية آل عمران.¥ [آل عمران: 187] إلى آخرِ الآيةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)}.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}: هؤلاءِ الذين يَكْتُمون ما أنزَل اللهُ مِن أمرِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وصفتِه وأمرِ دينِه، أنه الحقُّ، مِن بعدِ ما بيَّنَه اللهُ لهم في كتُبِهم، يَلْعَنُهم اللهُ بكِتْمانِهم ذلك وتَرْكِهم تَبْيِينَه للناسِ. واللعنةُ الفَعْلةُ. مِن: لَعَنه اللهُ، بمعنى: أقصاهُ اللهُ وأبعدَه وأسْحقَه. وأصلُ اللعنِ: الطَّرْدُ، كما قال الشَّماخُ بنُ ضِرارٍ، وذكَر ماءً ورَد عليه ¬ديوان الشماخ ص 321.¥:
ذَعَرْتُ به القَطا ونَفَيْتُ ¬في الأصل: "ونيت".¥ عنه ... مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللّعِينِ
يعني به مَقامَ الذئبِ الطَّرِيدِ، و"اللعينُ" من نعتِ الذئبِ، وإنما أرادَ: مَقامَ الذئبِ ¬بعده في م: "الطريد و".¥ اللعينِ كالرَّجلِ.
فمعنى الآيةِ إذًا: أولئِك يُبْعِدُهُم اللهُ منه ومِن رحمتِه، ويَسْأَلُ ربَّهم اللاعنون أن يَلْعَنَهم؛ لأن لعنةَ بني آدمَ وسائرِ خَلقِ اللهِ ما لَعنوا أن يقولوا: "اللهمَّ الْعَنْه". وإن كانَ معنى اللعنِ هو ما وصَفْنا مِن الإقْصَاءِ والإبْعادِ [وأما مِن اللهِ فالإبعادُ من رحمتِه] ¬سقط من: م.¥.
وإنما قُلْنا: إنَّ لعنةَ اللاعنين هي ما وصفنا مِن مَسْألتِهم ربَّهم أن يَلْعَنَهم، وقولِهم: لعنهُ اللهُ. أو: عليه لعنةُ اللهِ. لأن محمدَ بنَ خالدِ بنِ خِداشٍ ويعقوبَ بنَ إبراهيمَ حدَّثاني، قالا: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [قال: اللاعنون] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: البهائمُ، قال: إذا أَسْنَتَتِ ¬في م: "أسنت". وأسفتت السنة: أجدبت، من السنة وهو القحط: الجدب. ينظر اللسان (ج د ب).¥ السنةُ، قالتِ البهائمُ: هذا من أجْلِ عُصاةِ بني آدمَ، لعَن اللهُ عُصاةَ بني آدمَ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (236 - تفسير)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 269 (1446) من طريق إسماعيل ابن علية به.¥.
واختَلفَ أهلُ التأويلِ فيمنْ عنَى اللهُ تعالى ذِكرُه باللّاعِنين؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك دوابَّ الأرضِ وهوامَّها.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: تَلْعَنُهم دوابُّ الأرضِ وما شاء اللهُ من الخنافِسِ والعقاربِ، تقولُ: نُمْنَعُ القَطْرَ بذُنوبهم ¬أخرجه أبو نعيم في الحلية 3/ 286 من طريق جرير به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (237 - تفسير)، وابن أبي الدنيا في العقوبات (271)، والطبراني في الدعاء (955)، من طريق منصور به.¥.
حدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}. قال: دوابُّ الأرضِ: العقاربُ والخنافسُ يقولون: مُنِعْنَا القَطْرَ بخطايا بني آدمَ ¬تفسير سفيان ص 53. وأخرجه البيهقي في الشعب (3317) من طريق عبد الرحمن به.¥.
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} قال: تلعنهم الهوامُّ ودوابُّ الأرضِ، تقولُ: أُمْسِكَ القَطرُ عنا بخطايا بني آدمَ ¬أخرجه ابن المقرئ في معجمه (738) من طريق الأعمش عن مجاهد، بلفظ: يلعنهم كل شيء حتى هوام الأرض.¥.
حدثنا مُشَرَّفُ بنُ أبانٍ الخطَّابُ ¬في الأصل: "الحطاب". وينظر الثقات 9/ 203، وتاريخ بغداد 13/ 224. وقد تقدم قبل ذلك.¥، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ في قولِه: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}. قال: يَلْعَنُهم كلُّ شيْءٍ حتى الخنافسُ والعقاربُ، يقولون: مُنِعْنَا القَطْرَ بذنوبِ بني آدمَ ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 269 عقب الأثر (1447) معلقًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 162 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: اللّاعنون: البهائمُ.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}: البهائمُ تَلْعَنُ عُصاةَ بني آدمَ حينَ أمسكَ اللهُ عنهم بذنوبِ بني آدمَ القَطْرَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "المطر".¥، فتخرجُ البهائمُ فتَلْعَنُهم ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (236 - تفسير) من طريق ابن أبي نجيح به نحوه.¥.
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}: البهائمُ؛ الإبلُ والبقرُ والغنمُ، تلعنُ عصاةَ بني آدمَ إذا أجدبتِ الأرضُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 270 (1448) عن يونس بن عبد الأعلى به.¥.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ [قولِ هؤلاءِ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الذين وجَّهوا تأويلَ قولِه: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} إلى أنَّ اللّاعنين هُم الخنافسُ والعَقاربُ، وغيرُ ذلك مِن هوامِّ الأرضِ، وقد علمتَ [أن العربَ] ¬في م: "أنها".¥ إذا جَمعتْ ما كانَ من نوعِ البهائمِ وغيرِ بني آدمَ، فإنما تَجْمَعُه بغيرِ الياءِ والنونِ وغيرِ الواوِ والنونِ، وإنما تجمَعُه بالتاءِ، وما خالف ما ذكرنَا، فتقولُ: "اللاعِنَاتُ". ونحوُ ذلك؟
قيل: إن الأمرَ وإن كان كذلك، فإنَّ مِن شأنِ العربِ إذا وَصَفَتْ شيئًا من البهائمِ أو غيرِها مما حُكْمُ جَمعِه أن يكونَ "بالتاءِ"، أو ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "و".¥ بغيرِ صُورةِ جَمْعِ ذُكرانِ بني آدمَ بما هو مِن صفةِ الآدميِّينَ - أن يَجمَعُوه جَمْعَ ذُكورِهم، كما قال عزَّ وجلَّ: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} [فصلت: 21]. فأخرَج خطابَها ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "خطابهم".¥ على مثالِ خطابِ ذكورِ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ بني آدمَ إذ كلَّمَتْهم، وكلَّمُوها، وكما قال: {يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18]. وكما قال: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4].
وقال آخرون: عنى اللهُ تعالى ذِكرُه بقولِه: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}: الملائكةَ والمؤمنين.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: حدثنا سعيدٌ] ¬سقط من: م.¥، عن قتادةَ: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}. قال: يقولُ: اللاعنون مِن ملائكةِ اللهِ ومن المؤمنين ¬تقدم أوله في ص 731.¥.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [قال: اللاعنون] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ الملائكةُ ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 65.¥.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ ابنِ أنسٍ، قال: اللَّاعنون مِن ملائكةِ اللهِ والمؤمنين ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 269 عقب الأثر (1445) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وقال آخرون: يعني باللَّاعنِين: كلَّ ما عَدا بني آدمَ والجنَّ ¬في الأصل: "الحن".¥.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} قال: قال البراءُ بنُ عازبٍ: إنَّ الكافرَ إذا وُضِعَ في قبرِه أتتْهُ دابةٌ كأن عيْنَيْها قِدرانِ مِن نُحاسٍ معها عمودٌ من حديدٍ، فتَضْرِبُه ضَرْبةً بينَ كَتِفَيْه فيَصِيحُ، فلا يَسْمَعُ أحدٌ صوتَه إلا لَعنَهُ، ولا يبقَى شيْءٌ إلا سمِع صوتَه، إلا الثقلين الجنَّ والإنْسَ ¬هذا الحديث جزء من حديث البراء الطويل المشهور، وقد أخرجه الطيالسي (789) فراجع تخريجه هناك. وسيأتي في تفسير سورة إبراهيم آية (27).¥
حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: {أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}. قال: الكافرُ إذا وُضِعَ في حفرَتِه ضُربَ ضَرْبةً بمِطْرَقٍ فيَصِيحُ صَيْحةً فيَسمَعُ صَوْتَه كلُّ شيْءٍ إلَّا الثَّقَلين؛ الجنَّ والإنسَ، فلا يَسْمَعُ صَيْحَتَه شيْءٌ إلَّا لعَنه ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 162 إلى المصنف.¥.
وأوْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ عندنا قولُ مَن قال: اللاعنون: الملائكةُ والمؤمنون؛ لأنّ اللهَ تعالى ذِكرُه قد وصَف الكفارَ بأن اللّعنةَ التي تَحِلُّ بهم إنما هي مِن اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، فقال جلَّ ثناؤه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}. فكذلك اللعنةُ التي أخبَر اللهُ جلَّ ذِكرُه أنها نازلةٌ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "حالة".¥ بالفريقِ الآخرِ: الذين يَكْتُمونَ ما أنزلَ اللهُ مِن البيِّناتِ والهُدى من بعدِ ما بيَّنه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بيناه".¥ للناسِ، هي لعنةُ اللهِ الذين ¬في م: "التي".¥ أخبرَ أن لعنتَهم حالَّةٌ بالذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ، وهم اللاعنون؛ لأن الفريقَينْ جميعًا أهلُ كفرٍ.
وأما قولُ مَن قال: إنّ اللَّاعنِين هم الخنافِسُ والعقاربُ وما أشبَه ذلك من دَبيبِ الأرضِ وهَوامِّها. فإنه قولٌ لا تُدرَكُ حقيقَتُه إلا بخبرٍ عن اللهِ أن ذلك مِن فعلِها [وقيلِها] ¬سقط من: م. وفي ت 1، ت 2، ت 3: "وفعلها".¥، تقومُ به الحجّةُ، ولا خبرَ بذلك عن نبيِّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فيجوزَ أن يقالَ: إنَّ ذلك كذلك.
وإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ مِن القولِ فيما قالوه أن يُقالَ: إن الدليلَ مِن ظاهرِ كتابِ اللهِ موجودٌ بخلافِ هذا ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أهل".¥ التأويلِ، وهو ما وصفْنَا، وإن كان جائزًا أن تكونَ البهائمُ وسائرُ خلقِ اللهِ تَلْعَنُ الذين يكتُمونَ ما أنزلَ اللهُ في كتابِه من صِفَةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ونَعْتِه ونُبُوتهِ، بعدَ علْمِهم به، وتَلْعَنُ معهم جميعَ الظَّلَمَةِ، [غيرَ أنه غيرُ] ¬في م: "فغير".¥ جائزٍ قطعُ الشهادةِ بأنَّ ¬في م: "في أن".¥ اللهَ عَنى باللَّاعنين البهائمَ والهوامَّ ودَبيبَ الأرضِ، إلا بخبرٍ للعذرِ قاطعٍ، ولا خبرَ بذلك، وكتابُ اللهِ الذي ذكرناه دالٌّ على خِلافِه.