تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ}.
والصَّفَا: جمعُ صَفَاةٍ، وهي الصخْرةُ المَلْساءُ، ومنه قولُ الطِّرِمُّاحِ بنِ حكيمٍ ¬ديوانه ص 24. وفيه يؤيس بدلا من يؤبس، وهما بمعنى. وينظر التاج (أ ب س، أ ي س).¥:
أبَى لي ذُو القُوَى والطَّوْلِ ألَّا ... يُؤِّبسَ ¬ذو القوى والطول: هو الله تعالى ذكره، ويؤبس: يذلل ويكسر. ينظر التاج (أ ب س).¥ حافِرٌ أبَدًا صَفَاتِي
وقد قيل: إن الصَّفَا واحدٌ، وأنه يُثنَّى صفَوَان، ويُجمعُ أصْفاءٌ وصُفِيًّا وصِفيًّا.
واستشهَدوا على ذلك بقولِ الراجزِ ¬هو الأخيل الطائي. كما في اللسان (ن ف ى، هـ ى ص، هـ ى ض). وينظر أمالي القالي 2/ 8.¥:
كأنَّ مَتْنَيْه مِن النَّفِيِّ ¬في الأصل، ت 1، ت 3، وفي ت 2: "التقى" والنفى: ما وقع عن الرِّشاء من الماء على ظهر المُستقى. وقيل: هو تطاير الماء عن الرشاء عند الاستقاء. اللسان (ن ف ى).¥
مَوَاقِعُ الطَّيْرِ على الصُّفِيِّ
وقالوا: هو نظيرُ عَصَا وعُصِيٍّ ورَحَا ورُحِيٍّ وأرْحَاءَ ¬ينظر تفسير الطبري تحقيق الشيخ محمود شاكر 2/ 225.¥.
وأمَّا المرْوَةُ فإنَّها الحصاةُ الصغيرةُ يُجمعُ قليلُها؛ مَرَوَاتٌ، وكثيرُها؛ المرْوُ مثلُ تمْرَةٍ وتمَراتٍ وَتمْرٍ. كما قال الأعشى ميمونُ بنُ قَيْسٍ ¬ديوانه ص 241.¥:
[وتُولِّى الأرْضَ] ¬في م: "وترى بالأرض". وفي ت 2: "وترى الأرض".¥ خُفًّا زائِلًا ¬في الأصل: "زابلا"، وفي الديوان: "مجمرًا".¥ ... فإذا ما صادَف المَرْوَ رَضَحْ ¬رضَح الحصى والنَّوى يَرْضَحه رَضْحا. كسره ودقَّه. التاج (ر ض ح).¥
يعني بالمرْوِ: الحصَى ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الصخر". وينظر القاموس المحيط (م ر و).¥ الصغارَ، ومِن ذلك قولُ أبي ذؤيبٍ الهُذَليِّ ¬ديوان الهذليين 1/ 3 وشرح أشعار الهذليين 1/ 9، واللسان: (ش ر ق).¥:
حتى كأنّي للحَوَادِثِ مَرْوَةٌ ... بصَفا المُشَرَّقِ ¬قال الضبي: المشرَّق المُصلَّى. قال ابن الأنباري: وإنما خص المشرق؛ لكثرة مرور الناس به. ديوان المفضليات ص 857.¥ كلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
[ويُقالُ: المشقَّرُ] ¬سقط من: الأصل. والمشقر: لفظ رواية أبي عبيدة، قال ابن الأنباري: يعني سوق الطائف.
ينظر المصدر السابق.¥. وإنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولهِ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ}. في هذا الموضعِ: الجَبَلَيْن المسمَّيَيْنِ بهذَيْنِ الاسْمَيْنِ اللذَيْنِ في حَرَمِه دونَ سائرِ الصَّفا والمرْوةِ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "المرو".¥، ولذلك أدخَل فيهما الألفَ واللَّامَ؛ ليُعْلِمَ عبادَه أنه عنَى بذلك الجبلَينْ المعروفَيْن بهذَيْن الاسمَيْن، دون سائرِ الأصفاءِ والمرْوِ.
وأما قولُه: {مِنْ شَعَائِرِ اللهِ}. فإنه يَعْني به: مِن معالم اللهِ التي جعَلَها جلَّ ثناؤُه لعبادِه مَعْلَمًا ومَشْعَرًا يعبدونَه عندَها إمَّا بالدُّعاءِ، وإمَّا بالذِّكرِ ¬في الأصل: "الصلاة". وفي ت 3: "بالفكرة".¥، وإما بأداءِ ما فُرضَ عليهم من العملِ عندَها، ومنه قولُ الكُميْتِ ¬البيت في اللسان، والتاج (ش ع ر).¥ بنِ زيدٍ: نُقَتِّلُهُمْ جِيلًا ¬في م: "جبيلا".¥ فجِيلًا نَرَاهُمُ ¬في م، واللسان، والتاج: "تراهم". وينظر تفسير الطبري للشيخ محمود شاكر 2/ 226 حاشية (3).¥ ... شَعائِرَ قُرْبانٍ بِهِمْ نَتَقَرَّبُ ¬في م، ت 2، ت 3: "يتقرب".¥
وكان مجاهدٌ يقولُ في الشعائرِ ما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، حدثنا عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ}. قال: من الخيرِ الذي أَخبَركم عنه ¬تفسير مجاهد ص 217، بزيادة ستأتي في ص 716، 723، 728.¥.
فكأنّ مجاهدًا كان يرى أن الشعائرَ إنما هو جمعُ شَعِيرةٍ من إشْعارِ اللهِ عبادَه أمْرَ الصفَا والمروةِ، وما عليهم في الطوافِ بهما، بمعنى ¬في م: "فمعناه".¥ إعلامِهم ذلك، وذلك تأويلٌ من المَفْهومِ بعيدٌ.
وإنما أعلَمَ اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ}. عبادَه المؤمنين أن السَّعيَ بينهما مِن مَشاعرِ الحجِّ التي سنَّها لهم، وأمَر بها خليلَه إبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم -، إذْ سألَه أن يُرِيَه مناسكَ الحجِّ، وذلكَ وإنْ كان مَخرجُه مَخرَجَ الخبرِ، فإنه مرادٌ به الأمرُ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد أمَر نبيَّه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - باتِّباعِ مِلةِ إبراهيمَ عليه السلامُ، فقال له: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123] وجعَل تعالى ذِكرُه إبراهيمَ إمامًا لمن بعدَه، فإذا كان صحيحًا أن الطوافَ والسعيَ بينَ الصفَا والمروةِ مِن شعائرِ اللهِ ومن مَناسِكِ الحجِّ، فمعلومٌ أنَّ إبراهيمَ - صلى الله عليه وسلم -، قد عمِل به، وسنَّه لمَنْ بعدَه، وقد أُمِرَ نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - وأُمَّتُه باتِّباعِه، فعليهمُ العملُ بذلكَ على ما بيَّنه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ}.
يعني تعالى ذِكرُه: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ} فمَن أتاه عائدًا إليه بعدَ بدءٍ، وكذلك كلُّ مَن أكثَرَ الاختلافَ إلى شيْءٍ فهو حاجٌّ إليه، ومنه قولُ الشاعرِ ¬هو المخبل السعدى، والبيت في البيان والتبين 3/ 97، وفي التاج (س ب ب). واللسان (س ب ب، ح ج ج، ز ب ر ق).¥:
وأَشْهدَ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثيرةً ... يَحُجُّونَ بيتَ ¬كذا في النسخ، وفي مصادر التخريج: "سِبّ" والسب: هو العمامة كما ذهب إليه الجاحظ ووافقه الطبري، وذهب غيرهم إلى أن السب هنا هي الاست. ينظر تعليق الشيخ شاكر 3/ 228.¥ الزِّبْرِقانِ ¬الزبرقان: هو حصين بن بدر الفزاري من سادات العرب. المصدر السابق (س ب ب).¥ المُزَعْفَرَا
يعني بقولِه يَحجُّون: يُكثِرون التردُّدَ إليه لسُؤْدَدِه ورِياسَتِه، وإنَّما قيل للحاجِّ: حاجٌّ. لأنه يأتي البيتَ قبلَ التعريفِ ¬التعريف: الوقوف بعرفات. اللسان (ع ر ف).¥، ثم يعودُ إليه للطوافِ ¬في م، ت 3: "لطواف" وفي ت 2: "مرة بعد أخرى لطواف".¥ يومَ النَّحْرِ بعدَ التعريفِ، ثم يَنْصَرِفُ عنه إلى مِنًى، ثم يعودُ إليه لِطوافِ الصَّدَرِ ¬طواف الصدَر: هو طواف الوداع. وسمى بذلك؛ لأن الناس يصدرون عن مكة بهذا الطواف إلى أماكنهم بعد قضاء نسكهم. ينظر تاج العروس (ص د ر).¥، فلِتَكْرَارِه العَوْدَ إليه مرَّةً بعدَ أُخرى قيل له: حاجٌّ. وأما المعتمرُ فإنما قيلَ له: مُعْتَمِرٌ. لأنه إذا طاف به انْصَرَف عنه بعدَ زيارتِه إيّاه، وأما قولُه: {أَوِ اعْتَمَرَ} فإنه يعني: أو اعتمَرَ البيتَ، ويعني بالاعتمارِ الزيارَةَ، فكلُّ قاصدٍ لشيْءٍ فهو له مُعتمِرٌ، ومنه قولُ العَجَّاجِ ¬ديوانه ص 50.¥:
لَقَدْ سَمَا ابنُ مَعْمَرٍ حينَ اعْتَمَرْ
مَغْزًى بَعيدًا مِن بَعيدٍ وضَبَرْ ¬قال الأصمعي: إذا وثب الفرس فوقع مجموعة يداه، فذلك الضَّبْرُ. التاج (ض ب ر).¥
يعني بقولِه حينَ اعْتَمر: حين قصَدَه وأَمَّه.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}.
يعني تعالى ذِكرُه بقولِه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. يقولُ: فلا حَرَجَ عليه ولا مأْثَمَ في طوافِه بهما.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ هذا الكلامِ، وقد قلْتَ لنا: إنّ قولَه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} وإنْ كان ظاهرُه ظاهرَ الخبرِ، فإنَّه في معنى الأمْرِ بالطوافِ بهما ¬في الأصل: (بينهما).¥؟ فكيف يكونُ أمْرًا بالطوافِ، ثم يقالُ: لا جُناحَ على مَن حَجَّ البيتَ أو اعْتَمر في الطوافِ بهما. وإنما يُوضعُ الجُناحُ عمن أتَى ما عليه بإتيانِه الجُناحَ والحَرَجَ، فالأمرُ بالطوافِ بهما، والترخيصُ في الطوافِ بهما غيرُ جائزٍ اجتماعُهما في حالٍ واحدةٍ؟! قيلَ: إنّ ذلك بخلافِ ما إليه ذهبتَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "ذهب".¥، وإنما معنَى ذلك عندَ أقوامٍ أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لما اعتمَرَ عُمرةَ القضيَّةِ تَحَوَّبَ ¬في م: "تخوّف"، والتَّحوُّبُ: التحوُّج والتأثُّم. وينظر اللسان (ح و ب).¥ أقوامٌ كانوا يَطُوفون بهما في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ لصَنَمَيْن كانا عليْهما؛ تعظيمًا منهم لهما فقالوا: وكيف نطوفُ بهما، وقد علِمْنَا أن تعظيمَ الأصنامِ وجميعِ ما كانَ مِن ذلك يُعبدُ مِن دونِ اللهِ باللهِ شِركٌ، [وطوافُنا] ¬في م، ت 1، ت 3: "ففي طوافنا". وفي ت 2: "بطوافين في صلواتنا".¥ بهذيْن الحَجَريْن أحدُ ذلك؛ لأن الطوافَ
بهما في الجاهِليةِ إنما كان للصنمينِ اللذينِ كانَا عليهمَا، وقد جاء اللهُ اليومَ بالإسلامِ ولا سبيلَ إلى تعظيمِ شيْءٍ مع اللهِ بمعنى العبادةِ له؟! فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه في ذلك مِن أمرِهمْ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} يعني: إنّ الطوافَ بهما. فترَك ذِكرَ الطوافِ بهما اكتفاءً بذكرِهما منه، إذْ كان معلومًا عند المخاطَبِينَ به أن معناهُ: من معالمِ اللهِ التي جعَلها عَلَمًا لعبادِه يَعبُدونَه عندَهما بالطوافِ بينَهما ويَذْكُرونه عليْهما وعندَهما، بما هو له أهلٌ من الذِّكرِ، فمَن حجَّ البيتَ أو اعتمَرَ فلا [يَتَحَوَّبَنَّ مِن] ¬في م: "يتخوفن".¥ الطوافِ بهما، مِن أجلِ ما كان أهلُ الجاهليةِ يَطوفُون بهما، مِن أجلِ الصنَمَيْن اللّذيْن كانَا عليهما، فإنّ أهلَ الشركِ كانوا يَطوفُون بهما كفرًا، وأنتم تَطوفُون بهما إيمانًا بي ¬سقط من م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ وتصديقًا لرسولِي، وطاعةً لأمْرِي، فلا جُناحَ عليكم في الطوافِ بهما.
والجنُاحُ: الإثمُ. كما حدثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. يقولُ: ليس عليه إثمٌ ولكنْ له أجرٌ.
وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك تظاهرتِ الروايةُ عن السَّلفِ من الصحابةِ والتابعين.
ذِكرُ الأخبارِ التي رُويتْ بذلك
حدثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشواربِ: قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشَّعبيِّ، أن وَثَنًا كان في الجاهليةِ على الصَّفَا يُسمَّى إسَافًا، ووَثَنًا على المَرْوةِ يُسمَّى نائلةَ، فكان أهلُ الجاهليةِ إذا طافوا بالبيتِ مسَحُوا الوثَنَيْن؛ فلمَّا جاء الإسلامُ وكُسرت الأوثانُ، قال المسلمون: إن الصّفا والمروةَ إنما كان يُطافُ بهما من أجلِ الوثَنينْ، وليس الطوافُ بهما مِن الشعائرِ. قال: فأنزَل اللهُ أنهما من الشعائرِ: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (234 - تفسير) من طريق داود بن أبي هند به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 160 إلى عبد بن حميد وابن المنذر، وعزاه الحافظ في الفتح 3/ 500 إلى الفاكهي وإسماعيل القاضي في الأحكام بإسناد صحيح عن الشعبي.¥.
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعبيِّ، نحوَه، وزادَ فيه، قال: فجعَله اللهُ تَطوُّعَ خيرٍ.
حدثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: كان صَنمٌ بالصَّفا يُدعى إسافًا، ووَثَنٌ بالمروةِ يُدعَى نائلةَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابنِ أبي الشواربِ، وزادَ فيه، قال: فذُكِّرَ الصَّفا من أجل الوثَنِ الذي كان عليه مذكَّرًا، وأُنِّث المروةُ من أجلِ الوثنِ الذي كان عليه مؤنَّثًا.
حدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن أبي زائدَةَ، قال: أخبَرني عاصمٌ الأحولُ، قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ: أَكُنتم تكرهون الطوافَ بينَ الصَّفَا والمروةِ حتى نزَلتْ هذه الآيةُ؟ فقال: نعم كنّا نَكرَهُ الطوافَ بينَهما؛ لأنهما مِن شعائرِ الجاهليةِ حتى نزَلتْ هذه الآيةُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} ¬أخرجه البخاري (1648)، ومسلم (1278)، والنسائي في الكبرى (3159)، وابن خزيمة (2768) من طرق عن عاصم به. وينظر ما سيأتي في ص 717، 723.¥.
حدثني عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، قال: سأَلتُ أنسًا عن الصفَا والمروةِ، فقال: كانتا من مشاعرِ أهلِ الجاهليةِ، فلما كان الإسلامُ أمْسَكوا عنهما، فنَزلتْ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} ¬أخرجه عبد بن حميد (1224 - منتخب)، والبخاري (4496)، والترمذي (2966)، وابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 267 (1432) من طريق سفيان به.¥.
حدثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ [قال: حدثني أبي] ¬سقط من: م.¥، قال: حدثني الحسينُ ¬في م: "أبو الحسين". ينظر تهذيب الكمال 6/ 472.¥ المعلِّمُ، قال: ثنا شيبانُ ¬في م: "سنان" وهو تحريف.¥ أبو معاويةَ، عن جابرٍ الجُعْفيِّ، عن عمرِو بنِ حُبشيٍّ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} قال: انْطلِقْ إلى ابنِ عباسٍ فاسْألْه، فإنه أعلمُ مَن بقيَ بما أُنزِل على محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، فأتيتُه فسألتُه، فقال: إنه كان عندَهما أصْنَامٌ ¬بعده في الأصل: "وعند البيت أصنام". وليس في مصدر التخريج.¥، فلمَّا حُرِّمْنَ أمسَكوا عن الطوافِ بينهما حتى أُنزلتْ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ¬ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 31 عن عمرو بن حبشي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 159 إلى المصنف.¥.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ}. وذلك أن ناسًا تَحرًّجُوا ¬في م: "كانوا يتحرّجون".¥ أن يَطَّوَّفُوا بينَ الصفَا والمروةِ، فأخبَر اللهُ أنهما مِن شعائرِه، والطوافُ بينَهما أحبُّ إليه ¬في الأصل: "إلى". وينظر مصدر التخريج.¥، فمضت السُّنةُ بالطوافِ بينَهما ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 159 إلى المصنف.¥.
حدثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. قال: زعَم أبو مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان في الجاهليةِ شياطينُ تعزِفُ ¬عزيف الجن: جرس أصواتها. اللسان (ع ز ف).¥ الليلَ أجمعَ بينَ الصفا والمروةِ، وكانت بينَهما آلهةٌ، فلمّا جاء الإسلامُ وظهَر، قال المسلمون: يا رسولَ اللهِ لا تَطُوفَنَّ ¬في م: "نطوف".¥ بينَ الصفَا والمروةِ، فإنه شِرْكٌ كنّا نَصْنَعُه ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "نفعله".¥ في الجاهليةِ فأنزَل اللهُ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 267 (1435)، والحاكم 2/ 271 من طريق عمرو عن أسباط به. كلاهما بزيادة في آخره "يقول: ليس عليه إثم ولكن له أجر". وأخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص 100 من طريق عامر بن الفرات، عن أسباط به.¥.
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} قال: قالت الأنصارُ: إن السعيَ بينَ هذينِ الحَجَريْن مِن أمرِ الجاهليةِ، فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} ¬أخرجه سعيد بن منصور سننه (235 - تفسير) عن ابن علية به. وتقدم أوله في ص 710.¥.
حدثني محمدُ بنُ عَمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
[حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥.
حدثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. قال: كان أهلُ الجاهليةِ قد وضَعوا على كلِّ واحدٍ منهما صنمًا يُعَظِّمونَهما؛ فلمَّا أسلَم المسلمون كرِهوا الطوافَ بالصفَا والمروةِ لمكانِ الصنَمينْ، فقال اللهُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} وقرَأ: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] وسَنَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الطوافَ بهما.
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: قلت لأنسِ بنِ مالكٍ: الصفَا والمروةَ أكنتمْ تكرَهون أنْ تطوفُوا بهما مع الأصنام التي نُهيتُم عنها؟ قال: نعمْ حتى نزَلتْ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} ¬تقدم تخريجه في ص 715.¥.
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: سَمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: إن الصفَا والمروةَ كانا من مشَاعرِ قريشٍ في الجاهليةِ، فلمَّا كان الإسلامُ تَرَكْنَاهُما.
وقال آخرون: بل أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ في سببِ قومٍ كانوا في الجاهليةِ لا يسعَوْنَ بينَهما، فلما جاءَ الإسلامُ تَحَوَّبوا ¬في م: "تخوّفوا".¥ السعْيَ بينَهما كما
كانوا يَتَحَوَّبُونه ¬في م: "يتخوّفونه".¥ في الجاهليةِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} الآيةَ، فكان حيٌّ مِن تِهامَةَ في الجاهليةِ لا يسعَوْن بينَهما، فأخبَرهمُ اللهُ أنّ الصفَا والمروةَ من شعائرِ اللهِ وكان من سُنةِ إبراهيمَ وإسماعيلَ الطوافُ بينَهما ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 160 إلى المصنف.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ تِهامةَ لا يَطُوفُونَ بين الصفَا والمروةِ، فأنزلَ اللهُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ}.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد اللهِ قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني عُقيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: حدَّثني عروةُ بنُ الزبيرِ، قال: سألتُ عائشةَ فقلتُ لها: أرأيتِ قولَ اللهِ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} وقلتُ لعائشةَ: واللهِ ما على أحدٍ جُناحٌ أن لا يطُوف بالصفَا والمروةِ؟ فقالتْ عائشةُ: بئسَ ما قلتَ يا ابنَ أختِي، إن هذه الآيةَ لو كانت كما أوَّلتَها كانت: لا جُناحَ عليه أن لا يطَّوَّفَ بهما، ولكنها إنما أُنزِلتْ في الأنصارِ كانوا قبلَ أنْ يُسْلموا يُهِلُّونَ لمنَاةَ الطاغيةِ التي كانوا يَعْبُدونَ بالمُشَلَّلِ ¬المشلّل، بالضم ثم الفتح: جبل يُهبط منه إلى قُديدٍ (موضع قرب مكة) من ناحية البحر. ينظر معجم البلدان 4/ 543، ومعجم ما استعجم 3/ 1055، 4/ 1217، 1233.¥، وكان مَن أهَلَّ لها يَتَحرَّج أن يَطُوفَ بالصفَا والمروةِ، فلمّا أسلموا سألوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنّا كنّا نتحرّجُ أن نطوفَ بالصَّفَا والمروةِ. فلما سألوا رسولَ اللهِ عن ذلك؛ أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه:
{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. قالت عائشةُ: ثم قدْ سنَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الطوافَ بينَهما، فليس لأحدٍ أن يترُكَ الطوافَ بينَهما ¬أخرجه مسلم (1277/ 262)، والبيهقي 5/ 96، 97 من طريق ليث به. وأخرجه أحمد 6/ 144، 227 (الميمنية)، والبخاري (1643، 4861)، ومسلم (1277/ 261، 263)، والترمذي (2965)، والنسائي (2967، 2968)، وأبن أبي حاتم في تفسيره 1/ 266 (1430، 1431) من طريق الزهري به. وسيأتي من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه في ص 721، 726.¥.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رجالٌ مِن الأنصارِ مِمَّن يُهِلُّ لمنَاةَ في الجاهليةِ، ومَناةُ صَنمٌ بينَ مكةَ والمدينةِ، قالوا: يا نبيَّ الله، إنّا كنا لا نطوفُ بينَ الصفَا والمروةِ تعظيمًا لمناةَ، فهلْ علينا مِن حَرَجٍ أن نطوفَ بهما؟ فأنزَل اللهُ تعالَى ذِكرُه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] قال عروةُ: فقلت لعائشةَ: ما أبالِي أن لا أطوفَ بينَ الصفَا والمروةِ، قال اللهُ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ} قالت: يا ابنَ أختِي، ألَا ترى أنه يقولُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ}. قال الزهريُّ: فذكرتُ ذلك لأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، فقال: هذا العلمُ! قال أبو بكرٍ: ولقد سمِعتُ رِجالًا مِن أهلِ العلمِ يقولون: لمّا أنزَل اللهُ الطوافَ بالبيتِ، ولم يُنزِلِ الطوافَ بينَ الصفَا والمروةِ، قيل للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنّا كُنا نطوفُ في الجاهليةِ بينَ الصفَا والمروةِ، وإنّ اللهَ قد
ذكَر الطوافَ بالبيتِ، ولم يَذْكُرِ الطوافَ بينَ الصفَا والمروةِ، فهل علينا مِن حرَجٍ أن لا نطوفَ بهما؟ فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} الآيةَ كلَّها. قال أبو بكرٍ: فأسمعُ هذه الآيةَ نزلتْ في الفريقينْ كلَيْهما؛ فيمن طافَ وفيمن لمْ يَطُفْ ¬أخرجه أحمد 6/ 162 (الميمنية)، وابن أبي داود في المصاحف ص 100 من طريق عبد الرزاق به.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، [قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ] ¬سقط من: م.¥، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ تِهامةَ لا يطوفون بينَ الصفَا والمروةِ، فأنزلَ اللهُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} ¬تقدم في ص 718.¥.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنَا، أن يُقال: إنّ اللهَ تعالى ذِكرُه قد جعَل الطوافَ بينَ الصفَا والمروةِ مِن شعائرِ اللهِ، كما جعَل الطوافَ بالبيتِ مِن شعائرِه، فأما قولُه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} فجائزٌ أن يكونَ قيلَ لكلَا الفريقين اللّذيْنِ تَحَوَّب ¬في م: "تخوف".¥ بعضُهم الطوافَ بهما مِن أجلِ الصّنميِنْ اللَّذيْنِ ذكَرهما الشعبيُّ ¬ينظر ما تقدم في ص 713.¥، وبعضُهْم من أَجْلِ ما كان مِن كراهتِهم الطوافَ بهما ¬في الأصل: "بينهما".¥ في الجاهليةِ على ما رُويَ عن عائشةَ. وأيُّ الأمريْنِ كان مِن ذلك فليس قولِ اللهِ تعالى ذِكرُه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} دَلالةٌ [في الآيةِ] ¬سقط من: م.¥ على أنه عَنى به وضْعَ الحرَجِ عمَّن طاف بهما، مِن أجلِ أن الطوافَ بهما كان غيرَ جائزٍ بحظْرِ اللهِ ذلك، ثم جَعَل الطوافَ بهما رُخْصةً؛ لإجماعِ الجميعِ على أنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه لم يَحظُرْ ذلك في وقتٍ، ثم رخَّص فيه بقولِه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}.
وإنما الاختلافُ في ذلك بينَ أهلِ العلمِ على أوْجُهٍ؛ فرأي بعضُهم أن تاركَ الطوافِ بينَهما تاركٌ من مَناسكِ حَجِّهِ ما لا يُجزئُه منه غيرُ قضائِه بعَيْنِه، كما لا يُجْزِئُ تاركَ الطوافِ، الذي هو طوَافُ الإفاضةِ إلا قَضاؤُه بعَيْنِه، وقَالوا: هما طوافانِ أمَر اللهُ بهما؛ أحدُهما بالبيتِ، والآخرُ بينَ الصفَا والمروةِ، [حُكْمُهما واحدٌ] ¬سقط من: م.¥.
ورأي بعضُهم أن تاركَ الطوافِ بهما يُجزئُه مِن تَرْكِه فِديةٌ، ورأَوْا أنَّ حُكمَ الطوافِ بهما حُكْمُ رَمْيِ بعضِ الجمَراتِ، والوقوفِ بالمشعَرِ، وطوافِ الصَّدَرِ، وما أشبهَ ذلك مما يُجزِئُ تارِكَه مِن تَرْكِه فديةٌ، ولا يَلْزَمُه العوْدُ لقضَائِه بعينِه.
ورأي آخرون أنَّ الطوافَ بهما تطوُّعٌ؛ إنْ فعَله فاعلٌ ¬في م: "صاحبه".¥ كان مُحْسنًا، وإن ترَكه تاركٌ لم يلْزَمْه بترْكِه شيْءٌ. واللهُ تعالى أعلمُ.
ذِكرُ مَن قال: إنّ الطوافَ ¬في م: "السعي".¥ بينَ الصفا والمروةِ واجبٌ ولا يُجزِئُ منه فديةٌ، ومَن ترَكهُ فعليه [العَوْدُ له] ¬في م: "العودة".¥
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالتْ: لعَمرِي ما حجَّ مَن لمْ يسْعَ بينَ الصَّفَا والمروةِ؛ لأنَّ اللهَ تبارك وتعالى يقولُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} ¬أخرجه مسلم (1277/ 259، 260)، وابن ماجه (2986) من طريق هشام بن عروة به. وسيأتي من طريق مالك عن هشام في ص 726. وسبق من طرق عن الزهري في ص 718، 719.¥.
حدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: مَن نَسِيَ السعيَ بينَ الصفَا والمروةِ، حتى يَسْتَبْعِدَ مِن مكّةَ فلْيَرْجِعْ فلْيَسْعَ، وإن كان قد أصابَ النساءَ فعليه العُمْرةُ والهَدْيُ ¬الموطأ 1/ 374 (130).¥.
وكان الشافعيُّ يقولُ: على مَن ترَك الطوافَ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، ت 3: "السعي".¥ بينَ الصفا والمروةِ حتى ¬في ت 2: "حين".¥ يرجعَ إلى بلدِه، العوْدُ إلى مكةَ حتى يطوفَ بينَهما، لا يُجزئُه غيرُ ذلك، حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ ¬الأم 2/ 210.¥.
ذِكرُ مَن قال: يُجزئُ منه دمٌ وليس عليه عَوْدٌ لقضائِه
قال الثوريُّ فيما حدَّثني به عليُّ بنُ سهل، عن زيدِ بنِ أبي الزرقاءِ عنه ¬ذكره ابن عبد البر في الاستذكار 12/ 202 (17351).¥، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن عاد تاركُ الطوافِ بينَهما لقضائِه فحسنٌ، وإن لم يعُدْ فعليه دَمٌ ¬ذكره ابن عبد البر في الاستذكار 12/ 202 (17352).¥.
ذِكرُ مَن قال: الطوافُ بينَهما تطوُّعٌ ولا شيْءَ على مَن ترَكه، ومَن كان يقرأُ: (فلا جُناحَ عليه أن لا يطَّوَّف بهما)
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: لو أن حاجًّا أفاض بعدَ رَمْي الجَمْرةِ؛ جَمرةِ العقبةِ فطاف بالبيتِ ولم يَسْعَ، فأصابَها، يعني امرأتَه، لم يكن عليه شيْءٌ؛ لا حجٌّ ولا عمرةٌ، من أجلِ قولِ اللهِ في مصحفِ ابنِ مسعودٍ: (فمَنْ حَجَّ البيتَ [أوِ اعتَمَرَ] ¬سقط من: الأصل. والقراءة في مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب، وهي أيضًا قراءة أنس وابن عباس وابن سيرين وشهر بن حوشب وهي قراءة شاذة. ينظر البحر المحيط 1/ 456.¥ فلا جُناحَ عليه أن لا يَطَّوَّف بهما). فعاودْتُه بعدَ ذلك، فقلتُ له ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: إنه قد ترَك سُنةَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ألا تَسْمَعُه يقولُ: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة: 184] فأبَى أن يَجْعَلَ عليه شيئًا ¬ذكره ابن عبد البر في الاستذكار 12/ 206 (17373) عن عطاء، وروى ابن حزم القراءة في المحلى 7/ 111 من طريق عبد بن حميد عن الضحاك عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن مسعود.¥.
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يقرأُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ¬أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص 163، وابن أبي داود في المصاحف ص 73 من طريق هشيم به. وأخرجه أبو عبيد ص 163، والبيهقي في المعرفة (2984) من طريق عبد الملك به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 160 إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري.¥.
حدثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، قال: سمِعتُ أنسًا يقولُ: الطوافُ بهما ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "بينهما".¥ تطوُّعٌ ¬تقدم طرف منه في ص 714 - 717. وينظر تفسير الثوري ص 53.¥.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرنا عاصمٌ الأحولُ، قال: قال أنسُ بنُ مالكٍ: هما تطوُّعٌ ¬تقدم أوله في ص 710.¥.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} قال: فلم يُحرِّجْ من لم يَطفْ بهما ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "أحمد".¥.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عيسى بن قيس".¥، عن قيسٍ ¬¥، عن عطاءٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ قال: هما تطوُّعٌ.
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ: السعيُ بينَ الصفَا والمروةِ تطوُّعٌ؟ فقال: تطوُّعٌ ¬تقدم طرف منه في ص 716.¥.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الطوافَ بهما فرضٌ واجبٌ، وأن على مَن ترَكه العَوْدَ لقضائِه، ناسيًا كان ترَكهَ ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ أو عامدًا، لا يُجزِئُهُ غيرُ ذلك، لتظاهُرِ الأخبارِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه حجَّ بالناسِ فكان مما علَّمهم من مناسكِ حجِّهم الطوافُ بهما.
ذِكرُ الروايةِ عنه بذلك
حدثني يوسُفُ بنُ سلمانَ البصريُّ ¬زيادة من الأصل.¥، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: لما دنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من الصفَا في حجَّتِه ¬في م: "حجة".¥، قال: " {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ}، ابدَءُوا بِمَا بَدأ اللهُ به ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3. "بذكره".¥ ".
فبدأَ بالصفَا فرقِى عليه ¬أخرجه عبد بن حميد (1133)، ومسلم (1218/ 147)، وأبو داود (1905)، وابن ماجه (3074) من طريق حاتم بن إسماعيل به. وهذا الحديث جزء من حديث جابر، الطويل المشهور. وينظر مسند الطيالسي (1773).¥.
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا محمود بنُ ميمونٍ أبو الحسنِ، عن أبي بكرِ بنِ عياشٍ، عن ابنِ عطاءٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: " {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} ". فأتَى الصفَا فبَدأَ بها، فقام عليها، ثم أتى المروةَ فقام عليها وطاف سَبْعًا ¬في م: "وسعى".¥.
فإذ كان صحيحًا بإجماعِ الجميعِ مِن الأمَّةِ أن الطوافَ بهما [مما علَّم] ¬في م، ت 1، ت 2: "على تعليم". وفي ت 3: "على عمل".¥ النبيُّ أمَّتَه في مناسكِهم، وعَمِلَه في حجِّه وعُمرتِه، وكان بيانُه لأمَّتِه جُمَلَ ما نصَّ اللهُ في كتابِه، وفرَضه في تَنْزِيلِه، وأمَر به مما لا ¬في م: "لم".¥ يُدْرَكُ عِلْمُه إلَّا بِبَيانِه عليه السلامُ، لازمًا العملُ به أمَّتَه، لما قد بَيَّنَّا في كتابِنا "كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ" إذا اخْتَلَفَت الأُمةُ في وُجُوبِه، ثم كان مُخْتَلَفًا في الطوافِ بينَهما: هل هو واجِبٌ أم غيرُ واجبٍ - كان بيِّنًا وُجوبُ فَرْضِه على مَن حجَّ أو اعْتَمَر لما وصَفْنا.
وكذلك وجوبُ العوْدِ لقضاءِ الطوافِ بينَ الصفَا والمروةِ، لمَّا كان مُخْتَلَفًا فيها ¬في م: "فيما".¥ على مَن ترَكه، مع إجماعِ جَميعِهم، على أنَّ ذلك مما فعَله رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وعلَّمه أُمتَه في حجِّهم ¬بعده في م: "وعمرتهم".¥، إذْ علَّمَهُم مَناسِكَ حجِّهم، كما طافَ بالبيتِ، وعلَّمه أمتَه في حجِّهم وعُمرتِهم، إذْ علَّمهم مناسكَ حجِّهم وعمرتِهم. ثم أجمع الجميعُ على أن الطوافَ بالبيتِ لا تُجزِئُ منه فِديةٌ ولا بَدَلٌ، ولا يُجْزِئُ تاركَه إلا العوْدُ لقضائِه، كان نظيرًا له الطوافُ بالصفَا والمروةِ، لا تُجزِئُ منه فديةٌ ولا جزاءٌ، ولا يُجِزئُ تاركَه إلا العوْدُ لقضائِه، إذْ كانا كلاهُما طَوافين؛ أحدُهما بالبيتِ، والآخرُ بالصفَا والمروةِ، ومَن فرَّق بينَ حُكْميهما ¬في م: "حكمهما".¥ عُكِس عليه القولُ فيه، ثم سُئلَ البرهانَ على التفرقةِ بينَهما.
فإنِ اعْتَلَّ بقراءةِ مَن قرَأ: (فلا جُنَاحَ عليه أن لا يطَّوَّفَ بهما). قيل: ذلك قراءةُ ¬سقط من: م.¥ خلافِ ما في مصاحفِ المسلمينَ، غيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يزيدَ في مصاحفِهم ما ليس فيها، وسواءٌ قرَأ ذلك كذلك قارئٌ، أو قرَأ قارئٌ: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]، (فلا جُناحَ عليهم ¬في م: "عليه".¥ أن لا يطَّوَّفوا به) فإنْ جازتْ ¬في م: "جاءت".¥ إحدَى الزيادتينِ اللَّتيْن ليستَا في المصاحِفِ ¬في م: "المصحف".¥ كانت الأخْرَى نظيرتَها، وإلَّا كان مُجيزُ إحداهُما إذا منَع الأخرى مُتَحَكِّمًا، والتَّحَكُّمُ فلا يَعْجِزُ عنه أحدٌ، وقد رُوِيَ إنكارُ هذه القراءةِ وأن يكونَ التنزيلُ بها، عن عائشةَ.
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: قلت لعائشةَ زوجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأنا يومئذٍ حديثُ السِّنِّ: أرأيتِ قولَ اللهِ عزّ وجلّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}. فما نرَى على أحدٍ شيئًا أن لا يطوَّفَ بهما؟ فقالت عائشةُ: كلَّا لو كانتْ كما تقولُ كانتْ: فلا جُناحَ عليه أن لا يطوَّفَ بهما. إنما أُنزلتْ هذه الآيةُ في الأنصارِ؛ كانوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ وكانتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وكانوا يَتحرَّجون أن يَطُوفُوا بينَ الصفَا والمروَةِ؛ فلمَّا جاء الإسلامُ سألوا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فأنزَل اللهُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} ¬الموطأ 1/ 373 (129)، ومن طريقه البخاري (1790)، وأبو داود (1901)، والنسائي في الكبرى (11009). وأخرجه أبو داود (1901) من طريق ابن وهب به. وسبق من طريق وكيع عن هشام في ص 721، ومن طرق عن الزهري
عن عروة في ص 718، 719.¥.
وقد يَحتمِلُ قراءةُ مَن قرَأ: (فلا جناحَ عليه أن لا يطَّوَّف) [أن يكونَ معناها: فلا جناحَ عليه أن يطَّوَّف {بِهِمَا}] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ - أن تكونَ "لا" التي هي مع "أن" صِلَةً في الكلامِ ¬ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 95.¥،
إذْ كان قد تقدَّمَها جَحْدٌ في الكلامِ قبلَها، وهو قولُه: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ}، فيكونُ نظيرَ قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12]. بمعنى ما منعكَ أن تسجدَ، كما قال الشاعر ¬هو جرير بن عطية. والبيت تقدم في 1/ 193.¥:
ما كان يَرْضَى رسولُ اللهِ فعلَهمُ ¬في م: "فعلهما".¥ ... والطيِّبان أبو بَكْرٍ ولا عُمَرُ
فلو كان رسمُ المصحفِ كذلك لم يكن فيه لمحتجٍّ به حجةٌ، مع احتمالِ الكلامِ ما وصفْنَا؛ لما بيَّنَّا من أنّ ذلك مما علَّم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أمَّتَه في مناسكِهم على ما ذَكَرْنا، ولدَلالةِ القياسِ على صحتِه، فكيف وهو خلافُ رُسومِ مصاحفِ المسلمين، ومما لوْ قرأ به اليومَ قارئٌ كان مُسْتَحِقًّا العقوبةَ؛ لزيادتِه في كتابِ اللهِ عزّ وجلَّ ما ليس منه؟!
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}.
اختَلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} ¬هذه قراءة غير حمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص 118.¥. على لفظِ المُضِيِّ؛ بالتاءِ وفَتْحِ العينِ. وقرأتْه عامةُ قرَأةِ الكوفيين: (ومَنْ يَطَّوَّعْ خيرًا) ¬هذه قراءة حمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص 118.¥ بالياءِ وجَزْمِ العينِ وتشْديدِ الطاءِ، بمعنى: ومَن يتطوَّعْ. وذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ (ومَن يَتطوّعْ) ¬حجة القراءات ص 118. وقراءته: (ومن يتطوع بخير). وهي قراءة شاذة. ينظر المصاحف ص 57، والبحر المحيط 1/ 458.¥. فقرأتْ ذلك قَرَأَةُ أهلِ الكوفةِ، على ما وصَفْنا، اعتبارًا بالذي ذكرْنا مِن قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، سوَى عاصمٍ فإنه وافَق المدنيِّينَ، فشدّدُوا الطاءَ طلبًا لإدغامِ التاءِ في الطاءِ. وكلْتَا القراءتَينْ معروفةٌ صحيحةٌ متفِقٌ مَعْنيَاهما غيرُ مُخْتَلِفَينْ؛ لأن الماضِيَ من الفعلِ مع حروفِ الجزاءِ بمعنى المستقبلِ، فبأيِّ هاتَينْ القراءتَينْ قرَأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ.
ومعنى ذلك: فمَن تطوَّع بالحجِّ والعمرةِ بعدَ قضاءِ حَجَّتِه الواجبةِ عليه، فإن اللهَ شاكرٌ له على تطوُّعِه له بما تطوَّع به من ذلك ابتغاءَ وجهِه فمجازِيه به، عليمٌ بما قصَد وأرادَ بتطوُّعِه بما تطوَّع منه ¬في م: "به".¥.
وإنما قلنا: إنَّ الصوابَ في معنى قولِه: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} هو ما وصفْنَا دونَ قولِ مَن زعَم أنه معنيٌّ به: فمَن تطوَّعَ بالسعي والطوافِ بينَ الصفا والمروةِ. لأن الساعيَ بينَهما لا يكونُ متطوعًا بالسعي بينَهما إلَّا في حجِّ تَطوُّعٍ أو عُمرةِ تطوُّعٍ، لمَا وصفْنَا قبلُ. وإذ كان ذلك كذلك كان معلومًا أنه إنما عنَى بالتطوُّعِ بذلك، التطوّعَ بما يُعمَلُ ذلك فيه من حجٍّ أو عمرةٍ.
وأما الذين زعَمُوا أن الطوافَ بهما تطوُّعٌ لا واجبٌ، فإن الصوابَ أن يكونَ تأويلُ ذلك على قولِهم: فمَن تطوَّعَ بالطوافِ بهما فإن اللهَ شاكرٌ. لأنَّ للحاجِّ والمعتمرِ على قولِهم الطوافَ بهما إن شاءَ، وتَرْكَ الطوافِ، فيكونُ معنى الكلامِ على تأويلهم: فمَن تطوَّعَ بالطوافِ بالصفَا والمروةِ، فإنّ اللهَ شاكرٌ تطوعَه ذلك، عليمٌ بما أرادَ ونوَى الطائفُ بهما كذلك.
كما حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}. قال: مَن تطوَّعَ خيرًا فهو خيرٌ له، تطوَّع رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فكانتْ من السُّنَنِ ¬تقدم أوله في ص 710.¥.
وقال آخرون: معنى ذلك: ومَن تطوَّعَ خيرًا فاعتمرَ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ}: ومَن تطوَّعَ خيرًا فاعتمرَ فإن اللهَ شاكرٌ عليمٌ؛ قال: فالحجُّ فريضَةٌ، والعمرةُ تطوُّعٌ، ليستِ العمرةُ واجبةً على أحدٍ من الناسِ.