تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ}.
يعني بقولِه جل ذكرُه: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا}: [وأنَّ اللهَ شديدُ العقابِ] ¬في م، ت 1، ت 2: "ورأوا العذاب".¥ إذ تَبَرَّأ الذين اتُّبِعوا مِن الذين اتَّبَعوا.
ثم اخْتَلَف أهل التأويلِ في الذين عَنَى اللهُ بقولِه: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا}. فقال بعضُهم بما حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا}: وهم الجبابرةُ والقادةُ والرءوسُ في الشِّركِ [والشَّرِّ] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥، {مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا}: وهم الأتباعُ الضعفاءُ، {وَرَأَوُا الْعَذَابَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 277 (1490) من طريق يزيد به نحوه، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 166 إلى عبد بن حميد.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا}. قال: تَبَرَّأَتِ القادةُ مِن الأتباعِ يومَ القيامةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 277 (1489) من طريق أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، بزيادة: إذا رأت العذاب.¥.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥: قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} قال: تَبَرَّأ رؤساؤُهم وقادتُهم وسادَتُهم من الذين اتَّبَعوهم ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 277 عقب الأثر (1490)، وابن عبد البر في الاستذكار 8/ 173، 174 معلقًا.¥.
وقال آخرون بما حدَّثني به موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا}: أمّا الذين اتُّبِعوا فهم الشياطينُ، تَبَرَّءُوا من الإنْسِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 278 (1491) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
والصوابُ مِن القولِ عندي في ذلك أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَرَ أنَّ المتَّبَعِين على الشِّرْكِ باللهِ يَتَبَرَّءُون مِن أتباعِهم حينَ يُعايِنون عذابَ اللهِ، ولم يَخْصُصْ بذلك منهم بعضًا دونَ بعضٍ، بل عَمَّ جميعَهم، فداخِلٌ ¬في م، ت 2، ت 3: "فدخل".¥ في ذلك كلُّ متبوعٍ على الكفرِ باللهِ والضلالِ، أنه يَتَبَرَّأُ مِن تُبّاعِه الذين كانوا يَتَّبِعونه على الضلالِ في الدنيا، إذ عاينوا عذابَ اللهِ في الآخرِة.
وأمّا دَلالةُ الآيةِ في مَن عَنَى بقولِه: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا}. فإنها إنما تَدُلُّ على أنَّ الأندادَ الذين اتَّخَذَهم مِن دونِ اللهِ مَن وَصَف جل ذكرُه صفتَه بقولِه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا}. هم الذين يَتَبَرَّءون مِن أتْباعِهم.
وإذ كانتِ الآيةُ على ذلك دَالَّةً، صحَّ التأويلُ الذي تَأَوَّلَه السُّدِّيُّ ¬كذا ذكر المصنف، وقول السدي هو القول الذي سيردُّه المصنف من أن الذين اتُّبِعوا هم الشياطين، والقول الآخر الذي اختاره المصنف هو قول قتادة والربيع وعطاء، كما ذكر المصنف نفسه.¥ في قولِه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا}. أنَّ "الأنْدادَ" في هذا الموضعِ إنما أُرِيد بها الأندادُ مِن الرجالِ الذين يُطيعونهم فيما أمَروهم به مِن أمرٍ، ويَعْصُون اللهَ في طاعتِهم إيَّاهم، كما يُطِيعُ اللهَ المؤمنون ويَعْصُون غيرَه - وفَسَد تأويلُ قولِ مَن قال: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} أنهم الشياطينُ تَبَرَّءوا مِن أوليائِهم مِن الإنسِ؛ لأنَّ هذه الآيةَ إنما هي في سياقِ الخبرِ عن مُتَّخذي الأندادِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166)}.
يعني جل ثناؤُه بذلك، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ إذ تَبَرَّأ الذين اتُّبِعوا مِن الذِين اتَّبَعوا، وإذ تَقَطَّعَتْ بهم الأسبابُ.
ثم اخْتَلَف أهل التأويلِ في معنى "الأسبابِ"؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به يحيى ابنُ طلحةَ اليَرْبُوعِيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} قال: الوِصالُ الذي كان بينَهم في الدنيا ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (240 - تفسير)، وأبو نعيم في الحلية 3/ 285 من طريق فضيل به. وأخرجه سعيد بن منصور - أيضًا - (241) عن جرير به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 166 إلى وكيع وعبد بن حميد.¥.
حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عُبيدٍ المكتِبِ، عن مجاهدٍ: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} قال: تَواصُلُهم في الدنيا ¬تفسير سفيان ص 54، ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 278 (1493).¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازِيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ بمثلِه.
حدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} قال: المَوَدَّةُ ¬تفسير مجاهد ص 218.¥.
حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: تَواصُلٌ كان بينهم بالمودَّةِ في الدنيا.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، قال: أخبرني قيسُ ابنُ سعدٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} قال: المودَّةُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 278 (1492)، والحاكم 2/ 272 من طريق أبي عاصم به، وصححه الحاكم، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 166 إلى عبد بن حميد وابن المنذر.¥.
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}: أسبابُ الندامةِ يومَ القيامةِ، وأسبابُ المُواصَلَةِ التي كانت بينَهم في الدنيا يَتَواصَلون بها، ويَتخالُّون ¬في م، ت 1، ت 2: "يتحابون".¥ بها، فصارتْ عليهم عَداوةً يومَ القيامةِ {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}: [العنكبوت: 25] ويَتَبَرَّأُ بعضُكم مِن بعضٍ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 166 إلى عبد بن حميد والمصنف.¥. وقال اللهُ: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] فصارتْ كلُّ خُلَّةٍ عداوةً على أهلِها، إلا خُلَّةَ المتقين.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} قال: هو الوَصْلُ الذي كان بينَهم في الدنيا ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 65.¥.
وحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}. يقولُ: أسبابُ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الأسباب".¥ النّدامةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 278 عقب الأثر (1496) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وقال بعضُهم: بل معنى الأسبابِ: المنازلُ التي كانت لهم مِن أُهلِ الدنيا،
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} يقولُ: تقطَّعت بهم المنازلُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 278 (1494) عن محمد بن سعد به.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، عن أبي جعفرٍ الرازِيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ}. قال: الأسبابُ: المنازلُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 278 (1497) من طريق أبي جعفر به.¥.
وقال آخرون: الأسبابُ: الأرْحامُ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ ¬بعده في م: "قال: ثنا الحسن".¥، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} قال: الأرحامُ ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 166 إلى المصنف وابن المنذر.¥.
وقال آخرون: الأسبابُ: الأعمالُ التي كانوا يَعْمَلُونها في الدنيا.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أمّا {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} فالأعمالُ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 279 عقب الأثر (1498) من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ، وهبٍ: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} قال: أسبابُ أعمالِهم؛ فأهلُ التقوَى أُعْطُوا أسبابَ أعمالِهم ¬في الأصل: "أعمال".¥ وثيقةً فيَأْخُذون بها فيَنْجُون، والآخرون أُعْطُوا أسبابَ أعمالِهم الخبيثةِ فتَتَقَطَّعُ ¬في م، ت 3: "فتقطع"، وفي ت 1: "فيقطعون"، وفي ت 2: "فيعطون".¥ بهم فيَذْهَبونَ في النارِ ¬ينظر المحرر الوجيز 1/ 475.¥. قال: والأسبابُ: الشيْءُ يُتَعَلَّقُ به. قال: والسببُ: الحبلُ.
والأسبابُ: جمعُ سببٍ، وهو كل ما تَسَبَّبَ به الرجلُ إلى طَلِبَتِه وحاجَتِه، فيقالُ للحبلِ: سببٌ؛ لأنه يُتَسبَّبُ بالتَّعَلُّقِ به إلى الحاجةِ التي لا يُوصَلُ إليها إِلَّا بالتعلُّقِ به. ويقالُ للطريقِ: سببٌ؛ للتَّسَبُّبِ برُكوبِه إلى ما لا يُدرَكُ إلَّا بقَطْعِه.
وللمُصاهَرَةِ: سببٌ؛ لأنها سببٌ للحُرْمَةِ. وللوسِيلةِ: سببٌ؛ للوصولِ بها إلى الحاجةِ. وكذلك كلُّ ما كان به إدراكُ الطَّلِبَةِ، فهو سببٌ لإدراكِها.
فإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ من القولِ في في تأويلِ قولِه: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} أن يقالَ: إنَّ اللهَ أخْبَرَ أنَّ الذين ظَلَموا أنفسَهم من أهلِ الكُفرِ الذين ماتوا وهم كفارٌ، يتبَرَّأُ عندَ مُعاينَتهِم عذابَ اللهِ المَتبوعُ مِن التابعِ، وتَتَقَطَّعُ بهم الأسبابُ، وقد أَخْبَر اللهُ جل ثناؤُه في كتابِه أن بعضَهم يَلْعَنُ بعضًا، وأخْبَر عن الشيطانِ أنه يقولَ لأوليائِه: {مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم: 22]. وأخْبَر جل ثناؤُه أنَّ الأخِلَّاءَ يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلَّا المتقين، وأن الكافرين لا يَنْصُرُ يومئذٍ بعضُهم بعضًا، فقال تعالى ذِكرُه: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} [الصافات: 24، 25]. وأن الرجلَ منهم لا يَنْفَعُه نَسِيبُه ولا ذو رَحِمِه، وإن كان نَسيبُه للهِ وليًّا، فقال جل ثناؤُه في ذلك: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 114]. وأخبر جل ذِكر
ُه أن أعمالَهم تَصيرُ عليهم حسراتٍ.
وكلُّ هذه المعاني أسبابٌ يُتَسبَّبُ في الدنيا بها إلى مطالبَ، فقَطَع اللهُ منافعَها في الآخرةِ عن الكافرين به [في الدنيا] ¬سقط من: م. ت 1، ت 2.¥؛ لأنها كانت بخلافِ طاعتِه ورضاه، فهي منقطعةٌ بأهلِها، فلَا خِلالُ بعضِهم بعضًا نَفَعهم عند وُرودهِم على ربِّهم، ولا عِبادتُهم أَنْدادَهم، ولا طاعتُهم شياطِينَهم، ولا دافَعَتْ عنهم أرحامٌ فنَصَرَتْهم مِن انتقامِ اللهِ منهم، ولا أغنَتْ عنهم أعمالُهم، بل صارتْ عليهم حسراتٍ، فكلُّ أسبابِ الكفارِ منقطعةٌ، فلَا معنى أبلغُ في تأويلِ قولِه: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} مِن صفةِ اللهِ، وذلك ما بيَّنَّا مِن جميعِ أسبابِهم دونَ بعضِها، على ما قلنا في ذلك.
ومن ادَّعَى أن المَعْنيَّ بذلك خاصٌّ مِن الأسبابِ، سُئِل البُرهانَ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "عن البيان".¥ على دعواه مِن أصلٍ لا تَنازُعَ فيه، وعُورِضَ بقولِ مخالِفِه فيه، فلن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلَّا أُلزِم في الآخَرِ مِثلَه.