Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 167

Surah 2 : Ayah 167

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا۟ مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ

The followers will say, “If only we could have another chance, so we could disown them as they have disowned us.” Thus will Allah show them their deeds as sources of regret, and they will never get out of the Fire.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)



القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا}.
يعني جلَّ ثناؤُه لقولِه: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا}: وقال تُبَّاعُ الرجالِ الذين كانوا اتَّخَذوهم أندادًا من دونِ اللهِ، يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ، ويَعْصُون ربَّهم في طاعتِهم، إذ يَرَوْن عذابَ اللهِ في الآخرةِ: {لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً}. يعني بالكَرَّةِ: الرَّجْعَةَ إلى الدنيا. مِن قولِ القائلِ: كررتُ على القومِ أَكُرُّ عليهم ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥ كَرًّا [ومَكَرًّا] ¬سقط من: م، ت 1، ت 2، ت 3.¥. والكرَّةُ: المَرَّةُ الواحدةُ. وذلك إذا حَمَل عليهم راجعًا بعدَ الانصرافِ عنهم، كما قال الأخْطَلُ ¬شرح ديوانه 391.¥:
ولقد عَطَفْنَ على فزَارَةَ عَطْفَةً ... كَرَّ المَنيحِ ¬المنيح: قدح لا حظ له في الميسر، ولكنه يعاد مع القداح في كل ضربة. نقائض جرير والأخطل ص 80.¥ وجُلْنَ ثَمَّ مَجَالَا
وكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} أي ¬بعده في م: "لنا".¥: رجعةً إلى الدنيا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 166 إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} قال: قالت الأتْباعُ: لو أن لنا كرةً إلى الدنيا فنَتَبَرَّأَ منهم كما تَبَرَّءُوا منا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 279 (1499) من طريق أبي جعفر عن الربيع، عن أبي العالية.¥.
وقولُه: {فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ} منصوبٌ؛ لأنه جوابٌ للتَّمَنى بالفاءِ؛ لأنَّ القومَ تَمَنَّوا رجعةً إلى الدنيا ليَتَبَرَّءُوا مِن الذين كانوا يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ، كما تَبَرَّأ منهم رؤساؤُهم الذين كانوا في الدنيا، المَتْبوعون فيها على الكفرِ باللهِ، إذ عاينُوا عظيمَ النازلِ بهم مِن عذابِ اللهِ، فقالوا: يا ليتَ لنا كَرَّةً إلى الدنيا، فنَتَبَرَّأَ منهم، و {يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 27].

القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}.
ومعنى قولِه: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ}. يقولُ: كما أراهم العذابَ الذي ذَكَره في قولِه: {وَرَأَوُا الْعَذَابَ} الذي كانوا يُكَذِّبون به في الدنيا، فكذلك يُريهم أيضًا أعمالَهم الخبيثَةَ التي اسْتَحَقُّوا بها العقوبةَ مِن اللهِ {حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} يعني: نَداماتٍ.
والحَسَراتُ جمعُ حَسْرَةٍ، وكذلك كلُّ اسمٍ كان واحِدُه على "فَعْلَةٍ" مفتوحُ الأوَّلِ ساكِنُ الثاني، فإنَّ جمعَه على "فَعَلاتٍ"، مثل: شَهْوَةٍ وتَمْرةٍ، تُجْمَعُ: شَهَواتٍ وتَمَراتٍ. مُثَقَّلَةُ الثَّواني مِن حروفِها. فأمَّا إذا كان نعتًا فإنَّك تَدَعُ ثانِيَه ساكنًا، مِثلَ: ضَخْمةٍ، تَجْمَعُها: ضَخْماتٍ، وعَبْلَةٍ تَجْمعُها عَبْلاتٍ.
وربما سُكِّن الثاني في الأسماءِ، كما قال الشاعرُ ¬اللسان (ل م م)، (ع ل ل)، (ز ف ر).¥:
عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أو دُولاتِها ¬الدولات: مفردها دَوْلة ودُولة وهي: العُقبَى، في المال والحرب سواء. وقيل: الدُّولة بالضم، في المال. والدَّولة بالفتح، في الحرب. اللسان (د و ل).¥ ... يُدِلْنَنا اللَّمَّةَ مِن لَماَّتِها
فتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِن زَفْرَاتِها
فسَكَّن الثاني مِن "الزَّفْراتِ" وهي اسمٌ.
وقيل: إنَّ الحسرةَ أشَدُّ الندامةِ.
فإن قال لنا قائلٌ: فكيف يَرَوْن أعمالَهم حسراتٍ عليهم، وإنما يَتَنَدَّمُ ¬في الأصل: "يندم".¥ المُتنَدِّمُ على تَرْكِ الخيراتِ وفَوْتِها إيَّاه، وقد عَلِمْتَ أنَّ الكفارَ لم يكنْ لهم مِن الأعمال ما يتَنَدَّمون على تركِهم الازديادَ منه، فيُريَهم اللهُ قليلَةً، بل كانت أعمالُهم كلُّها معاصيَ للهِ، ولا حسرةَ عليهم في ذلك، وإنما الحسرةُ عليهم فيما لم يَعْملوا مِن طاعةِ اللهِ؟
قِيل له: إنَّ أهلَ التأويلِ في تأويلِ ذلك مُخْتَلِفون، فنَذْكُرُ في ذلك ما قالوا، ثم نُخْبِرُ بالذي هو أوْلَى بتأويلِه إن شاء اللهُ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم التي فَرَضها عليهم في الدنيا، فضَيَّعوها ولم يَعْملوا بها، حتى اسْتَوْجَب ما كان اللهُ أعَدَّ [له - لو كان عمِل بها في حياتِه] ¬في م: "لهم لو كانوا عملوا بها في حياتهم".¥، مِن المساكنِ والنِّعَمِ - غيرُه ¬في م: "غيرهم".¥ بطاعتِه ربَّه، فصار ما فاته ¬في م: "فاتهم".¥ مِن الثوابِ - الذي كان اللهُ أعدَّه [له عندَه، لو كان أطاعه في الدنيا، إذ عاينه] ¬في م: "لهم عنده، لو كانوا أطاعوه في الدنيا، إذ عاينوه".¥ عندَ دخولِ النارِ، أو قبلَ ذلك - أسًى وندامةً وحسرةً عليه ¬في م: "عليهم".¥.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}. زَعَم أنه تُرْفَعُ لهم الجنةُ، فيَنْظُرون إليها وإلى بيوتِهم فيها، لو أنَّهم أطاعوا اللهَ، فيقالُ لهم: تلك مساكنكم لو أطَعْتم اللهَ. ثم تُقَسَّمُ بينَ المؤمنين، فيَرِثُونهم، فذلك حينَ يَنْدَمون ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 279 من طريق عمرو بن حماد به.¥.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذَكَرها فقال: فليس نفسٌ إلَّا وهي تَنْظُرُ إلى بيتٍ في الجَنَّةِ وبيتٍ في النارِ، وهو يومُ الحسرةِ. قال: فيَرَى أهلُ النارِ [البيتَ الذي] ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "الذين".¥ في الجنَةِ، فيقالُ لهم: لو عَمِلْتم؟ فتَأْخُذُهم الحسرةُ. قال: ويرَى أهلُ الجَنَّةِ البيتَ الذي في النارِ، فيقالُ: لولا أن مَنَّ اللهُ عليكم ¬حديث منكر. أخرجه العقيلي 2/ 314، والطبراني في الكبير (9761)، والحاكم 4/ 496، 598، والبيهقي في البعث (657)، من طريق سفيان به. وقال البخاري في التاريخ 5/ 221: أبو الزعراء ... روى عن ابن مسعود، رضي الله عنه في الشفاعة، ولا يتابع في حديثه. وقال ابن كثير في النهاية في النهاية 20/ 230: حديث غريب جدا. وستأتي أجزاء متفرقة من هذا الأثر بهذا الإسناد في تفسير الآية 79 من سورة الإسراء، والآية 100 من سورة الكهف، والآية 96 من سورة الأنبياء، والآية 9 من سورة فاطر، والآية 24 من سورة الصافات، والآية 49 من سورة المدثر، والآية 42 من سورة القلم.¥.
فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ مضافًا إليهم من العمل مالم يَعْمَلوه على هذا التأويلِ؟
قِيل: كما يُعْرَضُ على الرجلِ العملُ، فيقالُ قبلَ أن يَعْمَلَه: هذا عملُك.
يعني: هذا الذي يَجبُ عليك أن تَعْمَلَه. كما يقالُ للرجلِ يَحْضُرُ غداؤُه قبلَ أن يَتَغَدَّى به: هذا غَداؤك اليومَ. يَعْني به: هذا ما تتَغَدَّى به اليومَ. فكذلكَ قولُه: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} يعني: كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم
التي كان لازمًا لهم العملُ بها في الدنيا، حسراتٍ عليهم.
وقال آخرون: كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم السيئةَ حسراتٍ عليهم: لم عَمِلوها؟ وهَلَّا عَمِلوا بغيرِها مما يُرْضِي اللهَ تعالى؟
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}: فصارتْ أعمالُهم الخبيثةُ حسرةً عليهم يومَ القيامةِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 279 عقب الأثر (1499) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
حدَّثني يونسُ قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: {أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} قال: أو ليسَ أعمالُهم الخبيثةُ التي أدْخَلَهم اللهُ بها النارَ حسراتٍ عليهم؟ قال: وجَعَل أعمالَ أهلِ الجَنَّةِ لهم. وقَرَأ قولَ اللهِ: {بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [الحاقة: 24].
قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى التأويليْن بالآيةِ تأويلُ مَن قال: معنى قولِه: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ}: كذلك يُرِي اللهُ الكافرين أعمالَهم الخبيثةَ حسراتٍ عليهم، لم عَمِلوا بها؟ وهَلَّا عَمِلوا بغيرِها؟ فَندِموا على ما فَرَط منهم مِن أعمالِهم الرَّديئةِ إذ ¬في م، ت 2: "إذا".¥ رَأَوْا جزاءَها مِن اللهِ وعقابَها؛ لأنَّ اللهَ أخْبر أنه يُرِيهم أعمالَهم نَدمًا عليهم. فالذي هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما دلَّ عليه الظاهرُ دونَ ما احْتَمَلَه الباطنُ الذي لا دَلالةَ على أنه المَعْنِيُّ بها. والذي قاله السُّدِّيُّ في ذلك، وإن كان مَذهبًا تَحْتَمِلُه الآيةُ، فإنه مَنْزَعٌ بعيدٌ، ولا أثرَ بأنَّ ذلك كما ذكَر تقومُ له حجةٌ فيُسَلَّمَ له ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "لها".¥، ولا دلالةَ في ظاهرِ الآيةِ أنه المرادُ بها، فإذ ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "فإذا".¥ كان الأمرُ كذلك لم يُحَلْ ظاهرُ تنزيلٍ إلى باطنِ تأويلٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)}.
يعني جل ذِكرُه بذلك: وما هؤلاءِ الذين وَصَف صفتَهم مِن الكفارِ - وإن نَدِموا بعدَ مُعايَنتِهم ما عايَنوا من عذابِ اللهِ، فاشْتَدَّتْ نَدامَتُهم على ما سَلَف منهم مِن أعمالِهم الخبيثةِ، وتَمَنَّوْا إلى الدنيَا كَرَّةً لِيُنيبوا فيها، ويَتَبَرَّءُوا مِن مُضِلِّيهم وسادَتِهم الذين كانوا يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ فيها - بخارجين من النارِ التي أَصْلاهُموها اللهُ بكفرِهم به في الدنيا، ولا نَدَمُهم فيها بمُنْجِيهم مِن عقاب اللهِ حينئذٍ، ولكنهم فيها مُخلَّدون.
وفي هذه الآيةِ الدَّلالةُ على تكذيبِ اللهِ الزاعمين أنَّ عذابَ اللهِ أهلَ النارِ مِن أهلِ الكفرِ به مُنْقَضٍ، وأنه إلى نهايةٍ، ثم هو بعدَ ذلك فانٍ؛ لأنّ اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَرَ عن هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم في هذه الآيةِ، ثم خَتَم الخبرَ عنهم بأنَّهم غيرُ خارجين من النارِ، بغيرِ استثناءٍ منه وقتًا دونَ وقتٍ، فذلك إلى غيرِ حدٍّ ولا نهايةٍ.

Tafsir in other languages · 6