Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 180

Surah 2 : Ayah 180

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ

It is prescribed for you that when death approaches one of you – if he leaves behind any wealth – a bequest should be made in favor of parents and immediate family members[78] with fairness, this is a duty upon the righteous.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير ابن كثير

{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)}.

اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض ¬كذا في الأصل و (حم) وفي (عف) و (ح): "الميراث" وكلاهما صحيح.¥ نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية ولا تحمل منة الموصي، ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب وهو يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" ¬أخرجه الإمام أحمد (المسند 29/ 623 ح 18083)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وأخرجه الترمذي (السنن، الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث ح 2219)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح 1722).¥.

وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى هذه الآية: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} فقال: نسخت هذه الآية ¬لم أجده في المسند، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 273)، ويشهد له ما سيأتي من الروايات.¥. وكذا رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن يونس به، ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرطهما.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل الله آية الميراث ¬صرح الطبري بالآية في قوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ}. [النساء: 11].¥، فبيّن ميراث الوالدين وأقرّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت ¬أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.¥.

وقال ابن أبي حاتم ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، ويشهد له ما تقدم وما تأخر من أقوال الصحابة والتابعين.¥: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ}: نسختها هذه الآية: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)} [النساء] ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وأبي موسى وسعيد بن [المسيب] ¬في الأصل: سعيد بن أطيب.¥ والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وعكرمة وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وطاوس وإبراهيم النخعي وشريح والضحاك والزهري: أن هذه الآية منسوخة، نسختها آية الميراث ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم في تفسيره دون إسناد، وذكر الطبري بعض رواياتهم مسنده بأسانيد ثابتة.¥.

والعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر بن الرازي رحمه الله، كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني ¬أبو مسلم الأصفهاني من كبار المعتزلة الذين ينكرون النسخ.¥ أن هذه الآية غير منسوخة وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين من قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] قال: وهو أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد ¬أخرجه الطبري وابن الجوزي (نواسخ القرآن ص 164 - 165) بأسانيد ثابتة عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري.¥.

(قلت): وبه قال أيضًا سعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان، ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر، لأن آية الميراث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دلّ عليه عموم آية الوصاية، لأن الأقربين أعم ممن يرث ولا يرث، فرفع حكم من يرث بما عيّن له، وبقي الآخر على ما دلّت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبًا حتى نسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة وهو الظاهر من سياق الآية، فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين [الوارثين] ¬سقط من الأصل وأثبت من (ح) و (عف) و (حم).¥ منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" ¬تقدم تخريجه في الحديث السابق.¥، فآية الميراث حكم مستقل ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، رفع بها حكم هذه بالكلية.

بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده". قال ابن عمر: ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك إلا وعندي وصيتي ¬صحيح البخاري، الوصايا، باب الوصايا وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وصية الرجل مكتوبة عنده" (ح 2728)، وصحيح مسلم، الوصية (ح 1627).¥.

والآيات والأحاديث بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جدًّا.

وقال عبد بن حُميد في مسنده: أخبرنا عبيد الله، عن مُبارك بن حسان، عن نافع قال: قال عبد الله: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقول الله تعالى: يابن آدم ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا في مالك حين أخذت بكظمك لأُطهرك به وأزكّيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك" ¬في مسنده مبارك بن حسان، لين الحديث (التقريب ص 518).¥.

وقوله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} أي: مالًا، قاله ابن عباس ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت، من طريق علي بن أبي طلحة عنه.¥ ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطية العوفي والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم دون سند، وأخرج الطبري بعض رواياتهم بأسانيد ثابتة كرواية مجاهد وقتادة والسدي.¥ وغيرهم.

ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قلّ المال أو كَثُر كالوراثة ¬أخرجه الطبري بسند صحيح عن الزهري.¥.

ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالًا جزيلًا، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قيل لعلي - رضي الله عنه -: إن رجلًا من قريش قد مات وترك ثلثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص؟ قال: ليس بشيء إنما قال الله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} ¬أخرجه ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا، وسنده صحيح.¥. وقال [أيضًا] ¬الزيادة من (عف).¥: وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبده، يعني: ابن سليمان، عن هشام بن عروة عن أبيه: إن عليًا دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصِ؟ فقال له علي: إنما قال الله: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} إنما ترك شيئًا يسيرًا فاتركه لولدك ¬أخرجه ابن أبي حاتم، سندًا ومتنًا، وسنده صحيح.¥.

وقال [الحكم بن أبان] ¬في الأصل و (ح) والتصويب من (عف) و (حم)، وترجمته، فهو من تلاميذ عكرمة، والتصويب أيضًا من تفسير ابن أبي حاتم.¥: حدثني عن عكرمة عن ابن عباس {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} قال ابن عباس: من لم يترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا. قال [الحكم] ¬كسابقه.¥: قال طاوس: لم يترك خيرًا من لم يترك ثمانين دينارًا ¬وفي سند الروايتين الحكم بن أبان ضعيف، والرواية الأولى أخرجها ابن أبي حاتم من طريق الحكم به.¥. وقال قتادة: كان يقال: ألفًا فما [فوقه] ¬في الأصل: "فوقها" والتصويب من رواية ابن أبي حاتم فقد أخرجه عن قتادة بسند حسن.¥ وقوله: {بِالْمَعْرُوفِ} أي: بالرفق والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن [بشار] ¬في الأصل: "بن يسار" وفي (ح): "ابن دينار" والتصويب من (عف) و (حم) ومن رواية ابن أبي حاتم.¥، حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور، عن الحسن قوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} فقال: نعم الوصية حق على كل مسلم أن يوصي إذا حضره الموت بالمعروف غير المنكر ¬أخرجه ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا وسنده حسن.¥.

والمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه وصية لا تجحف بورثته من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعدًا قال: يا رسول الله، إن لي مالًا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: "لا" قال: فبالشطر؟ قال: "لا" قال: فالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" ¬أخرجه البخاري، الصحيح الجنائز، باب رثاء ابني سعد بن سعد بن خولد (ح 1396)، ومسلم في صحيحه، الوصية (ح 1628).¥.

وفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الثلث والثلث كثير" ¬أخرجه البخاري، الصحيح، الوصايا، باب الوصية بالثلث (ح 2743).¥.

وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد مولى [بني] ¬في الأصل: "أبي" والتصويب من رواية الإمام أحمد وبقية النسخ.¥ هاشم عن ذيال بن عتبة بن حنظلة: سمعت حنظلة بن جذيم بن حنيفة: أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشق ذلك على بنيه فارتفعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل [كنا نسميها] ¬الزيادة من (ح) و (عف) ورواية الإمام أحمد في المسند فقد أخرجه سندًا ومتنًا (المسند 34/ 262 ح 20665)، وصححه محققوه.¥ المطيبة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا لا لا، الصدقة خمس، وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت فأربعون ... " وذكر الحديث بطوله.

Tafsir in other languages · 6