تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِهِ تعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمن غيَّر ما أوصَى به الموصِى من وصيَّتِه بالمعروفِ لوالديه أو أقربيهِ الذين لا يَرثونه بعدَ ما سمِع الوصيةَ، فإنما إثمُ التبديلِ على من بدَّلَ وصيَّتَه.
فإن قال لنا قائلٌ: وعلامَ عادت الهاءُ التي في قولِه: {فَمَنْ بَدَّلَهُ}؟
قيل: على محذوفٍ من الكلامِ يدلُّ عليه الظاهرُ، وذلك هو أمرُ الميتِ وإيصاؤُه مَن أوصَى إليه، بما أوصَى به، لمن أوْصَى له.
ومعنى الكلامِ: كُتِب عليكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ إن ترَك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقْرَبين بالمعروفِ حقًّا على المتَّقين، فأوْصُوا لهم، فمن بدَّل ما أَوْصيتُم به لهم بعدَ ما سَمِعكم توصونَ لهم، فإنما إثمُ ما فعَل من ذلك عليه دُونَكم.
وإنما قلنا: إن الهاءَ في قولِه: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} عائدةٌ على محذوفٍ من الكلامِ يدلُّ عليه الظاهرُ؛ لأن قولَه: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} من قولِ اللهِ، وإنّ تبديلَ المبُدِّلِ إنما يكونُ لوصيةِ الموصِى، فأما أمرُ اللهِ بالوصيةِ فلَا يقدِرُ هو ولا غيرُه أن يُبدِّلَه فيجوزَ أن تكونَ الهاءُ في قولِه: {فَمَنْ بَدَّلَهُ} عائدةً على الوصيةِ.
وأما الهاءُ في قولِه: {بَعْدَ مَا سَمِعَهُ} فعائدةٌ على الهاءِ الأُولى في قولِه: {فَمَنْ بَدَّلَهُ}. وأما الهاءُ التي في قولِه: {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ} فإنها مَكنىُّ "التبديل"، كأنه قال: فإنما إثمُ ما بدَّلَ من ذلك على الذين يُبدِّلونَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ}. قال: الوصيةُ ¬تفسير مجاهد ص 220.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قوله: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}: وقد وقَع أجرُ الميِّتِ ¬في م، ت 1: "الموصى"، وفي ت 2، ت 3: "الوصى".¥ على اللهِ وبرِئَ من إثْمِه، وإن كان أوصَى في ضِرارٍ لم تجُزْ وصيَّتُه، كما قال: {غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 12] ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 300 (1609) من طريق أبي صالح به مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور 1/ 175 إلى ابن المنذر.¥.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ}. قال: من بدّلَ الوصيةَ بعدَ ما سمِعها فإثمُ ما بدَّلَ عليه ¬تفسير عبد الرزاق 1/ 69، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 300 (1608) عن الحسن بن يحيى به.¥.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}: فمن بدّلَ الوصيةَ التي أوْصَى بها وكانت بمعروفٍ، فإنما إثمُهَا على من بدَّلَها؛ أنه قد ظلَم.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ مِنهالٍ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، أن عطاءَ بنَ أبى رباحٍ قال في قولِه: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}. قال: تُمْضَى ¬في م، ت 1، ت 2، ت 3: "يمضى".¥ كما قال.
حدَّثني سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثني أبى، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ}. قال: مَن بدَّل وصيَّةً بعدَ ما سمِعها ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 300 عقب الأثر (1608) معلقا.¥.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}. قال: هذا في الوصيةِ، مَن بدَّلها مِن بعدِ ما سمِعها، فإنما إثمُه على مَن بدَّل.
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ وابنُ المُثَنَّى، قالَا: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدَّثني أبى، عن قتادةَ، عن عطاءٍ وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ وسليمانَ بنِ يسارٍ، أنهم قالوا: تُمْضَى الوصيَّةُ لمن أوْصَى لَه به. إلى ههنا انتهى حديثُ ابنِ المُثَنَّى، وزادَ ابنُ بشَّارٍ في حديثِه: قال قتادةُ: وقال [عبيدُ اللهِ بنُ عبيدِ اللهِ] ¬في م: "عبد الله". وتقدم الكلام عليه في ص 126.¥ بنِ مَعْمَرٍ: أعجبُ إلىَّ لو أوْصَى لذوِي القرابةِ، وما يُعجِبُني أنْ أنْزِعَه مِمن أوْصَى له به. قال قتادةُ: وأعجبُه إلىَّ لمن أوْصَى له به، قال اللهُ: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ}.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181)}.
يَعْني بذلك جلَّ ثناؤُه: إن اللهَ سميعٌ لوَصيَّتِكم التي أمَرتُكم أن تُوصوا لآبائِكم وأمهاتِكم وأقربائِكم حينَ تُوصُون لهم بها؛ أَتَعْدِلون فيها على ما أذِنتُ لكم مِن فعلِ ذلك بالمعروفِ، أم تَحِيفون فتَمِيلونَ عن الحقِّ وتَجُورون عن القصدِ، عليمٌ بما تُخْفِيه صدورُكم مِن الميلِ إلى الحقِّ والعدلِ، أم إلى الجَوْرِ والحَيْفِ.