تفسير ابن كثير
{أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)}.
ثم بيّن مقدار الصوم وأنه ليس في كل يوم، لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه بل في أيام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ بصوم شهر رمضان كما سيأتي بيانه. وقد روي أن الصيام أولًا ¬في (ح): "كان أولًا".¥ كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن المسعودي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، وأخرجه الحاكم من طريق المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 274).¥ وابن مسعود ¬ذكره ابن أبي حاتم بدون سند.¥ وابن عباس ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي، عن ابن عباس وتشهد له بقية الآثار.¥ وعطاء ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه.¥ وقتادة ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.¥ والضحاك بن مزاحم وزاد: لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق نصر بن مشارس عنه.¥.
وقال عباد بن منصور، عن الحسن البصري: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} فقال: نعم، والله لقد كتب الصيام على كل أُمة قد خلت، كما كتب علينا شهرًا كاملًا وأيامًا معدودات عددًا معلومًا ¬أخرجه ابن أبي حاتم وسنده حسن.¥. وروي عن السدي نحوه ¬ذكره ابن أبي حاتم من دون سند.¥.
وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقري، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد، عن أبي الربيع رجل من أهل المدينة، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم ... " في حديث طويل اختصر منه ذلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفي سنده رجل مجهول.¥.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عمن حدثه، عن ابن عمر قال: أنزلت {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} كتب عليهم إذا صلى [أحدهم] ¬الزيادة من (ح) و (عف) ورواية ابن أبي حاتم.¥ العتمة ونام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفي سنده شيخ الربيع مبهم.¥.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس وأبي العالية وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وعطاء الخراساني نحو ذلك ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بدون سند.¥. وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} يعني بذلك: أهل الكتاب ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف لأن عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.¥. وروي عن الشعبي والسدي وعطاء الخراساني مثله ¬ذكرهم ابن أبي حاتم من غير سند.¥.
ثم بيّن حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام فقال: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من المشقة عليهما بل يفطران ويقضيان بعد ذلك من أيام أُخر. وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام فقد كان مخيرًا بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق مجاهد عن ابن عباس.¥ [وطاوس ومقاتل بن حيان] ¬الزيادة من (ح) و (عف) و (حم).¥ وغيرهم من السلف ¬ذكرهم ابن أبي حاتم وسمى غيرهم من السلف وهم: عطاء والحسن والسدي بدون سند.¥، ولهذا قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي، حدثنا عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصلاة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس، ثم إن الله عز وجل أنزل عليه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة: 144] الآية، فوجهه الله إلى مكة هذا حول، قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويُؤذِنُ بها بعضهم بعضًا، حتى نقسوا أو كادوا ينقسون ¬أي كادوا أن يستعملوا الناقوس ولم يفعلوا.¥، ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت: إني لم أكن نائمًا لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله - مثنى مثنى ¬في الأصل: "مثنى". مرة واحدة، والزيادة من رواية الإمام أحمد.¥ - حتى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة ثم قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "علّمها بلالًا فليؤذن بها" فكان بلال أول من أذن بها، قال: وجاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله، إنه قد طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنه سبقني فهذان حالان، قال: وكانوا يأتون الصلاة قد سبقهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعضها، فكان الرجل يشير إلى رجل إذن كم صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدًا إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد سبقه النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعضها، قال: فثبت معه فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فقضى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنه قد سنّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوه" فهذه ثلاثة أحوال.
وأما أحوال الصيام فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} إلى قوله: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} إلى قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حولان، قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: صرمة، كان يعمل صائمًا حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائمًا، فرآه رسول الله وقد جهد جهدًا شديدًا، فقال: "ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدًا؟ " قال: يا رسول الله، إني عملت أمس فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائمًا، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعدما نام فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك، فأنزل الله عز وجل: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} - إلى قوله: - {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187]. وأخرجه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي ¬أخرجه الإمام أحمد عن أبي النضر به، (المسند 36/ 436 ح 22124)، وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح 1/ 97 - 99 (ح 381).
وأخرجه أبو داود، السنن، الصلاة، باب كيف الأذان (ح 507) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 479).
وأخرجه الحاكم من طريق المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 274).¥ به.
وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان، كان من شاء صام ومن شاء أفطر ¬صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة (ح 4404) وصحيح مسلم، الصيام (ح 1125).¥، وروى البخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله ¬صحيح البخاري، التفسير (ح 4501 و 4503).¥.
وقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كما قال معاذ - رضي الله عنه -: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا، وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}: كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها ¬الصحيح، التفسير (ح 4507).¥. وروي أيضًا من حديث عبيد الله عن [نافع عن] ¬سقط من الأصل وأثبت من (ح) و (عف).¥ ابن عمر قال: هي منسوخة ¬صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة (ح 4506).¥.
وقال السدي، عن مُرة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال: يقول: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي: يتجشمونه. قال عبد الله: فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، {فَمَنْ تَطَوَّعَ} قال: يقول: أطعم مسكينًا آخر {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا ¬في الأصل: "تصدقوا".¥ خَيْرٌ لَكُمْ} فكانوا كذلك حتى نسختها {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ¬سنده حسن إلى عبد الله بن مسعود ويشهد له ما يليه.¥ [البقرة: 185].
وقال البخاري أيضًا: أخبرنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء: سمع ابن عباس يقرأ: {وَعَلَى الَّذِينَ} [يطوّقونه] ¬في الأصل: "يطيقونه" والتصويب من (عف) ورواية الصحيح فقد أخرجه البخاري بسنده ومتنه (التصحيح، التفسير، سورة البقرة ح 4505).¥ {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}. قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه ¬أخرجه الطبري من طريق عزرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ويشهد له ما سبق.¥.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، ثم ضعف فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا ¬في سنده أشعث بن سوار: ضعيف كما في التقريب ويشهد له ما سبق.¥.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا الحسن بن محمد بن بهرام المخرمي، حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد بن عبد الله، عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا ثم نسخت الأولى إلى الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن الجوزي كلاهما من طريق ابن جريج عن عطاء به، (نواسخ القرآن ص 172).¥.
فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]. وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام، فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] ¬الزيادة من (ح) و (عف).¥ أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما لا يجب عليه إطعام لأنه ضعيف عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية كالصبي، لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها وهو أحد قولي الشافعي والثاني، وهو الصحيح وعليه أكثر العلماء: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسّره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: (وعلى الذين [يطوَّقونه] ¬في الأصل: يطيقونه والتصويب من (عف) ورواية البخاري المتقدمة عن ابن عباس.¥) أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره ¬ذكر ابن حجر أن مسعود كان يقرأ يطوّقونه (فتح الباري 8/ 180).¥، هو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين كل يوم، مسكينًا، خبزًا ولحمًا وأفطر ¬ذكر البخاري تعليقًا في صحيحه، التفسير، باب {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} [البقرة: 184]، قبل حديث رقم 4505.¥.
وهذا الذي علّقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة، قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم ¬مسند أبي يعلى 7/ 204 (ح 4194)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ولكنه منقطع (مجمع الزوائد 3/ 164) والانقطاع هو بين أيوب وأنس، فقد ذكر ابن حبان أنه لا يصح أيوب من أنس (المقصد العلي ح 514).
ولا يضر هذا الانقطاع لأن الحافظ بن كثير أشار إلى رواية عبد بن حميد، من حديث ستة من أصحاب أن وفي ذلك متابعة، والإسناد صحيح إذ توبع أيوب بواسطة النضر بن أنس وحُميد الطويل وثابت البناني ذكر ذلك ابن حجر بروايات مسندة (انظر: تغليق التعليق 4/ 177 - 178).¥.
ورواه عبد بن حميد عن روح بن عبادة، عن عمران وهو ابن حُدير، عن أيوب به. ورواه عبد أيضًا من حديث ستة من أصحاب أنس [عن أنس] ¬الزيادة من (عف) و (ح) و (حم).¥ بمعناه، ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير [بين] ¬في الأصل: "من" والتصويب من (ح) و (عف) و (حم).¥ العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان، وقيل: يفديان فقط ولا قضاء، وقيل: يجب القضاء بلا فدية، وقيل: يفطران ولا فدية ولا قضاء، وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة من كتاب الصيام الذي أفردناه، ولله الحمد والمنّة.