تفسير ابن كثير
{وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)}.
قال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان، سمعت أبا وائل، عن حذيفة {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال: نزلت في النفقة ¬صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ ... } (ح 4516).¥.
ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن أبي معاوية، عن الأعمش به، مثله قال: وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك ¬أخرجه ابن أبي حاتم من الطريق نفسه ثم ذكر ابن عباس ومن بعده من التابعين من غير سند، وأقوال مجاهد وقتادة والسدي والحسن أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة، وأما قول الضحاك وعكرمة فأخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة تتقوى بما سبق.¥، وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيًا فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ونصره، حتى فشا الإسلام وكَثُر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا، فنقيم فيهما، فنزلت فينا: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد ¬أخرجه أبو داود في السنن، الجهاد، باب قول الله تعالى: { ... وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] (ح 2512)، والترمذي في السنن، تفسير سورة البقرة (ح 2972)، والنسائي في التفسير (ح 48 و 49)، وابن حبان كما موارد الظمآن (ح 1667)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 275) كلهم من طريق يزيد بن أبي حبيب به، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح 2373).¥.
رواه أبو داود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد في تفسيره، وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل يُريدُ فضالةَ بن عبيد، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه، فقالوا: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأوّلون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعزّ الله دينه وكَثُر ناصروه، قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية ¬تقدم تخريجه في الرواية السابقة.¥.
وقال أبو بكر بن عياش: عن أبي إسحاق السبيعي، قال: قال رجل للبراء بن عازب، إن حملت على العدو وحدي فقتلوني، أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [النساء: 84] وإنما هذه في النفقة.
رواه ابن مردويه وأخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق به، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ¬أخرجه الإمام أحمد (المسند 4/ 281) ورجاله ثقات وسنده صحيح ولا يضر سوء حفظ أبي بكر بن عياش لأن الرواية ثابتة في صحيح البخاري كما تقدم. وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 275).¥، ورواه الثوري وقيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن البراء، فذكره وقال بعد قوله: {لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ} [النساء: 84]: ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب فيلقي بيده إلى التهلكة ولا يتوب ¬أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح 3/ 588.¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، [حدثني الليث] ¬ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و (ح) و (عف) ورواية ابن أبي حاتم الآتية.¥، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، أخبره أنهم حاصروا دمشق فانطلق رجل من أزدشنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فردَّه، وقال عمرو: قال الله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.¥.
وقال عطاء بن السائب: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله ولا تلق بيدك إلى التهلكة ¬أخرجه الطبري وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.¥.
قال حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك، عن أبي جُبير، قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله، فنزلت {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هدبة عن حماد به، ورجاله ثقات، وسنده صحيح.¥.
وقال الحسن البصري: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال: هو البخل ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عوف الأعرابي عن الحسن وسنده صحيح.¥.
وقال سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، في قوله: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}: أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله: {اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ¬أخرجه الواحدي من طريق حماد بن سلمة عن سماك به (أسباب النزول ص 47)، وذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح (مجمع الزوائد 6/ 320).¥ رواه ابن مردوية.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عَبيدة السلماني والحسن وابن سيرين وأبي قلابة نحو ذلك، يعني: نحو قول النعمان بن بشير، أنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي: يستكثر من الذنوب فيهلك ¬ذكرهم ابن أبي حاتم من غير إسناد، وأقوال عَبيدة السلماني وابن سيرين والحسن أخرجها الطبري بأسانيد صحيحة.¥. ولهذا ¬كذا في (عش)، وفي الأصل: "ولذا".¥ روى علي بن أبي طلحة ¬في الأصل: "عن أبي طلحة" والتصويب من (عش) والتخريج.¥، عن ابن عباس: التهلكة عذاب الله ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.¥.
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير، جميعًا: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي محمد بن كعب، أنه كان يقول في هذه الآية: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال: كان القوم في سبيل الله، فيتزود الرجل، فكان أفضل زادًا من الآخر، أنفق الباقين من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء، أحبّ أن يواسي صاحبه فأنزل الله: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم عن يونس به، وسنده حسن.¥، وبه قال ابن وهب أيضًا: أخبرني عبد الله بن عياش ¬في الأصل: "وقال ابن وهب أيضًا أخبرني عبد الله بن عباس" والتصويب من "عش" والتخريج.¥، عن زيد بن أسلم في قول الله: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وذلك أن رجالًا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بغير نفقة، فإما أن يقطع بهم وإما كانوا عيالًا، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي. وقال لمن بيده فضل: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، وسنده حسن.¥.
ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، والإخبار عن ترك ذلك بأنه هلاك ودمار [لمن] ¬في الأصل: "إن" التصويب من (عش) و (عف).¥ لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.