تفسير ابن كثير
{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)}
وهذا مثل آخر ضربه (الله) ¬من (ز) و (ل) و (ن) و (هـ) (ي).¥ تعالى لضربٍ آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارةً، ويشكون تارةً أخرى؛ فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم ({كَصَيِّبٍ}).
والصيب: المطر؛ قاله ¬أخرجه ابن جرير (408).¥ ابن مسعود، وابن ¬أخرجه ابن جرير (405)؛ وأبو الشيخ في "العظمة" (743) من طريق محمد بن عبيد عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. وسنده قوي، وبقية الآثار عند ابن جرير وأبي الشيخ (744)؛ وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" (1/ 54). [وهذه الآثار أسانيدها ثابتة سوى أثر عطية العوفي ويتقوى بالآثار الأخرى].¥ عباس، وناس من الصحابة، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، والسدي، والربيع بن أنس.
وقال الضحاك: هو السحاب. والأشهر هو المطر نزل من السماء، في حال ظلمات؛ وهي الشكوك، والكفر، والنفاق.
{وَرَعْدٌ} وهو ما يزعج القلوب من الخوف؛ فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد، والفزع؛ كما قال تعالى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ} [المنافقون: 4] وقال: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)} [التوبة].
والبرق هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان من نور الإيمان؛ ولهذا قال: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} أي: (ولا يجدي) ¬في (ج) و (ل): "يجزي".¥ عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته؛ كما قال: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20)} ¬قال في حاشية (ج): "حاشية: الصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء في وقت الرعد الشديد، وحكى الخليل بن أحمد عن بعضهم: صاعقة، وحكى بعضهم: صاعقة، وصعقة، وصاقعة ونقل عن الحسن البصري أنه قرأ: من الصواقع حذر الموت؛ بتقديم القاف وأنشدوا لآبي اللحم:
يحكون بالمصقولة القواطع ... تشقق البرق عن الصواقع
قال النحاس: وهي لغة بني تميم وبعض بني ربيعة. حرر ذلك القرطبي". اهـ.
قلت: وقد ثبتت هذه الحاشية في (ى) ولكن ناسخ (ل) وضعها في سياق الكلام، وكذلك ناسخ (ع) كتبها على حاشية نسخته وأشار في السياق إلى موضعها، والصواب أنها حاشية كما صرح به في (ج) والله أعلم.¥ [البروج].