تفسير ابن كثير
{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)}.
هذا إيجاب من اللّه تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفُّوا شرَّ الأعداء عن حوزة الإسلام.
وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكر بن عمرو المعافري عن الزهري به.¥.
(قلت): ولهذا ثبت في الصحيح: "من مات ولم يغزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية" ¬أخرجه مسلم، الصحيح، الإمارة، باب (ح 1910).¥، وقال عليه السلام يوم الفتح: "لا هجرة ولكن جهاد وفية، وإذا استنفرتم فانفروا" ¬البخاري، الصحيح، جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة (ح 1834)، وأخرجه مسلم، الصحيح، الحج (ح 1353).¥.
وقوله: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} أي: شديد عليكم ومشقة وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم. {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} وهذا عام في الأمور كلها قد يحب المرء شيئًا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم.
ثم قال تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون.