تفسير ابن كثير
{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)}.
هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاث طبقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}.
قال أبو داود رحمه الله في سننه: (باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث)، حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228]، الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك فقال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} الآية ¬أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ح 2195).¥، ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين به ¬سنن النسائي، الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث 6/ 212، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح 3326).¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة - يعني ابن سليمان -، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلًا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا ولا آويك أبدًا، قالت: كيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، فأنزل اللّه عز وجل: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه قال الألباني: سنده صحيح مرسل (إرواء الغليل 7/ 162).¥، وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس ¬أخرجه الطبري من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس كلاهما عن هشام به.¥، ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون، كلهم عن هشام، عن أبيه، قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء ما دامت في العدة، وإن رجلًا من الأنصار غضب على امرأته، فقال: واللهِ لا آويكِ ولا أفارقكِ، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقكِ، فإذا دنا أجلكِ راجعتكِ، ثم أطلقكِ، فإذا دنا أجلكِ راجعتكِ. فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله عز وجل: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} قال: فاستقبل الناس الطلاق من كان طلَّق ومن لم يكن طلَّق ¬وهو صحيح إلى عروة لكنه مرسل.¥.
وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب به ¬السنن، الطلاق (ح 1192) وفي سند ابن مردويه والترمذي يعلى بن شبيب: وهو لين الحديث كما في التقريب. وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح 1210).¥، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلًا، وقال: هذا أصح ¬المصدر السابق (ح 1193).¥. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن يعلى بن شبيب به، وقال: صحيح الإسناد ¬المستدرك 2/ 279 - 280 وفي سنده أيضًا يعلى بن شبيب.¥.
ثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال: واللّه لأتركنك لا أيمًا ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل اللّه عز وجل فيه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} فوقت الطلاق ثلاثًا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره ¬في سنده محمد بن إسحاق من مدلسي الطبقة الثالثة الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع، وقد عنعن.¥. وهكذا رُوي عن قتادة مرسلًا، ذكره السدي وابن زيد ¬قول قتادة والسدي وابن زيد وهو عبد الرحمن أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة، ويتقوى بهذه المراسيل مرسل عروة بن الزبير.¥ وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية.
وقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أي: إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخيّر فيها ما دامت عدتها باقية بين أن تردها إليك ناويًا الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك وتطلق سراحها محسنًا إليها، لا تظلمها من حقها شيئًا ولا تضارّ بها.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتَّقِ اللّه في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئًا ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.¥.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع، قال: سمعت أبا رزين يقول: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله عز وجل: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان" ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وهو مرسل، وأخرجه أبو داود في المراسيل (ح 220).¥ ورواه عبد بن حميد في تفسيره ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، سمعت أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول اللّه، أرأيت قول الّه: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} فأين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان الثالثة" ¬وهو مرسل أيضًا.¥. ورواه الإمام أحمد أيضًا ¬لم أجده في كتب الإمام أحمد المذكورة في قائمة المصادر.¥. وهكذا رواه سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله، عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية، عن إسماعيل بن سُميع، عن أبي رزين به ¬سنن سعيد بن منصور (ح 1457).¥. وكذا رواه ابن مردويه أيضًا من طريق قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سُميع، عن أبي رزين به مرسلًا ورواه ابن مردويه أيضًا من طريق عبد الواحد بن زياد، عن إسماعيل بن سميع، عن أنس بن مالك، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... فذكره، ثم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد اللّه بن جرير بن جبلة، حدثنا ابن عائشة، حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ذكر اللّه الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) ¬أخرجه الدارقطني (السنن، الطلاق 4/ 4)، والبيهقي في (السنن الكبرى 7/ 34) كلاهما من طريق عبد الواحد بن زياد به. ضعفه البيهقي، رواه جماعة من الثقات عن إسماعيل - يعني مرسلًا - وروي عن قتادة عن أنس - رضي الله عنه - وليس بشيء (السنن الكبرى 7/ 340).¥.
وقوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} أي: لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهنَّ، ليفتدين منكم بما أعطيتموهنَّ من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: {وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء: 19] فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها، فقد قال تعالى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} الآية، فأما إذا لم يكن لها عذر، وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، قالا جميعًا: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عمن حدثه، عن ثوبان، أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، قال: "أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه شيخ أبي قلابة مبهم وقد صرح باسمه كما سيأتي، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري رقم (4844).¥.
وهكذا رواه الترمذي عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي به، وقال حسن: قال: ويروى عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإسناد ولم يرفعه ¬سنن الترمذي، الطلاق، باب ما جاء في المختلعات (ح 1187)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 200).¥.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان، قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" ¬المسند 5/ 238، وسنده صحيح.¥. وهكذا رواه أبو داود وابن ماجه وابن جرير من حديث حماد بن زيد به ¬سنن أبي داود، الطلاق، باب الخلع (ح 2226)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب كراهية الخلع للمرأة (ح 2055)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 1947).¥.
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس حرم اللّه عليها رائحة الجنة" وقال: "المختلعات هنَّ المنافقات" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ليث بن أبي سليم فيه مقال، وقد توبع فسنده حسن لغيره، ولكن بدون المختلعات هن المنافقات.¥. ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعًا، عن أبي كريب، عن مزاحم بن ذواد بن عُلبة، عن أبيه، عن ليث هو ابن أبي سُليم، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "المختلعات هن المنافقات". ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي ¬أخرجه الطبري في تفسيره والترمذي في سننه، الطلاق، ما جاء في المختلعات (ح 1186).¥.
(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا قيس بن الربيع، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن ثابت بن يزيد، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات" ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الطبراني من طريق قيس به (المعجم الكبير 17/ 339 ح 935)، وقال الهيثمي: فيه قيس بن الربيع وثقه الثوري وشعبة، وفيه ضعف (مجمع الزوائد 5/ 8).¥ غريب من هذا الوجه ضعيف.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المختلعات والمنتزعات هن المنافقات" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح 9347) وصححه محققه أحمد شاكر ولكن قال النسائي: الحسن لم يسمع شيئًا من أبي هريرة فقد أخرجه النسائي من طريق المغيرة بن سلمة عن وهيب به. ثم ذكر الانقطاع (السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع 6/ 169).¥.
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمه عمارة بن ثوبان، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه، فتجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" ¬أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب كراهية الخلع للمرأة ح 2054). وفى سنده عمارة بن ثوبان مستور (التقريب ص 409).¥.
ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة فيجوز للرجل حينئذٍ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إلا بدليل، والأصل عدمه، ممن ذهب إلى هذا ابن عباس وطاوس وإبراهيم وعطاء والحسن والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئًا وهو مضارّ لها، وجب ردّه إليها، وكان الطلاق رجعيًا قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه، وذهب الشافعي رحمه الله إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند الاتفاق بطريق الأولى والأخرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة.
وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستذكار" له عن بكر بن عبد اللّه المزني، أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] ورواه ابن جرير عنه ¬أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما الآخر، وبكر بن عبد الله المزني تابعي وقد خالف الإجماع في ذكره لهذا النسخ قال النحاس: وهذا قول شاذ خارج عن الإجماع (الناسخ والمنسوخ 2/ 51).¥، وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله، وقد ذكر ابن جرير رحمه الله أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس وامرأته حبيبة بنت عبد اللّه بن أبي بن سلول، ولنذكر طرق حديثها واختلاف ألفاظه، قال الإمام مالك في موطئه: عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة: أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -، خرج إلى الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من هذه؟ " قالت: أنا حبيبة بنت سهل. "فقال ما شأنك؟ " فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها، فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء اللّه أن تذكر" فقالت حبيبة: يا رسول اللّه كل ما أعطاني عندي، فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "خذ منها" فأخذ منها وجلست في أهلها ¬أخرجه مالك بسنده ومتنه (الموطأ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع 2/ 564 ح 31) وسنده صحيح.¥. وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بإسناده مثله ¬المسند 6/ 433، وسنده صحيح.¥، ورواه أبو داود عن القعنبي، عن مالك والنسائي، عن محمد بن مسلمة، عن ابن القاسم، عن مالك ¬سنن أبي داود، الطلاق، باب في الخلع (ح 2227)، وسنن النسائي، الطلاق، باب ما جاء في الخلع 6/ 169، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 1948).¥.
(حديث آخر) عن عائشة، قال أبو داود وابن جرير: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو عمرو السدوسي عن عبد الله ¬في الأصل: "عبيد اللّه" والتصويب من (عف) و (ح) و (حم).¥ بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فضربها فكسر نفضها ¬أعلى كتفها.¥، فأتت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ثابتًا، فقال: "خذ بعض مالها وفارقها" قال: ويصلح ذلك يا رسول اللّه؟ قال: "نعم" قال: إني أصدقتها حديقتين فهما بيدها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خذهما وفارقها" ففعل ¬أخرجه الطبري وأبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب في الخلع ح 2228)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 1949). وأرى لفظة: "فكسر نفضها". منكرة مخالفة لما في الصحيح في قولها: لا أعتب عليه في خلق ولا دين. كما سيأتي في الحديث التالي، ولعله من خطأ أبي عمرو السدوسي فهو صحيح الكتاب يخطئ من حفظه (التقريب ص 236).¥، وهذا لفظ ابن جرير وأبو عمرو السدوسي هو: سعيد بن سلمة بن أبي الحسام.
(حديث آخر) فيه: عن ابن عباس - رضي الله عنه -، قال البخاري: حدثنا أزهر بن جميل ¬في الأصل: "بن حبل" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و (ح) و (حم) والتخريج.¥، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس، أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول اللّه ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" ¬أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الطلاق، باب الخلع ح 5273).¥. وكذا رواه النسائي عن أزهر بن جميل بإسناده مثله ¬السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع 6/ 169.¥، ورواه البخاري أيضًا به، عن إسحاق الواسطي، عن خالد هو ابن عبد اللّه الطحان، عن خالد هو ابن مهران الحذّاء، عن عكرمة، به نحوه ¬صحيح البخاري (ح 5274).¥، وهكذا رواه البخاري أيضًا من طرق عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس به وفي بعضها أنها قالت: لا أطيقه ¬المصدر السابق (ح 5275 و 2576).¥؛ تعني: بغضًا. وهذا الحديث من إفراد البخاري من هذا الوجه، ثم قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة أن جميلة - رضي الله عنها - ¬المصدر السابق (ح 5277).¥ - كذا قال - والمشهور أن اسمها حبيبة كما تقدم، [لكن قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثني أبو يوسف يعقوب بن يوسف الطباخ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا عبيد اللّه بن عمر القواريري، حدثني عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن جميلة بنت سلول أتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: والله ما أعتب على ثابت بن قيس في دين ولا خلق، ولكنني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضًا، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تردين عليه حديقته؟ ". قالت: نعم، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ ما ساق ولا يزداد] ¬ما بين قوسين زيادة من (عف) وفي الأصل وردت رواية ابن مردويه سندًا ومتنًا وكذا في (ح) و (حم).¥، وقد رواه ابن مردويه في تفسيره عن موسى بن هارون، حدثنا أزهر بن مروان، حدثنا عبد الأعلى مثله، وهكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان بإسناد مثله سواء ¬أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب الخلع ح 5273).¥، وهو ¬في الأصل: "وهذا".¥ إسناد جيد مستقيم.
ورواه أبو القاسم البغوي عن عبيد اللّه القواريري، عن عبد الأعلى مثله، لكن قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد عن ثابت، عن عبد اللّه بن رباح، عن جميلة بنت عبد اللّه بن أُبي بن سلول، أنها كانت تحت ثابت بن قيس فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا جميلة ما كرهت من ثابت؟ ". قالت: واللّه ما كرهت منه دينًا ولا خلقًا، إلا أني كرهت ذمامته، فقال لها، "أتردين عليه الحديقة؟ ". قالت: نعم، فردَّت الحديقة، وفرَّق بينهما ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن عبد البر أنه اختلف في امرأة ثابت بن قيس فذكر البصريون أنها جميلة، وذكر المدينون أنها حبيبة بنت سهل. ثم قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين (الفتح 9/ 399).¥.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: قرأت على فضيل، عن أبي جرير، أنه سأل عكرمة هل ¬في الأصل: "أنه" والتصويب من (عف) و (ح) والتخريج.¥ كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد اللّه بن أُبي، أنها أتت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول اللّه لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهًا، فقال زوجها: يا رسول اللّه، إني قد أعطيتها أفضل مالي حديقة لي، فإن ردَّت عليَّ حديقتي، قال: "ما تقولين؟ " قالت: نعم وإن شاء زدته، قال: ففرق بينهما ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر.¥.
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلًا دميمًا، فقالت: يا رسول اللّه، واللّه لولا مخافة اللّه إذا دخل عليّ بصقت في وجهه، فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: "أتردين إليه حديقته؟ " قالت: نعم، فردت عليه حديقته، قال: ففرق بينهما رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ¬أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه، السنن، الطلاق، باب المختلعة تأخذ ما أعطاها (ح 2057) وفيه نكارة في قولها: والله لولا مخافة الله إذا دخل عليّ بصقت في وجهه!! فإنها مخالفة لما في الصحيح ولعل ذلك من حجاج بن أرطأة فهو كثير الخطأ والتدليس، وقد عنعن في هذه الرواية.¥.
وقد اختلف الأئمة - رحمهم اللّه - في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة ¬في الأصل: "مولى سمرة" والتصويب من التخريج.¥ أن عمر أتى بامرأة ناشز، فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعا بها فقال: كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليالي التي كنت حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده كثير مولى ابن سمرةُ: مقبول (التقريب ص 406).¥.
ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة ... فذكر مثله، وزاد: فحبسها فيه ¬في الأصل: "فحبسها له" والتصويب من (عف) و (ح) و (حم) والتخريج.¥ ثلاثة أيام، قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: أن امرأة أتت عمر بن الخطاب، فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقرّ لعيني من هذه الليلة. فقال: خذ ولو عقاصها ¬أخرجه الطبري من طريق حميد بن عبد الرحمن عن عمر بنحوه، وحميد لم يدرك عمر.¥ ¬العقاص: خيط تشد به المرأة أطراف ضفائرها، والضفيرة: هي العقيصة.¥. وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها ¬ينظر: فتح الباري، كتاب الطلاق، باب الخلع 9/ 394.¥.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الرُبيّع بنت معوذ بن عفراء حدثته، قالت: كان لي زوج يقل عليَّ الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة يومًا فقالت له: أختلع منك بكل شيء أملكه، قال: نعم، قالت: ففعلت، قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخُلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس ¬أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وأخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل به (السنن الكبرى، الخلع، باب الوجه الذي تحل به الفدية 7 ج 315)، وأخرجه الحافظ ابن حجر من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، وحسن إسناده (تغليق التعليق 4/ 461).¥.
ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وقبيصة بن ذؤيب ¬قول ابن عباس أخرجه الطبري بسنده صحيح، وكذا قول عكرمة والحسن وقول مجاهد وإبراهيم وقبيصة بن ذؤيب أخرجه سعيد بن منصور وصحح الحافظ سنده إلى قبيصة (الفتح 9/ 397).¥ والحسن بن صالح وعثمان البتي ¬في الأصل: "اللبتي" والتصويب من (عف) و (حم) و (ح).¥، وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي ثور، واختاره ابن جرير، وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها، جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئًا، فإن أخذ، جاز في القضاء.
وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن شعيب والزهري وطاوس والحسن والشعبي وحماد بن أبي سليمان والربيع بن أنس ¬قول عمرو بن شعيب وعطاء بن أبي رباح والزهري أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الأوزاعي به (المصنف 5/ 123) وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند صحيح.¥.
وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها ¬قول معمر أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم 11848) ومعمر لم يسمع من علي وقول الحكم وهو ابن عتيبة أخرجه عبد الرزاق من طريق ليث بن أبي سليم عن الحكم به (المصنف 11844) وليث فيه مقال، والحكم لم يدرك عليًا أيضًا.¥.
وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.
(قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها ¬سنده مرسل وقد تقدم موصولًا في صحيح البخاري.¥؛ يعني: المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى (ولا جناح عليهما فيما افتدت به) أي: من الذي أعطاها لتقدم قوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} أي: من ذلك، وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس (فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه) رواه ابن جرير ¬أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع، وسنده جيد.¥، لهذا قال بعده: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
(فصل) قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد، يتزوجها إن شاء، لأن الله تعالى يقول: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} قرأ إلى: {أَنْ يَتَرَاجَعَا} ¬سنده صحيح وأشار إليه البيهقي بأنه رواه مختصرًا (السنن الكبرى 7/ 316) وسيأتي كاملًا.¥.
قال الشافعي: وأخبرنا سفيانُ عن عمرو، عن عكرمة، قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق ¬ذكره البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى 7/ 316) وسنده صحيح.¥، وروى غير الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله قال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، ليس الخُلع بطلاق، ذكر اللّه الطلاق في أول الآية وآخرها، والخُلع فيما بين ذلك، فليس الخُلع بشيء، ثم قرأ: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} قرأ: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ¬أخرجه البيهقي من طريق سعدان بن نصر عن سفيان بن عيينة به (السنن الكبرى 7/ 316) ونقل عن ابن المنذر: وليس في الباب أصح من حديث ابن عباس. ثم قال: يريد حديث طاوس عن ابن عباس - رضي الله عنهما - (المصدر السابق).¥.
وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس - رضي الله عنهما - من أن الخُلع ليس بطلاق وإنما هو فسخ، هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وابن عمر ¬قول عثمان وابن عمر سيأتي مسندًا في المسألة الآتية.¥، وهو قول طاوس وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود بن علي الظاهري، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة، والقول الثاني في الخلع: أنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك.
قال مالك: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جهمان مولى الأسلميين، عن أُم بكر الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله خالد بن أسيد فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا فهو ما سميت ¬أخرجه الشافعي عن مالك به (ترتيب مسند الشافعي، كتاب الطلاق، باب في الخلع 2/ 51 ح 165).¥.
قال الشافعي: ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر ¬ذكره عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه قال: إسناده ما أدري ما هو جهمان. قال عبد اللّه: كأنه لم يرض إسناده (مسائل الإمام أحمد رواية ابنه ص 238، 239).¥، واللّه أعلم.
وقد روي نحوه ¬في الأصل: "غيره" والتصويب من (عف) و (حم) و (ح).¥ عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وشريح والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وعثمان البتي ¬في الأصل: "وعثمان الليتي" والتصويب من (عف) و (حم) و (ح).¥ والشافعي في الجديد، غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق، فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخُلع، وهو أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن البينة، فليس هو بشيء بالكلية.
مسألة: وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه في رواية عنهما ¬قول إسحاق ذكره الترمذي بأنه مذهب قوي (السنن، الطلاق 2/ 483).¥، وهي المشهورة، إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة وسالم وأبو سلمة وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي وأبو عياض وخلاس بن عمر وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبو عبيد.
قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم ¬المصدر السابق.¥. ومأخذهم في هذا أن الخُلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات.
والقول الثاني: أنها تعتد بحيضة واحدة تستبرى بها رحمها.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد اللّه بن عمر ¬كذا في مصنف ابن أبي شيبة.¥، عن نافع: أن الرُّبيّع اختلعت من زوجها، فأتى عمها عثمان - رضي الله عنه -، فقال: تعتد بحيضة. قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض، حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به، ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا ¬أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف، الطلاق، من قال: عدتها حيضة 5/ 114) وسنده صحيح.¥، وحدثنا عبدة عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: عدة المختلعة حيضة ¬أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصدر السابق) وسنده صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 1951).¥، وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ¬في الأصل: "البخاري" والتصويب من (عف) و (حم) و (ح) والتخريج.¥، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: عدتها حيضة ¬أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصدر السابق) وفي سنده ليث وهو ابن أبي سليم تُكلم فيه وقد توبع فسنده حسن.¥. وبه يقول عكرمة وأبان بن عثمان وكل من تقدم ذكره ممن يقول: إن الخلع فسخ يلزمه القول بهذا، واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود والترمذي حيث قال: كل واحد منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي، حدثنا علي بن بحر، أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تعتد بحيضة، ثم قال الترمذي: حسن غريب ¬أخرجه أبو داود (السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ح 2229)، والترمذي (السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ح 1185) كلاهما بسنده ومتنه. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 1950)، وأخرجه الحاكم من طريق علي بن بحر به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 206).¥، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلًا ¬أخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به (المستدرك 2/ 206).¥.
(حديث آخر) قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، وهو مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن الرُبيِّع بنت معوذ بن عفراء، أنها اختلعت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو أمرت أن تعتدَّ بحيضة، قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتدَّ بحيضة ¬السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع (ح 1184) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح 945).¥.
(طريق أخرى) قال ابن ماجه: حدثنا علي بن سلمة النيسابوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الرُّبَيّع بنت معوذ بن عفراء، قال: قلت لها: حدثيني حديثك، قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان فسألت عثمان: ماذا علي من العدة؟ قال: لا عدة عليك إلا أن يكون ¬لفظ: "يكون" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (حم) و (ح) والتخريج.¥ حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة، قالت: وإنما اتبع في ذلك قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختلعت منه ¬أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب عدة المختلعة ح 2058).¥.
وقد روى ابن لهيعة عن ابن الأسود، عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن الرُّبيِّع بنت معوذ، قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتدَّ بحيضة ¬يشهد له رواية الترمذي السابقة من حديث الرُّبيّع.¥.
مسألة: وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى وماهان الحنفي وسعيد بن المسيب والزهري أنهم قالوا: إن ردَّ إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها. وهو اختيار أبي ثور - رحمه الله -.
وقال سفيان الثوري: إن كان الخُلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة ولا سبيل له عليها، وإن كان يسمى طلاقًا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة، وبه يقول داود بن علي الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة، وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فرقة: أنه لا يجوز له ذلك كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود.
مسألة: وهل له أن يوقع عليها طلاقًا آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:
(أحدها): ليس له ذلك، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه، وبه يقول ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور.
(والثاني): قال مالك: إن أتبع الخُلع طلاقًا من غير سكوت بينهما، وقع، وإن سكت بينهما، لم يقع، قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان - رضي الله عنه -.
(والثالث): أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وإبراهيم والزهري والحاكم والحكم وحماد بن أبي سليمان، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء.
وقال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.
وقوله: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم. هي حدود فلا تتجاوزوها، كما ثبت في الحديث الصحيح: "إن الله حدَّ ¬لفظ: "حدَّ" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (حم) و (ح) والتخريج.¥ حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" ¬أخرجه الحاكم من حديث أبي ثعلبة الخشني وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك 4/ 115).¥.
وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة لقوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} ثم قال: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله ¬أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليط 6/ 142) وحكم الحافظ ابن كثير عليه بالانقطاع.¥؟ - فيه انقطاع -.