Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 256

Surah 2 : Ayah 256

لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

There is no compulsion in religion[151]; the truth has been made distinct from falsehood. Whoever rejects Tāghoot [152][i.e., false gods] and believes in Allah, has indeed grasped the strong handhold that never breaks[153]. And Allah is All-Hearing, All-Knowing.

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير ابن كثير

{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)}.

يقول تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه ¬لفظ: "فإنه " سقط من الأصل.¥ بيّن واضح، جليّ دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًا. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تكون مقلاة ¬المقلاة: المرأة التي لا يعيش لها ولد.¥، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله - عز وجل -: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.¥، وقد رواه أبو داود والنسائي جميعًا عن بندار به، ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه. وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به ¬سنن أبي داود، الجهاد، باب في الأسير (ح 2682)، وتفسير ابن أبي حاتم وموارد الظمآن في زوائد ابن حبان (ح 1725).¥، وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم، أنها نزلت في ذلك. وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد، عن ابن عباس قوله: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف، يقال له: الحصين، كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ألا استكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك، رواه ابن جرير ¬أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق بلفظه، وفيه محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وابن إسحاق لم يصرح بالسماع بل عنعن. وسنده ضعيف.¥. وروى السدي نحو ذلك، وزاد: وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا، فلما عزما على الذهاب معهم، أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية ¬أخرجه الطبري بسند حسن إلى السدي لكنه مرسل.¥. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شَريك، عن أبي هلال، عن أُسق ¬أُسَّق: بألف مضمومة وسين مشددة مفتوحة مولى عمر بن الخطاب مسكوت عنه (الطبقات الكبرى لابن سعد 6/ 158).¥، قال: كنت في دينهم مملوكًا نصرانيًا لعمر بن الخطاب، فكان يعرض علي الإسلام، فآبى، فيقول: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} ويقول: يا أسق، لو أسلمت لاستعنَّا بك على بعض أمور المسلمين ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفيه أُسَّق، وشريك هو ابن عبد الله، وهو صدوق يخطئ كثيرًا وتغير كما في التقريب.¥. وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء، أن هذه محمولة على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن قتادة ومقاتل بن حيان نحوه.¥، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي نحوه.¥، وإنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف، دين الإسلام، فإن أبى أحد منهم الدخول فيه، ولم ينقد له أن يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل، وهذا معنى الإكراه، قال الله تعالى: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16] وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التحريم: 9]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)} [التوبة]. وفي الصحيح: "عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل" ¬أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، وسنده صحيح).¥ يعني: الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: "أسلم"، قال: إني أجدني كارهًا، قال: "وإن كنت كارهًا" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 3/ 181).¥ فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل، فإنه لم يكرهه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام، بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له: أسلم وإن كنت كارهًا، فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص. وقوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: من خلع الأنداد والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده، وشهد أنه لا إله إلا هو {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريق المثلى، والصراط المستقيم. قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي، حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن حسان، هو: ابن فائد العبسي قال: قال عمر - رضي الله عنه -: إن الجِبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال، يقاتل الشجاع عمّن لا يعرف، ويفرّ الجبان عن أُمه، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه، وإن كان فارسيًا أو نبطيًا. وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي، عن عمر ... فذكره ¬أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وأخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم عن عمر، وأخرجه ابن رسته في الإيمان من طريق أبي إسحاق به، وقال الحافظ ابن حجر: وإسناده قوي (فتح الباري 8/ 252).¥، ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان، قوي جدًّا، فإنه يشمل كلَّ شرٍّ كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها، والاستنصار بها. وقوله: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} أي: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم، هي في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد، ولهذا قال: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا ... } الآية. قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.¥. وقال السدي: هو الإسلام ¬أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.¥. وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله ¬قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف.¥. وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى: القرآن ¬أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن مغيرة بن حسان عن أنس بن مالك.¥. وعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله، والبغض في الله ¬أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مخارق بن ثعلبة عنه.¥. وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تنافي بينها. وقال معاذ بن جبل في قوله: {لَا انْفِصَامَ لَهَا} لا انقطاع لها دون دخول الجنة. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: {فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا} ثم قرأ {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا ابن عون، عن محمد بن قيس بن عباد، قال: كنت في المسجد، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فصلى ركعتين أوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه فحدثته، فلما استأنس، قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد، قالوا: كذا وكذا، قال: سبحان الله، ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لِمَ؟ إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قصصتها عليه، رأيت كأني في روضة خضراء. قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلى عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع، فجاءني منصف - قال ابن عون: هو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد، فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقصصتها عليه فقال: "أما الروضة، فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت" قال: وهو عبد الله بن سلام ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 452)، وسنده صحيح متفق عليه.¥. أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون، فقمت إليه. وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن محمد بن سيرين به ¬صحيح البخاري، المناقب، باب مناقب الأنصار (ح 3812)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن سلام، الحديث الثاني.¥. (طريق أخرى وسياق آخر) قال الإمام أحمد: أنبأنا حسن بن موسى وعثمان، قالا: أنبأنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن المسيب بن رافع، عن خرشة بن الحرّ، قال: قدمت المدينة فجلست إلى أشيخةٍ في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجاء شيخ يتوكأ على عصًا له، فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقمت إليه فقلت له ¬لفظ: "له" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (ح) و (حم) والتخريج.¥: قال بعض القوم: كذا وكذا، فقال: الجنة لله، يدخلها من يشاء، وإني رأيت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رؤيا: كأن رجلًا أتاني فقال: انطلق، فذهبت معه فسلك بي منهجًا عظيمًا، فعرضت لي طريق عن يساري، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها، ثم عرضت لي طريق عن يميني، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق، فأخذ بيدي فزجل بي ¬في الأصل: "فدحى بي" والتصويب من صحيح مسلم والمسند ومعنى: زجل بي: أي رفع بي.¥ فإذا أنا على ذروته فلم أتقارَّ ¬في الأصل بدون نقط.¥ ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك فقلت: نعم، فضرب العمود برجله، فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "رأيت خيرًا، أما المنهج العظيم فالمحشر، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام، فاستمسك بها حتى تموت" قال: فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة، قال: وإذا هو عبد الله بن سلام ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 452 - 453) وسنده حسن.¥، وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن الحسن بن موسى الأشيب، كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه، وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحر الفزاري به ¬صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن سلام (ح 2484).¥.

Tafsir in other languages · 8