تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}.
يَعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: {وَإِنْ كَانَ} ممن تَقبِضون منه مِن غُرمائِكم رُءُوسَ أموالِكم {ذُو عُسْرَةٍ}، يعْنى مُعسرًا برءُوسِ أموالِكم التي كانت لكم عليهم قَبلَ الإرْباءِ، فأَنْظِروهُم إلى مَيْسرَتِهم.
وقولُه: هو {ذُو عُسْرَةٍ} مرفوعُ بـ {كَانَ}، والخبرُ متروكٌ، وهو ما ذَكرْنا. وإنما صلَح تركُ خبرِها من أجلِ أنّ النكراتِ تُضمِرُ لها العربُ أخبارَها. ولَوْ وُجِّهَتْ {كَانَ} في هذا الموضعِ إلى أنها بمعنَى الفعلِ المُكْتَفِي بنفْسِه التامِّ، لكان وجْهًا صحيحًا، ولمْ تكنْ بها حاجةٌ حينئذٍ إلى خبرٍ، فيكونُ تأويلُ الكلامِ عندَ ذلك: وإن وُجِد ذُو عُسْرَةٍ مِن غُرَمائِكم برءُوسِ أموالِكم، فنَظِرةٌ إلى مَيسرَةٍ.
وقد ذُكرَ أن ذلك في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ: (وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ) ¬ينظر معاني القرآن للفراء 1/ 186، وذكر أنها قراءة ابن مسعود أيضا.¥ بمعنى: وإِنْ كان الغريمُ ذَا عُسْرَةٍ، فنَظِرَةٌ إلى مَيسرَةٍ. وذلك وإنْ كان في العربيةِ جائزًا، فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به عندَنا؛ لخلافِه خطوطَ مَصاحفِ المسلمين.
وأما قولُه: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. فإنه يَعنِي: فعليكم أن تُنْظرُوه إلى مَيسرَتِه، كما قال: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ}. وقد ذَكرْنا وجْهَ رفعِ ما كان مِن نَظائِرِ هذا فيما مضَى قَبلُ ¬ينظر ما تقدم في (3/ 357، 358).¥، فأغْنَى ذلك عن تكرِيرِه.
والميسَرةُ: المفْعَلةُ من اليُسرِ، مثلُ المرْحمةِ والمشْأمةِ.
ومعنى الكلامِ: وإنْ كان مِن غُرمائِكم ذُو عُسرَةٍ، فعليكم أن تُنظِرُوه حتى يُوسِرَ بما ¬بعده في ص، م، ت 1، ت 2، س: "ليس".¥ لكم، فيصيرَ مِن أهلِ اليُسرِ به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلَ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. قال: نَزَلَتْ في الرِّبا ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 522) (2934) من طريق محمد بن فضيل به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (تفسير - 454) من طريق يزيد بن أبي زياد به.¥.
وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، أنَّ رجلًا خاصَم رجلًا إلى شُريحٍ، فقضَى عليه وأمَر بحبْسِه، قال: فقال رجلٌ عندَ شُريحٍ: إنه مُعسِرٌ، واللهُ يقولُ في كتابِه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. قال: فقال شُريحٌ: إنما ذلك في الرِّبا، وإن الله قال في كتابِه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]. ولَا يَأْمُرُنا اللهُ بشيءٍ ثم يُعذِّبُنا عليه ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (453 - تفسير) من طريق هشيم عن هشام وعن يونس معًا، دون قوله بعد الآية.¥.
وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. قال: ذلك في الرِّبا ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (452 - تفسير) عن هشيم به.¥.
وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن الحسنِ ¬كذا في الأصل، م، وفي ص، ت 2، س: "الحسي"، وفي ت 1: "الخشني"، ورجح الشيخ شاكر أنها الشعبي، وذكر محقق تفسير سعيد بن منصور أن رسمها عنده: الحجبى، واستشكلها ثم قال: ولم أجد الحديث عند غيرهما حتى أتمكن من حل هذا الإشكال.¥، أنّ الربيعَ بنَ خُثَيْمٍ ¬في الأصل: "جبير"، وفي م، ت 1، ت 2، س: "خيثم".¥ كان له على رجلٍ حقٌّ، فكان يأتِيه، فيقومُ على بابِه، ويقولُ: أَثَمَّ ¬في م: "أي".¥ فلانٌ؟ إنْ كنتَ مُوسرًا فأَدِّ، وإِنْ كنتَ مُعسِرًا فإلى مَيسرَةٍ ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (452 - تفسير) عن هشيم به، وفيه الإشكال المتقدم في الراوى عن الربيع.¥.
وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: جاء رجلٌ إلى شُرَيْحٍ، فكلَّمه، فجعَل يقولُ: إنه مُعْسِرٌ ¬بعده في ص، م، ت 1، س: "إنه معسر".¥، قال: فظَننتُ أنه يُكَلِّمُه في محبوسٍ، فقال شُرَيْحٌ: إن الرِّبا كان في هذا الحيِّ من الأنصارِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عزّ وجل: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. وقال اللهُ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}. فما كان اللهُ ليَأْمُرَنا بأمرٍ ثم يُعَذِّبَنا عليه، أدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها ¬أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (8/ 305) (15309)، ووكيع في أخبار القضاة (2/ 360)، والنحاس في ناسخه ص 263 من طريق أيوب به بنحوه.¥.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. قال: فنَظِرةٌ إلى ميسرةٍ برأسِ مالِه ¬تقدم بمعناه في ص 54.¥.
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}: إنما أُمِر في الرِّبا أن يُنْظَرَ المعسِرُ، وليست النظِرةُ في الأمانةِ، ولكن تُؤدَّى ¬في ص، ت 2: "مؤدى"، وفي م، ت 1، س: "يؤدى".¥ الأمانةُ إلى أهلِها ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 552) (2935) عن محمد بن سعد به.¥.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ} برأسِ المالِ {إِلَى مَيْسَرَةٍ}. يقولُ: إلى غنًى ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553) (2940) من طريق عمرو بن حماد به.¥
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}: هذا في شأنِ الرِّبا ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 368) إلى ابن المنذر.¥.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ في قولِه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}: هذا في شأنِ الربا، وكان أهلُ الجاهليةِ بها يتبايَعون، فلمَّا أَسْلَم مَن أَسْلَم منهم، أُمِروا أن يأخُذوا رءوسَ أموالِهم ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 368) إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}: يعْنى المطلوبَ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 552) (2932) من طريق أبي صالح به.¥.
وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ في قولِه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. قال: الموت ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553) (2939) من طريق وكيع به.¥.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، [عن محمدِ بن] ¬في الأصل: "بن محمد عن".¥ عليٍّ مثلَه.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصَةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. قال: هذا في الربا.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في الرجلِ يَتَزَوَّجُ إلى ميسرةٍ، قال: إلى الموتِ أو إلى فُرقةٍ.
وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيْم، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. قال: ذلك في الربا ¬أخرجه سعيد بن منصور في سننه (452 - تفسير) عن هشيم به.¥.
وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ عليه، وكان إذا حلَّ دَيْنُ بعضِهم فلم يَجِدْ ما يُعْطِيه، زاد عليه وأخَّره.
وحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ عليه.
وقال آخرون: بل هذه الآيةُ عامٌّ ¬في م: "عامة".¥ في كلِّ مَن كان له قِبَلَ رجلٍ مُعْسرٍ حقٌّ، من أيِّ وجهٍ كان ذلك الحقُّ، مِن دَينٍ حلالٍ أو ربًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
[حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: ذلك في الرِّبا والدَّيْنِ، في كلِّ ذلك] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.
والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 552) (2937) من طريق ابن جريج به.¥.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا جُوَيْبرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: مَن كان ذا عُسرةٍ {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}. قال: وكذلك كلُّ دَينٍ على مسلمٍ، فلا يَحِلُّ لمسلمٍ له دينٌ على أخيه يعْلَمُ منه عُسرةً أن يَسْجُنَه، ولا يَطْلُبَه منه حتى يُيَسِّرَه اللهُ عليه، وإنما جَعَل النظِرةَ في الحلالِ فمِن أجلِ ذلك كانت الديونُ على ذلك ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور (1/ 368) إلى المصنف وعبد بن حميد.¥.
حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. قال: نزَلت في الدَّيْنِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 552) (2934) من طريق ابن فضيل به، وأخرجه سعيد بن منصور (454 - تفسير) من طريق يزيد بن أبي زياد به وعندهما بلفظ: الربا. وينظر الدر المنثور (1/ 368) فقد عزاه إلى ثلاثتهم بلفظ: الربا.¥.
والصوابُ من القولِ في قولهِ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}. أنه يَعْنى به غُرَماءَ الذين كانوا أسْلَموا على عهدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولهم عليهم ديونٌ قد أربَوا فيها في الجاهليةِ، فأدركهم الإسلامُ قبلَ أن يَقْبِضوها منهم، فأمَر اللهُ بوضعِ ما بَقِى من الربا بعدَ ما أسْلَموا، واقتضاءِ ¬في م: "بقبض".¥ رءوسِ أموالِهم ممن كان منهم مِن غُرَمائِهم مُوسِرًا، وإنظارِ مَن كان منهم مُعْسِرًا برءوسِ أموالِهم إلى ميسرتِهم، فذلك حكمُ كلِّ مَن أَسْلَم وله ربًا قد أَرْبَى على غريمٍ له، فإن إسلامَه يُبْطِلُ عن غريمِه ما كان له عليه مِن قبلِ الربا - ويُلْزِمُه أداءَ رأسِ مالِه الذي كان أخَذ منه، أو لزِمه من قبلِ الإرباءِ - إليه إن كان مُوسرًا، وإن كان معسرًا كان مُنْظَرًا برأسِ مالِ صاحبِه إلى ميسرتِه، وكان الفضلُ على رأسِ المالِ مُبْطَلًا عنه، غيرَ أن الآيةَ وإن كانت نزَلت في من ذكَرْنا، وإيَّاهم عنَى بها، فإن الحكمَ الذي حكَم اللهُ به في إنظارِ المعسِرِ برأسِ مالِ المُرْبى بعد بُطولِ الربا عنه حكمٌ واجبٌ لكلِّ مَن كان عليه دَيْنٌ لرجلٍ قد حلَّ عليه، وهو بقضائِه معسرٌ، في أنه به مُنْظ
َرٌ إلى ميسرتِه؛ ولأن دَيْنَ كلِّ ذي دَينٍ في مالِ غريمهِ، وعلى غريمه قضاؤُه منه، لا في رقبتِه، فإذا عُدِم مالُه، فلا سبيلَ على رقبتِه بحبسٍ ولا بيعٍ، وذلك أن مالَ رَبِّ الدَّينِ لن يَخْلُوَ من أحدِ وجوهٍ ثلاثةٍ؛ إِمَّا أَن يكونَ في رقبةِ غريمِه، أو في ذمتِه يَقْبِضُه ¬في ص، م، ت 1، ت 2: "يقضيه".¥ من مالِه، أو في مالٍ له بعينِه؛ فإن يكنْ في مالٍ له بعينِه، فمتى بطَل ذلك المالُ وعُدِم، فقد بطلَ دَينُ ربِّ المالِ، وذلك ما لا يقولُه أحدٌ، أو يكونُ في رقبتِه فإن يكنْ ذلك كذلك فمتى عُدِمت نفسُه فقد بطَل دينُ رَبِّ الدَّيْنِ وإن خلَّف الغريمُ وفاءً بحقِّه وأضعافَ ذلك، وذلك أيضًا ما لا يقولُه أحدٌ، فقد تبيَّن إذًا إذ كان ذلك كذلك، أن دَيْنَ ربِّ المالِ في ذمةِ غريمِه، يقضيه من مالِه، فإذا عُدِم مالُه فلا سبيلَ له على رقبتِه؛ لأنه قد عُدِم ما كان له عليه أن يُؤَدِّيَ منه حقَّ صاحبِه لو كان موجودًا، وإذا لم يكنْ على رقبتِه سبيلٌ، لم يكنْ إلى حبسِه وهو مُعْدِمٌ ¬في م: "معدوم".¥ بحقِّه سبيلٌ؛ لأنه غيرُ مانعِه حقًّا له إلى قضائِه سبيلٌ، فيعاقَبَ بظلمِه إيَّاه بالحبسِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280)}.
يعنى جلّ ثناؤه بذلك: وأن تَتصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على هذا المعسِرِ، {خَيْرٌ لَكُمْ} أيُّها القومُ من أن تُنْظِروه إلى ميسرتِه لتَقْبِضوا رءوسَ أموالِكم منه إذا أَيْسَر، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} موضعَ الفضلِ في الصدقةِ، وما أوْجَب اللهُ من الثوابِ لَمَن وضَع عن غريمِه المعسرِ دَينَه.
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على الغنيِّ والفقيرِ منهم خيرٌ لكم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ}: والمالُ الذي لهم على ظهورِ الرجالِ، جَعَل لهم رءوسَ أموالِهم حينَ نزَلت هذه الآيةُ، فأمَّا الربحُ والفضلُ فليس لهم، لا يَنبغى لهم أن يأخذوا منه شيئًا، {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}. يقولُ: وأن تَصَدَّقوا بأصلِ المالِ خيرٌ لكم ¬تقدم تخريجه في ص 54 دون آخره، وعلقه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553) عقب الأثر (2941).¥.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا} أي: برأسِ المالِ، فهو خيرٌ لكم.
وحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}. قال: من رءوسِ أموالِكم.
وحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ بمثِله.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصَةُ بنُ عُقْبَةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}: قال: [برءوسِ الأموالِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553) (2941) من طريق سفيان به.¥.
وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}. قال] ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 2، س.¥: أن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم.
وقال آخَرون: معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا به على المعسِرِ خيرٌ لكم. نحوَ ما قلنا في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}. قال: وأن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على الفقيرِ، فهو خيرٌ لكم. فتصدَّق به العباسُ ¬أخرجه بنحوه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553) عقب الأثر (2941) من طريق عمرو به.¥.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}. يقولُ: وإن تصدَّقتَ عليه برأسِ مالِك فهو خيرٌ لك ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 553) عقب الأثر (2941) من طريق ابن أبي جعفر به.¥.
وحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال أَخبَرَنَا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعتُ الضحَّاكَ في قولِه: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}: يعْنى على المعسِرِ، فأمَّا الموسِرُ فلا، ولكن يُؤْخَذُ منه رأسُ المالِ، والمعسِرُ الأخذُ منه حلالٌ، والصدقةُ عليه أفضلُ.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا عَمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا} [من رءوسِ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "برءوس".¥ أموالِكم {خَيْرٌ لَكُمْ} من نَظِرةٍ إلى ميسرةٍ، فاختار اللهُ عزّ وجلّ الصدقةَ على النِّظَارةِ.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} قال: من النَّظِرةِ، {إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
وحدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أَخبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}: والنظِرةُ واجبةٌ، وخيَّر ¬خيَّر: فضل. ينظر النهاية (2/ 91).¥ اللهُ الصدقةَ على النظِرةِ، والصدقةُ لكلِّ معسرٍ، فأما الموسرُ فلا.
وأَوْلَى التأويليِن بالصوابِ تأويلُ مَن قال: معناه: وأن تَصَدَّقوا على المعسرِ برءوسِ أموالِكم خيرٌ لكم. لأنه يَلِى ذكرَ حكمِه في المُعْسرِ ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "المعنيين".¥، وإلحاقُه بالذي يَلِيه أوْلى ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "أحب إلى".¥ من إلحاقِه بالذي بَعُد منه.
وقد قيل: إن هذه الآياتِ في أحكامِ الربا هنَّ آخرُ آياتٍ نزَلت من القرآنِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، وحدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: كان آخرَ ما أَنزَل اللهُ من القرآنِ آيةُ الربا، وإن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قُبِض قبلَ أن يُفَسِّرَها، فدَعُوا الربا والرِّيبةَ ¬أخرجه ابن ماجه (2276) من طريق سعيد به.¥.
وحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عامرٍ، أن عمرَ - رضي الله عنه - قام، فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أمَّا بعدُ، فإنه واللهِ ما أدرى، لعلَّنا نأمُرُكم بأمرٍ لا يَصْلُحُ لكم، وما أدرى لعلَّنا نَنْهاكم عن [أُمورٍ تَصْلُحُ] ¬في ص، م، ت 1، ت 2، س: "أمر يصلح".¥ لكم، وإنه كان مِن آخِر القرآنِ تنزيلًا آياتُ الربا، فتُوفِّي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قبلَ أن يُبَيِّنَه لنا، فدَعُوا ما يَرِيبُكم إلى ما لا يَرِيبُكم ¬عزاه الحافظ في الفتح (8/ 205) إلى المصنف.¥.
حدَّثني أبو زيدٍ عُمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا قَبيصَةُ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الشَّعْبيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: آخرُ ما أُنْزِل على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - آيةُ الربا، وإنَّا لنَأْمُرُ بالشيءِ لا نَدْرِى لعلَّ به بأسًا، ونَنْهَى عن الشيءِ لعلَّه ليس به بأسٌ ¬أخرجه أبو عبيد في الفضائل ص 223، 224، والبخاريّ (4544)، والبيهقي في الدلائل (7/ 138) من طريق قبيصة به، وعند البخاريّ إلى قوله: آية الربا. وقال الحافظ في الفتح (8/ 205): المراد بالآخرية في الربا تأخر نزول الآيات المتعلقة به من سورة البقرة، وأما حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة، على ما يدل عليه قوله تعالى في آل عمران في أثناء قصة أحد: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}. الآية.¥.