Tafsir for this Ayah

Surah 2 : Ayah 282

Surah 2 : Ayah 282

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌۢ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُۥ بِٱلْعَدْلِ ۚ وَٱسْتَشْهِدُوا۟ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَىٰهُمَا ٱلْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا۟ ۚ وَلَا تَسْـَٔمُوٓا۟ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا۟ ۖ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوٓا۟ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا۟ فَإِنَّهُۥ فُسُوقٌۢ بِكُمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

O you who believe, when you contract a debt among yourselves for a fixed period of time, write it down, and let the scribe write it between you with fairness. The scribe whom Allah has taught should not refuse to write, so let him write, and let the debtor dictate, but he should fear Allah his Lord, and not diminish anything out of it. If the debtor is feeble-minded, weak, or unable to dictate, then let his guardian dictate fairly, and bring two witnesses from among your men; if two men are not available, then one man and two women from those whom you accept as witnesses – so that if one of them forgets, the other can remind her. The witnesses should not refuse when they are summoned. Do not be reluctant to write down your debts, whether the amount is small or large, for a fixed period of time; that is more equitable in the sight of Allah, and more supportive as evidence, and more likely to prevent doubts among yourselves. However, if you are conducting a transaction on the spot between yourselves, there is no blame upon you not to write it, but take witnesses whenever you trade with one another. Neither a scribe nor a witness should suffer harm, for if you do cause them harm, it is indeed a sin on your part. So fear Allah, for it is Allah Who teaches you, and Allah is All-Knowing of everything[172].

No Tafsir is available in the selected language for this Ayah. Showing an available text.

تفسير ابن كثير

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)}.

هذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم، وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين ¬أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.¥. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أنه قال لما نزلت آية الدين: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أول من جحد آدم عليه السَّلام، إن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلًا يزهر، فقال: أي ربِّ من هذا؟ قال: هو ابنك داود، قال: أي ربِّ، كم عمره، قال: ستون عامًا، قال: ربِّ زد في عمره، قال: لا إلّا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة، قال: إنه بقي من عمري أربعون عامًا، فقيل له: إنك وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت، فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة". وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة ... فذكره وزاد فيه: "فأتمها الله لداود مائة وأتمها لآدم ألف سنة" ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 1/ 251، 252)، وفيه علي بن زيد بن جدعان: ضعيف، كما في التقريب.¥. وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس ¬في الأصل: "يوسف" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و (ح) و (م) والتخريج.¥ بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحكم الحافظ عليه.¥. هذا حديث غريب جدًّا، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة، وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب ¬في الأصل: "وثاب" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و (حم) والتخريج.¥، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومن رواية أبي داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة، ومن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ومن حديث تمام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ... فذكره بنحوه ¬المستدرك 1/ 64، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.¥. فقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا}. وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} قال: أنزلت في السلم إلى أجل غير معلوم. وقال قتادة: عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس، قال: أشهد السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحلَّه وأذن فيه، ثم قرأ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى}، رواه البخاري ¬هذه الرواية لم أجدها في صحيح البخاري، وسنده حسن.¥. وثبت في الصحيحين من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" ¬صحيح البخاري، السلم، باب السلم في كيل معلوم ح 2240)، وصحيح مسلم، المساقاة (ح 1604).¥. وقوله: {فَاكْتُبُوهُ} أمر منه تعالى بالكتابة لتوثقة والحفظ، فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنا أُمة أُمية لا نكتب ولا نحسب" ¬صحيح البخاري، الصوم، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا نكتب ولا نحسب" (ح 1913)، وصحيح مسلم، الصيام، باب وجوب صوم رمضان (ح 15).¥ فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب: أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلًا، لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظه على الناس، والسنن أيضًا محفوظة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب كما ذهب إليه بعضهم. قال ابن جريج: من أدان فليكتب، ومن ابتاع فليشهد ¬أخرجه الطبري من طريق الحسين بن داود وهو: سنيد عن حجاج عنه، وسنيد ضعيف.¥. وقال قتادة: ذُكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلًا صحب كعبًا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون ¬في الأصل: "لغلمون" وهو تصحيف.¥ مظلومًا دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعًا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب فلما حلّ ماله جحده صاحبه، فدعا ربه فلم يستجب له، لأنه قد عصى ربه ¬أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، ولم يصرح قتادة باسم شيخه.¥. وقال أبو سعيد والشعبي والربيع بن أنس والحسن وابن جريج وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجبًا، ثم نسخ بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ¬قول الشعبي أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح عنه.¥ [البقرة: 283]. والدليل على ذلك أيضًا الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقررًا في شرعنا ولم ينكر عدم الكتابة والإشهاد. قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه ذكر أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء أشهدهم. قال: كفى بالله شهيدًا، قال: ائتني بكفيل قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صدقت، فدفعها إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجَّج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللَّهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا، فرضي بذلك وسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بذلك وإني قد جهدت أن أجد مركبًا أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبًا وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبًا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعلَّ مركبًا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار وقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه؟ قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشدًا ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 2/ 348 - 349)، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير.¥. وهذا إسناد صحيح وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، فقال: وقال الليث بن سعد ... فذكره ¬صحيح البخاري، الكفالة، باب الكفالة في القرض 2291.¥، ويقال: إنه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه. وقوله: {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} أي: بالقسط والحق ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. وقوله: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ} أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب، كما جاء في الحديث: "إن من الصدقة أن تعين ضائعًا أو تصنع لأخرق" ¬أخرجه البخاري من حديث أبي ذر، العتق، باب أي الرقاب أفضل؟ (ح 2518)، ومسلم في صحيحه، الإيمان، بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (ح 84) بلفظ: "تعين صانعًا"، وقد رجحه الدارقطني (ينظر: فتح الباري 5/ 149).¥ وفي الحديث الآخر: "من كتم علمًا يعلمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" ¬أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ: "من سئل عن علم فكتمه أُلجم بلجام من نار يوم القيامة" وصححه محققوه (المسند 13/ 18 ح 7571).¥. قال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب ¬قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول عطاء أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج.¥. وقوله: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ} أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين وليتق الله في ذلك {وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} أي: صغيرًا، أو مجنونًا {أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ} محجورًا عليه بتبذير ونحوه: {أَوْ ضَعِيفًا} أي: صغيرًا، أو مجنونًا {أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ} إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}. وقوله: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} وهذا إنما يكون في الأموال، وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكنَّ أكثر أهل النار"، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكن" قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان عقلها، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين" ¬صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات (ح 79).¥. وقوله: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط وقد استدل من ردَّ المستور بهذه الآية الدالَّة على أن يكون الشاهد عدلًا مرضيًا. وقوله: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا} يعني: المرأتين إذا نسيت الشهادة {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} أي: يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد، وبهذا قرأ آخرون فتذكر بالتشديد من التذكار، ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر، فقد أبعد. والصحيح الأول، والله أعلم. وقوله: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع بن أنس ¬قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه بنحوه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن بلفظ: "فكان هذا واجبًا".¥. وهذا كقوله: {وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ} ومن ههنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية، وقيل مذهب الجمهور، والمراد بقوله: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} للأداء، لحقيقة قوله الشهداء، والشاهد حقيقة فيمن تحمل، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم. وقال مجاهد وأبو مِجلز وغير واحد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جابر الجعفي عن مجاهد والشعبي بنحوه.¥. وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن زيد بن خالد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" ¬صحيح مسلم، الأقضية (ح 1719).¥، فأما الحديث الآخر في الصحيحين: "ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا" وكذا قوله: "ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وتسبق شهادتهم أيمانهم" ¬صحيح مسلم، فضائل الصحابة، فضل الصحابة ثم الذين يلونهم (ح 2533).¥ وفي رواية: "ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون" ¬صحيح البخاري، الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا (ح 6428)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح 3535).¥ وهؤلاء شهود الزور، وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري أنها تعمُّ الحالين التحمل، والأداء. وقوله: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} هذا من تمام الإرشاد وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: ولا تسأموا أي تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله، وقوله: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلًا هو أقسط عند الله، أي أعدل وأقوم للشهادة، أي أثبت للشاهد إذا وضع خطه لم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا {وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} وأقرب إلى عدم الريبة بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة. وقوله: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا} أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها. فأما الإشهاد على البيع، فقد قال تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} يعني: أشهدوا على حقكم إذا كان في أجل أو لم يكن فيه أجل، فأشِهدوا على حقكم على كلِّ حال ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده مختصرًا، وسنده حسن.¥. قال: وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك نحو ذلك ¬ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.¥. وقال الشعبي والحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة: 283]. وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب، والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -. أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنادى الأعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سمع نداء الأعرابي، قال: أوليس قد ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بل قد ابتعته منك" ¬قول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، وقول الشعبي ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.¥ فطفق الناس يلوذون بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، والأعرابي، وهما يتراجعان فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقول إلا حقًّا حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومراجعة الأعرابي يقول: هلمَّ شهيدًا يشهد أني بايعتك، قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على خزيمة، فقال: "بمَ تشهد"؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادة خزيمة بشهادة رجلين ¬أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند 5/ 215 - 216)، وسنده ثابت.¥. وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي، وكلاهما عن الزهري به نحوه ¬أخرجه أبو داود من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع به (السنن، الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد ح 3607)، والنسائي، السنن، البيوع، باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع 7/ 301، 302، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول 10/ 196)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح 3073).¥، ولكن الاحتياط هو الإرشاد لما رواه الإمامان الحافظ أبو بكر بن مردويه، والحاكم في مستدركه من رواية معاذ بن معاذ العنبري، عن شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلًا مالًا فلم يُشِهد" ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، قال: ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين" ¬المستدرك 2/ 302.¥. وقوله تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} قيل: معناه لا يضارّ الكاتب ولا الشاهد، فيكتب هذا خلاف ما يُملي، ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما ¬قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح.¥. وقيل: معناه لا يضربهما. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أُسيد بن عاصم، حدثنا الحسين يعني ابن حفص، حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مِقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} قال: يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان: إنا على حاجة، فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا، فليس له أن يضارَّهما ¬أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه يزيد بن أبي زياد: وهو ضعيف كما في التقريب. ويشهد له أقوال التابعين التالية.¥. قال: ورُوي عن عكرمة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير والضحاك وعطية ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك ¬ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم، بحذف السند، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح.¥. وقوله: {وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ} أي: إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه، وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أي: خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره {وَيُعَلِّمُكُمُ} كقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال: 29] وكقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد:28]. وقوله: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها فلا يخفى عليه شيء من الأشياء بل علمه محيط بجميع الكائنات.

Tafsir in other languages · 6