تفسير ابن كثير
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79)}.
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} الآية: هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل.
والويل: الهلاك والدمار؛ وهي كلمة مشهورة في اللغة.
وقال سفيان الثوري ¬أخرجه ابن جرير (1382) عن ابن مهدي، و (1383) عن وكيع، و (1384) عن زيد بن أبي الزرقاء؛ وابن أبي حاتم (804) عن ابن مهدي، وابن المبارك في "الزهد" (333 - رواية نعيم) قالوا: ثنا سفيان الثوري بسنده سواء. وما ذكره المصنف هو لفظ رواية ابن مهدي، عن الثوري. وهذا سند صحيح، وقد خولف
الثوري خالفه الأعمش فرواه عن زياد بن فياض، عن أبي عياض، عن ابن عباس قال: "ويل واد في جهنم لا يعلمه إلا الله". فجعله من قول ابن عباس.
أخرجه أسد بن موسى في "الزهد" (16 - بتحقيقي) قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش. وقيس ضعيف الحفظ.¥، عن زياد بن فياض: سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم.
وقال عطاء بن يسار ¬أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (332 - رواية نعيم)؛ وابن جرير (1396)؛ وابن أبي حاتم (805)؛ وأبو محمد الفاكهي في "حديث يحيى بن أبي مسرة عن شيوخه" (رقم 8 - بتحقيقي)، ومن طريقه البيهقي في "البعث" (468) من طريق سعيد بن أبي أيوب، حدثني محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار فذكره. وسنده جيد.¥: الويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.
وقال ابن أبي حاتم ¬في "تفسيره" (803).
وأخرجه ابن المبارك في "المسند" (134)؛ وفي "الزهد" (334 - رواية نعيم)؛ وابن أبي الدنيا في "صفة النار" (ق 142/ 2)؛ وابن جرير (1/ 378؛ و 29/ 97)؛ وابن حبان (7467)؛ والحاكم (2/ 507؛ و 4/ 596)؛ والبيهقي في "البعث" (465، 466) من طريق عمرو بن الحارث، بسنده سواء.¥: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قال: "ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره". ورواه الترمذي ¬في "سننه" (2164) قال: حدثنا عبد بن حميد. وهذا في "المنتخب من المسند" (924) عن الحسن بن موسى به؛ وأخرجه أحمد (3/ 75)؛ وأسد بن موسى في "الزهد" (15)؛ وأبو يعلى في "المسند" (1383) من طريق حسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة به وتابعه كامل بن طلحة الجحدري، ثنا ابن لهيعة، ثنا دراج بسنده سواء؛ أخرجه البيهقي في "البعث" (487).
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي! وليس كما قالا، لأن رواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة، كما نص على ذلك غير واحد من الحفاظ.¥ عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج، به. وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة".
قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده؛ وهذا الحديث بهذا الإسناد - مرفوعًا - منكر، والله أعلم.
وقال ابن جرير ¬في "تفسيره" (1386، 1395). وهذا خبر منكر.¥: حدثنا المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام (بن) ¬في (ن): "ثنا" وهو خطأ فاحش.¥ صالح (القشيري) ¬في "تفسير الطبري": "التستري".¥، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان (رضي الله تعالى عنه) ¬في (ل). ولم يذكر في (ن) قوله: "تعالى".¥، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} قال: "الويل جبل في النار"؛ وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حرفوا التوراة زادوا فيها ما أحبوا ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد - صلى الله عليه وسلم - من التوراة؛ ولذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال تعالى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} وهذا غريب أيضًا جدًّا.
[وعن ابن عباس: الويل: (المشقة) ¬في (ج) و (ل): "السعير".¥ من العذاب. وقال الخليل بن أحمد: الويل شدة الشر. وقال سيبويه: "ويل": لمن وقع في الهلكة، "وويح": لمن أشرف عليها؛ وقال الأصمعي: الويل: تفجع. (والويح) ¬في (ج) و (ل): "الويل" وهو سبق قلم.¥: ترحم. وقال غيره: الويل الحزن.
وقال الخليل: وفي معنى "ويل" و"ويح" و"ويس" و"ويه" و"ويك" و"ويت". ومنهم من فرق بينها.
وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء. ومنهم من جوز نصبها لمعنى ألزمهم ويلًا.
قلت: لكن لم يقرأ بذلك أحد] ¬ساقط من (ز) و (ض).¥.
وعن عكرمة ¬أخرجه ابن أبي حاتم (806) وسنده قوي.¥، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} قال: هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد ¬أخرجه ابن جرير (1392) وسقط ذكر سعيد بن أبي عروبة من الإسناد عنده، فليستدرك من هنا.¥، عن قتادة: هم اليهود.
وقال (وكيع في "تفسيره": حدّثنا) ¬من (ع) وعزاه السيوطي في "الدر" (1/ 82) إلى وكيع في "تفسيره".
وأخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" (412)؛ والنسائي في "التفسير" (11) من طريقين عن وكيع بسنده سواء وليس عندهما ذكر للمشركين. وعزاه السيوطي في "الدر" إلى ابن المنذر.¥ سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن علقمة: سألت ابن عباس - رضي الله عنه - عن قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب.
وقال السدي ¬أخرجه ابن جرير (1388)؛ وابن أبي حاتم (807).¥: كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله (فيأخذوا) ¬في (ز): "ليأخذوا".¥ به ثمنًا قليلًا.
وقال الزهري ¬أخرجه البخاري (5/ 291؛ و 13/ 333، 334، 496).¥: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أنه قال: يا معشر المسلمين؛ كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدثُ أخبار الله تقرؤونه (غضًا) ¬أشار في (ع) أن في نسخة: "محضًا" وهي رواية البخاري وسائر المخرجين ما عدا ابن أبي حاتم فاختار المصنف روايته وكتبها ابن المحب في (ج) بخط دقيق فوق "غضا".¥ لم يشب، وقد حدثكم الله (تعالى) ¬من (ز) و (ن).¥ أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب؛ وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؛ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أنزل عليكم. رواه البخاري من طرق عن الزهري.
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري ¬أخرجه ابن أبي حاتم (456، 815)؛ وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" (497) وفي سنده هارون بن يزيد،
وعند ابن أبي الدنيا "زيد". وهارون بن يزيد هو عندي البصري الذي ترجمه البخاري في "التاريخ الكبير" (4/ 2/ 220) وقال: "عمن حدثه عن أبى هريرة" وذكره ابن حبان في "الثقات" (7/ 579) وقال: "يروى عن رجل عن أبي هريرة".
وظاهر من ترجمته أنه مجهول، والله أعلم.¥: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.
وقوله (تعالى) ¬من (ز) و (ن).¥: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك ¬أخرجه ابن جرير (1398) وسنده ضعيف.¥، عن ابن عباس (- رضي الله عنهما -) ¬من (ن).¥ {فَوَيْلٌ لَهُمْ} يقول: فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب {وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.