تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ}.
وقولُه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ}. في المعنى والإعرابِ نظيرُ قولِه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ}.
وأمّا سَفْكُ الدمِ، فإنه صَبُّه وإراقتُه.
فإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ}. وقال: أَوَ كان القومُ يَقْتُلُون أنفسَهم، ويُخْرِجُونَها من ديارِها، فيُنْهَوا عن ذلك؟
قيل: ليس الأمرُ في ذلك على ما ظَنَنْتَ، ولكَن نُهُوا عن أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، فكان في قتلِ الرجلِ منهم الرجلَ منهم قتلُ نفسِه، إذ كانت مِلَّتُهما [واحدةً، ودينُهما واحدًا، وكأنَّ أهلَ الدينِ الواحدِ في ولايةِ بعضِهم بعضًا] ¬سقط من: م.¥ بمنزلةِ رجلٍ واحدٍ، كما قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إنّما المؤمنون في تَراحُمِهم وتَعاطُفِهم بينَهم بمنزلةِ [الجسدِ الواحدِ] ¬في ت 2: "رجل واحد".¥، إذا اشْتَكَى [منه عُضوٌ] ¬في م "بعضه".¥ تدَاعَى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهَرِ" ¬أخرجه البخاريّ (6011)، ومسلم (2586) من حديث النعمان بن بشير، وقد ذكره المصنف هنا بمعناه.¥.
وقد يجوزُ أن يكونَ معنى قولِه: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} أي: لا يَقْتُلُ الرجلُ منكم [الرجلَ منكم] ¬سقط من: ت 2.¥، فَيُقادَ به قِصاصًا، فيكونَ بذلك قاتلًا نفسَه؛ لأنه كان الذي سبَّب لنفسِه ما استحقَّتْ به القتلَ، فأُضِيف إليه بذلك قتلُ ولىِّ المقتولِ إياه قِصاصًا بوليِّه، كما يقالُ للرجلِ يَرْكَبُ فعلًا من الأفعالِ يَستَحِقُّ به العقوبةَ فيعاقَبُ ¬بعده في م، ت 1: "العقوبة"، وفي ت 2: "به العقوبة".¥: أنت جَنَيْتَ هذا على نفسِك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأْويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} أي: لا يقتلُ بعضُكم بعضًا، {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} ونفسُك يا بنَ آدمَ أهلُ مِلَّتِك ¬ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 163 عقب الأثر (852) معلقًا.¥.
حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جَعْفَرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية في قولِه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ}. يقول: لا يقتلُ بَعْضُكم بَعْضًا، {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ}. يقولُ: لا يُخْرِجُ بعْضُكُم بعضًا من الديارِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 162، 163 (851، 853) من طريق آدم به.¥.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ في قولِه: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ}. يقولُ: لا يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا.
[حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ: {لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ}. يقولُ: لا يقتلُ بعضُكم بعضًا] ¬سقط من: م، ت 2، ت 3.¥ بغيرِ حقٍّ، {وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} فتَسْفِك يا بنَ آدمَ دماءَ أهلِ ملَّتِك ودعوتِك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ}.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} [أي: أقرَرتُم] ¬¥ بالميثاقِ الذي أَخَذْنا عليكم [ألا تَسْفِكُوا] ¬في م، ت 2، ت 3: "لا تسفكون".¥ دماءَكُم ولا تُخْرِجوا أنفسَكُم مِن ديارِكُم.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ}. يقولُ: أقررْتم بهذا الميثاقِ ¬أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 163 (855) من طريق آدم به.¥.
حُدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)}.
قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في من خُوطِب بقولِه: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}؛ فقال بَعْضُهم: ذلك خطابٌ من اللهِ جلّ وعزّ لليهودِ الذين كانوا بين ظهرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أيامَ هجرتِه إليه مُؤَنِّبًا لهم على تضييعِهم أحكامَ ما في أيدِيهم مِن التوراةِ التي كانوا يُقِرُّون بحُكْمِها، فقال اللهُ عزَّ وجل لهم: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ}. يَعْني بذلك: أقرَّ ¬في م: "إقرار".¥ أَوائلُكم وسلفُكم، {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} على إقرارِهم بأخذِ الميثاقِ عليهم بأن لا يَسْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجوا أنفسَهم من ديارِهم، [وتُصَدِّقون] ¬في م: "ويصدقون".¥ بأنَّ ذلك حقٌّ مِن ميثاقى عليكم ¬في م: "عليهم".¥. وممن حُكِى هذا القول عنه ابنُ عباسٍ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}: علَى أنَّ هذا حقٌّ من ميثاقِى عليكم ¬سيرة ابن هشام 1/ 540، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/ 163 (854) من طريق سلمة به.¥.
وقال آخرون: بل ذلك خَبرٌ من اللهِ جلّ وعزّ عن أوائلِهم، ولكنه تعالى ذكرُه أخرَج الخبرَ بذلك عنهم مُخْرَجَ المخاطبةِ على النحوِ الذي وَصَفْنا في سائرِ الآياتِ التي هي نظائرُها، التي قد بَيَّنّا تأويلَها فيما مضَى ¬ينظر ما تقدم في 1/ 642، 643.¥.
وتأوَّلُوا قوله: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} بمعنى: وأنتم شُهودٌ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العالية في قولِه: {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} يقولُ: وأنتم شهودٌ.
وأولى الأقاويلِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ عندي أن يكونَ {وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} خبرًا عن أسلافِهم، وداخلًا فيه المخاطَبون به ¬في م: "منهم".¥ الذين أَدْرَكُوا رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كما كان قولُه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} خبرًا عن أسلافِهم وإن ¬في م: "بأن".¥ كان خطابًا للذين أَدْرَكُوا رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لأن اللهَ عزّ ذكرُه أخَذ ميثاقَ الذين كانوا على عهدِ موسى عليه السلامُ من بني إسرائيل على سبيلِ ما قد بَيّنه لنا في كِتابِه، فأَلْزَمَ جَميعَ مَن بعدَهم مِن ذُرِّيَّتِهِم مِن حُكْمِ التوراةِ مثلَ الذي أَلْزَم منه مَن كان على عهدِ موسى عليه السلامُ منهم، ثم أَنَّب الذين خاطبَهم بهذه الآياتِ على نقضِهم ونقضِ سلفِهم ذلك الميثاقَ، وتبديلهم ¬في م، ت 2: "تكذيبهم".¥ ما وَكَّدوا على أنفسِهم له بالوفاءِ من العهودِ بقولِه: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} وإن كان خارجًا على وجهِ الخطابِ للذين كانوا على عهدِ نبيِّنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منهم، فإنَّه معنيٌّ به كلُّ مَن أقَرّ ¬في م: "واثق".¥ بالميثاقِ منهم على عهدِ موسى عليه السلامُ ومَن بعدَه
، وكلُّ مَن شَهِد منهم بتصديقِ ما في التوراةِ، لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه لَمْ يَخْصُصْ بقولِه: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} وما أشبهَ ذلك من الأي بعضَهم دون بعضٍ، والآيةُ محتمِلةٌ أن يكونَ أُرِيدَ بها جميعُهم، فإذ كان ذلك كذلك، فليس لأحدٍ أن يَدَّعِىَ أنه أريدَ بها بعضٌ منهم دونَ بعضٍ، وكذلك حكمُ الآيةِ التي بعدَها، أعنِى قولَه: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} الآية؛ لأنه قد ذُكِر أن أوائلَهم قد كانوا يفعلُون من ذلك ما كان يفعلُه أواخرُهم الذين أدركوا عصرَ نبيِّنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.