تفسير ابن كثير
وقوله: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ} أي: قائمة لا محالة وكائنة لا بد منها.
وقوله: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} قال الضحاك، عن ابن عباس: أنه كان يقرؤها (أكاد أخفيها من نفسي)، يقول: لأنها لا تخفى من نفس الله أبدًا ¬سنده ضعيف؛ لأن الضحاك لم يلقَ ابن عباس - رضي الله عنهما-.¥.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: من نفسه ¬أخرجه الطبري بسند فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف ويشهد له المراسيل التالية.¥، وكذا قال مجاهد وأبو صالح ويحيى بن رافع ¬قول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول أبي صالح أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.¥.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {أَكَادُ أُخْفِيهَا} يقول: لا أطلع عليها أحدًا غيري ¬أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي به بلفظ: "لا ظهر عليها أحدًا غيري".¥.
وقال السدي: ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلا قد أخفى الله تعالى عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود (إني أكاد أخفيها من نفسي)، يقول: كتمتها عن الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت ¬عزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم.¥.
وقال قتادة: أكاد أخفيها، وهي في بعض القراءات: (أخفيها من نفسي)، ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء والمرسلين ¬أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي عروبة عن قتادة.¥. قلت: وهذا كقوله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65].
وقال: {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً} [الأعراف: 187] أي: ثقل علمها على أهل السماوات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب، حدثنا أبو تميلة، حدثني محمد بن سهل الأسدي، عن وِقاء، قال: أقرأنيها سعيد بن جبير: (أكاد أَخفِيها)، يعني: بنصب الألف وخفض الفاء، يقول: أظهرها، ثم قال: أما سمعت قول الشاعر ¬هو كعب بن زهير كما صرح الحافظ ابن كثير، والبيت في ديوانه ص 174.¥:
دأبَ شهرين ثم شهرًا دميكًا ... بأريكين يخفيان غميرًا ¬في سنده وقاء، وهو ابن إياس الأسدي الكوفي: لين الحديث (التقريب ص 581)، ويتقوى بما سبق.¥
قال السدي: الغمير: نبت رطب ينبت في خلال يبس، والأريكين: موضع، والدميك: الشهر التام، وهذا الشعر لكعب بن زهير.
وقوله - سبحانه وتعالى -: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} أي: أقيمها لا محالة لأجزي كل عامل بعمله {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)} [الزلزلة]، {إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: 16].