تفسير الإمام الطبري (جامع البيان)
القولُ في تأويل قولِه تعالى: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)}.
اخْتَلَفَت القرأةُ في قراءة قوله: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ}؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والكوفة: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} بهمز الألف من: {فَأَجْمِعُوا} ¬وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي. ينظر حجة القراءات ص 456.¥. ووجَّهوا معنى ذلك إلى: فأَحْكموا كيدَكم واعْزموا عليه. من قولهم: أجْمَع فلانٌ الخروجَ، وأجْمَع على الخروج. كما يقالُ: أزْمَع عليه. ومنه قولُ الشاعر ¬تقدم تخريجه في 12/ 231.¥:
يا ليت شِعْرِى والمُنَى لا تَنْفَعُ ... هل أَغْدُونْ يومًا وأَمْرِى مُجْمَعُ
يعنى بقوله: مُجْمَعُ: قد أُحْكم وعُزم عليه. ومنه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يُجْمِعْ على الصومِ مِن الليل فلا صومَ له" ¬هي قراءة أبي عمرو. حجة القراءات ص 456.¥.
وقرأ ذلك بعضُ قرَأة أهل البصرة: (فاجْمَعوا كَيْدَكم). بوصل الألف وترك همزِها ¬سقط من: ص، م، ت 1، ت 3، ف.¥، من: جمَعْتُ الشيءَ. كأنه وجَّهه إلى معنى: فلا تَدَعوا من كيدكم شيئًا إلا جئْتُم به.
وكان بعضُ قارئى هذه القراءةِ يَعْتَلُّ فيما ذُكِر لى لقراءته ذلك كذلك بقوله: {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ}.
والصوابُ في قراءة ذلك عندنا همزُ الألفِ مِن "أَجْمَع"؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرأة عليه، وأن السَّحَرةَ هم الذين [قيل لهم ذلك، ولم يحضُروا ذلك المشهد إلا لما كان عندَهم من السحر الذي] ¬في ت 2: "عاملون".¥ كانوا به معروفين، فلا وجه لأن يُقال لهم: اجمعُوا ما دُعيتُم له مما أنتم به عالمون ¬في ت 2: "يوما".¥؛ لأن المرْءَ إنما يَجْمَعُ ما لم يَكُنْ عنده إلى ما عندَه، ولم يَكُنْ ذلك يومَ ¬في م، ت 2: "يعملونه".¥ يَزِيدُ في علمِهم بما كانوا يَعْلمونه ¬¥ من السحر، بل كان يومَ إظهاره، أو ما ¬سقط من: م، ت 1، ت 2.¥ كان متفرِّقًا مما هو عندَه، بعضَه إِلى بعضٍ، ولم يكن السحرُ ¬في ت 1، ف: "السحرة".¥ متفرِّقًا عندَهم فَجَمَعوه ¬في م، ت 2: "فيجمعونه"، وفى ت 1، ت 3: "مجتمعون"، وفى ف: "مجتمعوه".¥.
وأما قولُه: {فَجَمَعَ كَيْدَهُ}. فغيرُ شبيه المعنى بقوله: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ}. وذلك أن فرعون كان هو الذي يَجْمَعُ ويَحْتَفِلُ بما ¬في ص: "مما"، وفى ت 1، ت 2: "فيما".¥ يَغْلِبُ به موسى مما لم يَكُنْ عندَه مُجْتَمِعًا حاضرًا، فقيل: {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ}.
وقولُه: {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا}. يقولُ: ثم احْضُروا وجيئوا صفًّا. والصفُّ ههنا مصدرٌ، ولذلك وُحِّد، ومعناه: ثم ائْتُوا صُفوفًا.
وللصفِّ في كلام العرب موضعٌ ¬في ت 2: "مواضع".¥ آخرُ، وهو قولُ العرب: أَتَيْتُ الصفَّ اليومَ. يعني به المُصَلَّى الذي يُصَلَّى فيه.
وقولُه: {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى}. يقولُ: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهَره.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: جمَع فرعونُ الناسَ لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: {ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى}. أي: قد أفْلَح مَن فلَج ¬في م: "أفلج".¥ اليوم على صاحبه ¬تقدم أوله في ص 19.¥.