تفسير ابن كثير
أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)
ولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)}.
ثبت في الصحيحين: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن" ¬تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران آية 133.¥.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)} " ¬سنده صحيح، وأخرجه ابن ماجه من طريق أحمد بن سنان به (السنن، الزهد، باب صفة الجنة ح 4341)، وصححه البوصيري والحافظ ابن حجر (فتح الباري 11/ 442)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه في آخر حديث من السنن.¥.
وقال ابن جريج، عن ليث، عن مجاهد {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10)} قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة ويهدم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة ويبني بيته الذي في النار ¬أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج به ويشهد له سابقه.¥. وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك ¬يشهد له حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.¥، فالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم -عز وجل-؛ بل أبلغ من هذا أيضًا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بُردة عن أبي موسى عن أبيه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يجيء ناس يوم القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى" ¬أخرجه مسلم (الصحيح، التوبة، باب قبول توبة القاتل ح 2767/ 49).¥.
وفي لفظ له: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقال: هذا فكاكك من النار" فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات، أن أباه حدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، قال: فحلف له ¬المصدر السابق (2767/ 50).¥.
قلت: وهذه الآية كقوله تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63)} [مريم]، وكقوله: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)} [الزخرف]، وقد قال مجاهد وسعيد بن جبير: الجنة بالرومية هي الفردوس ¬قول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن جريج لم يسمع من مجاهد، وأخرجه البستي بسند صحيح عن ابن جريج بدون ذكر مجاهد.¥.
وقال بعض السلف: لا يسمى البستان: الفردوس، إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم.